/ تطوير الذات

الشبكة المصيدة ... عندما يخطف 'العنكبوت' حياتك

عندما كتبتُ عن التلفاز، إدمانه، وأهميّة التخلص منه، لفت بعض الزوّار انتباهي إلى أن إدمان التلفاز قد تلاشى من حياة الكثيرين، لا لشيء، سوى أنَّ إدمانًا أخطر منه قد حلّ مكانه .. إنها شبكة العنكبوت .. قد حاكتْ خيوطها بمهارةٍ شديدة، ودقةٍ متناهية، وبطئٍ كبير .. وفي المَثَل … خيوط العنكبوت القوية، توثق الأسد بإحكام ..
وكنتُ بإستمرار أتباهى بنفسي (ولا أزال !!) أنني لم أسقط في شراك الإدمان، وأني لا أجلس الساعات تتلوها الساعات … لكن في الفترة الماضية شعرتُ بالعنكبوت قد اقترب مني، وبدأ يخيط حولي خيوطه الرفعية الدقيقة .. وبفضلٍ من الله اتخذتُ حزمةً من الإجراءات أعادت إليّ رشدي .. وأحب هنا أنْ أشارككم تجربتي وتشاركوني نصائحكم وخلاصة تجاربكم ..

بدايةً لا فرق بين أن تمسك الريموت كنترول، وتقلّب بين المحطات المختلفة لساعات، أو تجلس خلف شاشة الحاسوب، وأناملك الذهبية تتوالى على لوحة المفاتيح لتلج لموقع ما، ومن رابط لآخر تأخد الرحلة منك ساعات ..
أظنّ – والله أعلم – أن الخلل الحقيقي في الحالتين، أنّ هذا المدمن (أو حتى إن كان مشروع مدمن) ليس لديه ما يملئ حياته، يقولون بأن** الإناء الذي لايملئه الماء سيمئله الهواء حتمًا**، بمعنى إن لم يكن لديك في حياتك مجموعة من القضايا والأهداف التي تملؤك فإن أي شيءٍ آخر سيقوم بهذه المهمة،** لأنه عليك أن تملتئ لا محالة، لكن التحدي : أن تمتلئ بماذا؟**

النصائح الوعظية لا تفيد هنا، “هذا مضيعة للوقت”، “هذا إسراف”، “ماذا تجني من كل هذه الساعات” .. هذه الوعظيات لا تقدّم ولا تؤخّر، يندر أن لا يدرك مدمن النت سوء حالته، إنه لا يحتاج إلى من يتحفه بموعظة أخرى .. لكنه يريد حلًا حقيقيًا ..

علينا أن نتفهم تمامًا، كيف يصبح تصفح الشبكة ‘إدمان’ …
وهذا يصعب شرحه لمن لم يجرّب ..** هناك أولًا ‘الماسنجر’، الماص الأول للوقت والطاقة.**
الماسنجر هو مكان اللغو الأول في العالم ووسيلته المثلى، ولا فائدة حقيقية تجنى من وراءه ..
ليس تمامًا … أخوك في الغربة، وصديقك البعيد الذي يحتاج لكي يفضفض لك،قد تروم حوارًا في شأنٍ ثقافي ما مع أحدهم … وغير ذلك
لكن انتيه، قيّد هذه الحالات بأوقات محددة، لا تفتح الماسنجر، كلما ولجتَ إلى الشبكة، اتفق وأخاك على موعدٍ محدد، افتح الماسنجر على وضعية “عدم الظهور” .. وأنجز ما عليك ..
أكرر:** لا تفتح الماسنجر كلما ولجتَ إلى الشبكة، واجعل لمحادثاتك الهامّة وقتًا محددًا، ولا تدخل إلا بوضيعة “عدم الظهور”، وبعد المحادثة قيّم المحصلة النهائية، هل حققتَ شيئًا أم أن الحديث كان لغوًا من جديد .. إذًا ضع هذا الشخص ضمن قائمة “اللاغين”
بإختصار : تبنى مبدأ “الماسنجر ليس ساحةً للغو”**

إذا نجوتَ من ‘الماسنجر’ و ‘غرف الدردشة’ (وهذه الأخيرة لن أتكلم عنها، لأني أفرض بأني قارئي أرقى من مستواها) فهذا يعني أن أمورك بخيرٍ إلى حدٍ ما ..
اﻵن لدينا مواقع التدوين المصغّر أو ما يسمى بـ “مواقع التواصل الإجتماعي”.
الفكرة الأساس هنا أن تضع هدفًا واضحًا محددًا من وراء تعاملك مع مثل هذه المواقع ..
مثلًا .. هدفي الرئيسي للتسجيل في الفيس بوك هو نشر روابط التدوينات التي أكتبها، ووضع روابط خارجية أراها مهمة جدًا، ثم التعرف على أخبار أصدقائي الذين أعرفهم شخصيًا على أرض الواقع …
بمعنى أنني لا أتابع أخبار أشخاص لا أعرفهم إلا إفتراضيًا، هذا ليس رقمنة للتواصل الإجتماعي – بنظري، هذا مضيعة للوقت ..
رقمنة التواصل الإجتماعي تعني أن تتواصل أكثر مع مَن تعرفهم على أرض الواقع أصلًا ..

التعامل بهذه الطريقة مع مواقع التواصل الإجتماعي يوفر الوقت ويحقق النتائج …

المدونات … هذه مرض آخر من أمراض العصر، أقصد كثرتها
المشكلة أن هناك عشرات وعشرات المدونات التي تكتب شيئًا جديدًا كل يوم تقريبًا، وكل تدوينة تحتوي على روابط تشعبية فرعية أخرى … وهكذا تغرق في بحر الروابط، والرحلة اللامنتهية من رابط آخر حتى الهزيع الأخير من الليل ..
أولًا : لا تقم بمتابعة المدونات بالطريقة التقليدية، تعامل مع المدونات دائمًا بتقنية الـ RSS
ثانيًا : اشتراكك في مدونة ما لا يلزمك بقراءة كل ما تكتبه، بشكلٍ عام هناك بعض الأشخاص نقرأ لهم كل مايكتبون، هؤلاء لا أتحدث عنهم، لكن الفئة الثانية، وهي الأكثر، لا تقرأ لها إلا العناوين التي تهمك حقًا .. وحاول أن تبقى متيقظًا لمنحدر الروابط التشعبية ..
نصيحة مجربة : اطلع على نتاج الفئة الثانية مرة كل ثلاث أو أربعة أيام، زحمة النتاج عندئذٍ ستجبرك على إختيار ما يهمك فقط لقرائته.
لا مانع من أن تحفظ شيئًا من نتاج الفئة الاولى لتقرأه لاحقًا – على رواق
لا تفعل ذلك مع الفئة الثانية، كن متشددًا وإحسمها فورًا : إما أن تقرأ اﻵن وإما لا.
بغير ذلك ستتراكم المقالات التي تنتظر ‘وقتًا ما’ لقرأتها

أسمع أحدهم يذكر المنتديات، هذه – يا صاحب – عفا عنها الزمن، تقنية من العهد الغابر، ويندر أن تجد واحدًا يستحق المشاركة والمتابعة، بشكلٍ عام لا أشعر بأنه ما زال هناك من يدمن على المنتديات إلا الأشخاص الفارغون تمامًا .. (هل تعرفون منتى يستحق المشاركة فعلًا؟؟)

**المواقع الإخبارية، إياك أن تضعها ضمن برنامج قراءة الـ RSS، **حتى لا تتخم بعشرات العناوين كل يوم، لاتكن غبيًا مثلي وتتابع ستة مواقع إخبارية كل يوم، لقد تعلمتُ أن موقعًا أو اثنين هم أكثر من اللزوم.

عندما يخطر على بالك شيئ ما ترغب في البحث عنه، سجّله في ملف خاص بعمليات البحث المنتظرة، لا تدخل للشبكة كل ساعة لأنك تذكرت شيئًا عليك البحث عنه.

بقي لدينا “البريد الإلكتروني”، ولا أدري كيف يمكنني التوقف عن فحصه بضعة مراتٍ في اليوم الواحد. هذا يزعجني بحق، فهو أشبه بالسوسة!

مجددًا : هذه النصائح ما هي إلا مجرد تلميحات مساعدة، لمن يعمل على ملئ وقت فراغه بشيء مفيدٍ نافع، لكنها ليست علاجًا للإدمان، علاج الإدمان، أن تجد ما يشغلك في الخير والبر، وإلا فإن حياتك ستضيع بشكل فظيع!

ماذا عنكم أحبائي؟؟