/ فقه الوجود

فلم نوح (أو لماذا يلحد البعض بالنبوة)

أمضيت مؤخرا ساعتين من الوقت في مشاهدة فلم نوح Noah الممنوع من العرض في الشرق الأوسط (باستثناء لبنان)، الفلم من إخراج المخرج الأمريكي دارين ارونوفسكي بينما يلعب فيه الممثل النيوزيلندي راسل كرو دور البطولة (السيد نوح)، ويستقي السيناريو بنيته وخطوطه العريضة من الرؤية الإنجيلية للقصّة، التي تقول بأن الرب ندم على خلق البشرية، ورأى أنها أفسدت أكثر بكثير مما أصلحت، فقرر إهلاكها عن بكرة أبيها، مرة واحدة وإلى الأبد، لكنه رغب في استثناء كل الأنواع الحية على كوكبنا الجميل من عقابه هذا، فاختار نوح الرجل الصالح، ليقوم بالمهمة هذه، في إنقاذ الحيوانات وغيرها، في سفينة ضخمة، لتُفتح بعدها أبواب السماء والأرض بينابيع من الماء، تغرق كل من على البسيطة، لترسوا السفينة فيما بعد، وتعود اليابسة للظهور ومن ثم تستمر الحياة البرية (دون الحياة البشرية)، بعد موت نوح وعائلته.

لكن تغييرا ما حدث في خطة الرب، فزوجة أحد أبناء نوح تمكنت من الانجاب خفية عن أعين الرجل الصالح، الذي هاله الخبر فور سماعه، وقرر أنه ان كان المولد صبيا فسيدعه يحيا حتى يموت من الهرم، أما ان كانت أنثى فعليه قتلها وهي في المهد، خشية من أن تكبر وتحمل وتنجب، وهذا ما قد يعني عودة الحياة البشرية واستمرارها على هذا الكوكب الصغير، وهو ما يخالف خطة الرب، لذا يعقد العزم السيد نوح على قتل الوليد، حال ولادته حيث يتضح أن القادم أنثى، بل هما اثنتان بدلا من واحدة، وهكذا نراه يمسك سكينا حادا، يقربه على وجهيهما الملائكيين، ليحدث ماكان متوقعا لكن بشكل غير متوقع، وهذا ما سآتي على ذكره في نهاية التدوينة

الذي لاحظته على نفسي وعلى من شاهد الفلم معي من الأصدقاء، أننا انطلقنا في متابعة القصة كنوع من مشاهدة قصة خيالية (بإعتبار السيناريو المذكور لا يتاطبق مع الرؤية القرانية للقصة، فلم نشعر بقدسية ما نرى) ، وبالتالي كان حكمنا وتقييمنا لمجريات الأحداث عقلانيا إلى حد كبير، وكأننا نشاهد نوح “آخر” و إله “آخر”، ووفق هذا الاعتبار جاء انحيازنا حسب سياق القصة إلى التعاطف مع “الكفار” الذين غرقوا في الماء، ومع زوجة نوح وابنه، مقابل موقف عدائي تجاه نوح عبّرت عنه زوجه صراحةً حينما أخبرته “لن أسامحك، ستموت وحيدا، مكروها، يكرهك جميع الذين تحبهم” (الدقيقة 105)

فلماذا شعرنا تجاه نوح وأوامر ربه بالكراهية بينما تعاطفنا مع معظم الآخرين؟

– لم يؤمن مع نوح سوى عدد قليل جدًا من أسرته (الإيمان الذي يقدمه النبي هنا، هو الاعتراف بوجود الله وصفاته) وهؤلاء فقط هم الذين نجوا، بينما غرقت البشرية بكاملها، فما ذنب أولئك الأطفال والمشردين، الفقراء والمساكين، النساء والشيوخ، ممن لا يملكون من أمرهم شيئا، لماذا يقرر الرب أن يعاملهم بجريرة الظالمين من آبائهم؟
ماذا عن الأقوام الأخرى على الأرض، ألا تضم مصلحين ودعاة أيضًا؟ ألا يوجد بضعة مؤمنين آخرين من هنا أو هناك؟
إما إن كان من العسير إنقاذ كل هذا العدد الكبير من الناس في سفينة واحدة، فهذا يعني أن العقاب عن طريق طوفان كبير، حلٌ غير مناسب، بل هو أشبه بالعقوبات الجماعية التي يمارسها المستبدون على شعوبهم المتمردة، فلا يفرقون الرضيع والمريض عن المسلح والمتمرد، لماذا لم يرسل الإله مرضا من لدنه يميت الفئة الظالمة من البشر، ليستلم الحكم فئة صالحة منه تقوّم ما فسد، وتصلح ما خرب.

– ذهب حام (ابن نوح) يبحث عن زوجة له، فساقته الأحداث لإنقاذ فتاة من الموت جوعًا، لتبدأ بينهما قصة حب بسيطة، وما ان يبدأ الطوفان بالتشكل من ماء الأرض وماء السماء، حتى يركض الناس هرعين إلى سفينة نوح، علّهم يحوزون النجاة، وهنا مشهد مؤلم حيث تقف الملائكة لتحرس السفينة وتقتل كل من يحاول الصعود إليها بإستثناء عائلة نوح!
بالعودة إلى حام نجده يمسك بيد صديقته الجديدة، يركضان معًا باتجاه السفينة، حينما تتعثر هي وتعلق بفخّ على الارض، يحاول حام مساعدتها مرارا فيفشل، فيحضنها، ويقررا أن يموتا معًا، حينما يأتي السيد نوح، وينقذ ابنه فحسب، ويترك تلك الفتاة الصغيرة، تواجه مصير الموت، والعاشقان الصغيران يصرخان، ما قيمة الحياة لواحدٍ منهما دون الآخر.

– تناقش زوجة نوح في أحد المشاهد “الجد”(والد نوح)، بأنه لا يمكنها أن تصدق أن العدالة الإلهية تقضتي توقف البشرية عن الإنجاب، بعد الطوفان لتفنى، لا يمكنها أن تصدق ذلك (تقول في الدقيقة 62) عندما ترى ابنائها، وكل ما يريدونه هو الحب، أوليس الحب هو كل ما تحتاج إليه قلوبهم ليكونوا صالحين (تتسائل، وتتابع قائلة) أريد أن يرزق أبنائي بأولاد، أريدهم أن يكونوا سعداء، فلا يمكنني احتمال فكرة أن يموتو بمفردهم.
ثم تتابع نقاشها مع نوح، الذي يعنفها حينما يعلم بقصة الحمل قائلا “كيف يحطّون من قدر الخالق” (؟!) فتجيبه، أنها تريد أن تُعطى البشرية مستقبلًا، لكنه يرفض، ويخبرها بأنه سيقتل الوليد: “ليس أمر أريد فعله، بل أمر عليّ فعله” – في إشارة إلى إرادة الإله.

– وهكذا يمنع السيد نوح محاولة هرب الزوجين، ويحرق قاربهما الصغير، ثم يتجه لقتل الطفلتين المولدتين، ليتوقف في اللحظة الأخيرة، ويا للمفاجأة، لم تتغيّر أوامر السماء، لكن نوح قرّر عصيان الرب، وها هو ذا ينظر إلى السماء قائلًا: “لا يمكنني فعل ذلك”!

أظن أن هذا القدر يكفي لإيصال الفكرة التي أريد، عندما يكون الإلحاد على قاعدة إنسانيّة، فهل يمكن نكران وجاهة أسبابه؟