/ تطوير الذات

التصالح مع الذات - العقل

(هذه التدوينة هي جزء من كتيّب أنوي كتابته حول التصالح مع الله، الذات، المجتمع، كتوسيع لفكرة كتابة كتيّب يجمع أفكار تدوينات أيها الإله الشرير)

رغم كل ما يمكن أن يقال عن النظرة الدينيّة الجديدة التي حملها الخطاب القرآنيّ للإنسان، وحياته الخاصّة، فإنّ عصري الانحدار والركود (الأكثر طولًا بالمناسبة!) كان لهما التأثير الأكبر والأبلغ في تشكيل عقليّة الفرد المسلم.
بدأت أولى المحاولات (والتي نجحت لاحقًا وباتت تشكّل “الدين” الذي يدين به المسلمون اليوم) على أيدي علماء ارتبكوا أمام ظاهرة الانفتاح الثقافيّ الجديد، مع توسّع ما يعرف «بالفتوحات الإسلاميّة» والاحتكاك مع حضارات وثقافات جديدة، وكيف كان من الممكن التعامل معها.
المسألة التي باتت تعرف اليوم بإشكاليّة التعارض بين العقل والنقل، هذه المسألة التي أرّقت المسلمين الأوائل وقسّمتهم مدارس ومذاهب: فقهيّة (الأحناف، الشافعيّة والظاهريّة الخ)، وعقديّة (كالسنّة والشيعة)، وتصوريّة (كالأشاعرة والمعتزلة والفلاسفة). وحتى التيارات الحديثة اليوم ما بين اتجاه إحيائيّ واتجاه إصلاحيّ فما يميّز بينها هو موقفها من هذه المسألة.

سأحاول قدر الإمكان تلخيص المسألة وتبسيطها، وأرجوا من الأصدقاء بالًا أطول في فهمها (خاصّةً لمن يقرأ عن هذه المسألة للمرّة الأولى)، معتمدًا بشكل رئيسيّ على كتاب «إعمال العقل» للدكتور لؤي صافي.
إنّ أوّل ما يجب مناقشته في هذه المسألة (وهو ما لا يناقش كثيرًا): معنى المصطلحات التي نستخدمها:

فما هو «العقل» المقصود هنا؟
العقل (هكذا بالمطلق) ما هو إلّا بنية فطريّة مكوّنة من أمرين، يشترك بهما البشر كلّهم، الأوّل: المبادئ المنطقيّة التي يعمل العقل وفقها (مثل مبدأ السببيّة «لكل سببٍ مسبّبه»، ومبدأ عدم التناقض «لا يمكن لشيء أن يجتمع مع نقضيه في نفس المكان والزمان»، الخ).
الثاني: هو العمليات الإجرائيّة التي تُعالج بها البيانات (مثل التحليل، التركيب، التجريد، التشخيص، التذكّر، الحفظ، الخ).
ووفق هذا التعريف الفلسفيّ المعروف، لا يمكن لهذا العقل (المبدأيّ، الفطريّ، أو غير المتشكّل بعد) أن يحكم على الأفعال، قبيحها من حسنها، لأنه ببساطة لا يتضمن معايير قبليّة (فطريّة).

لذلك يحتاج العقل إلى محتوى معرفيّ، وإطار مرجعيّ معياريّ، يكتسبه من خلال عملية التمثّل، الثقافيّ والتربويّ والخبرة المعرفيّة (أي من البيت، المدرسة، القراءة، التجارب الشخصيّة)، وهنا يتشكّل العقل (بمعنى الحَكم والمعيار) ويتبلور وفقًا لمصدره الذي نشأ فيه.
لذلك لا يمكننا أن نقول بتعارض «العقل» (الفطري، المطلق، المشترك بين كلّ الناس) مع «النقل»
فإذا كنّا نقصد بالعقل، المبادئ المنطقيّة فهذه لا تتعارض يقينًا مع الوحيّ، وكذلك لا تتناقض العلميات الإجرائيّة مع النقل، لأنها مجرّد عمليات وليست محتوىً معرفيًا.

فمالذي يمكن له أن يتناقض مع النقل إذًا؟
إنّه العقل الذي لم يؤسّس داخل المنظومة القرآنيّة، أي لم يستمد تصوره العام للوجود وقيمه المعياريّة من الوحي.
وأوّل هذه العقول التي واجهها المسلمون بقوّة كان العقل الإغريقي، والذي كان يحمل محتوىً عقليًا معرفيًا عريقًا ومتجذرًا بقوّة، لكنه متعارض مع الوحيّ الإلهي. فإذا ما تكلّمنا عن مبحث الإلاهيّات، فقد آمن العقل الإغريقيّ بنظريّة المحرّك الأوّل (أي أنّ الله خلق العالم ثم تركه وشأنه وذهب يتأمّل في ذاته)، وكان يؤمن بنظرية الفيض (أي أن العالم فاض من الله حتمًا كما يفيض النور من الشمس بدون إرادة منه)، وهذا العقل وفق هذه البنى يتعارض حتمًا مع النصّ الإلهي الذي تحدّث عن عملية «الخلق».
لكن التعارض هنا ليس بين العقل والنقل، بل بين العقل الإغريقي والوحيّ، وهذا العقل الإغريقي يمكنه أن يتعارض مع عشرات العقول المختلفة حول العالم، وليس فقط مع العقل القرآني.
المشكلة بدأت عندما أخذ فلاسفة المسلمين هذا العقل (الإغريقيّ) على أنه المقياس والمعيار (ستاندرد)، دون تمييز في معنى العقل ومبناه، فراحوا يؤولون عقائد القرآن الغيبيّة بما يتناسب مع منتجات هذا العقل، درءًا لشبهة التعارض بين العقل والنقل التي شاعت آنذاك. لقد كان الفلاسفة مدفوعين بحسن نيتهم لدرء كلّ شبهة تقود إلى فكرة التعارض بين العقل والنقل، وذلك بعد أخذ العقل الإغريقي وتعميمه كعقل قياسيّ، دون الإنتباه (حتى مؤخرًا بحلول القرن السادس الهجري، وبعد أن كان الشرخ قد تشكّل) إلى أنه منتج بشريّ يخضع لظروف وبيئة وعقائد مسبقة.

ولو انفتح المسلمون (أوّل ما انفتحوا) على الحضارة الصينيّة مثلًا، لوجودوا عقلًا آخر يتناقض مع العقلين: الإغريقيّ والقرآنيّ، ولعلموا أنّ المشكلة ليست في بنية العقل ولا مصداقيّة الوحي، بل في الإطار المرجعي الذي يتخذه العقل في أثناء عملية تمثّله الثقافيّ.

هذه النزعة عند الفلاسفة المسلمين في تعميم العقل اليونانيّ على أنه «العقل» هكذا بالمطلق، هي التي سبّبت ردّة الفعل، عند باقي علماء الأمّة، ردّة الفعل التي صارت دينًا عندنا، بنيت على التشكيك في قيمة العقل نفسه، وتوجيه الضربات والقسمات له (بغض النظر عن التبجيل النظري الكلامي للعقل)، حتى وصل الغزالي إلى التشكيك في مبادئ العقل المنطقيّة نفسها، ناسفًا مبدأ السببيّة مثلًا، ومدّعيًا أنّ العادة لا غير هي التي توحي لنا بالترابط بين السبب ونتيجتها، أمّا في الحقيقة فإنه لا فاعل سوى الله (نظرية الفاعل المباشر).
فجُمّد فهم النصوص على فهم «السلف الصالح» (بعد عملية انتقائيّة اختير منها ما يوافق منهجًا بعينه)، وأنّه “لاينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا”.
هكذا، ولهذه الأسباب، بدأت الحملة على قيمة «العقل» وتلاشي الثقة فيه، وبأحكامه، ووصلنا إلى كلّ ما وصلنا إليه لاحقًا، وما عزوفنا عن القراءة (كمثال مهم) سوى نتيجة من تشكيك تراثيّ ضخم، بأهمية العقل، وجدوى الاهتمام به!

ولنتسائل الآن: مالمقصود بالنقل؟ وهذا سؤال سيوضّح أكثر حقيقة المسألة التي نناقشها.
يشمل النقل أولًا، النصّ القرآنيّ، إذ نقل بتواتر مجموع من الناس يستحيل اتفاقهم على الكذب، ويدخل معه (لهذا السبب) اﻷحاديث المتواترة، التي نقلت بذات الطريقة.
ويبقى لدينا آحاديث الأحاد (من الصحاح، وذات المسانيد الجيّدة والحسنة، أمّا الضعيفة فلا دخل لنا بها).
وهنا لدينا نقطتي نزاع:
الأولى هي طريقة قرائتنا لهذه النصوص: أي هل يمكن لآية واحدة أو حديث ما أن يشكّل منظومة عقليّة سليمة، أم أنه يجب استقراء كل ما جاء في الموضوع محلّ البحث، في الكتاب والسنّة ومن ثم نخرج بالمبادئ الكليّة الحاكمة عليه؟

والثانية في حال تعارض حديث من آحاديث الآحاد مع المبادئ الكليّة المستنبطة من النصّ القرآني والأحاديث المتواترة، هل يؤول بحيث يلحق الجزئيّ بالكليّ (أو ربّما يتوقف عن اعتماده كنص في حال تعذّر التأويل)؟ أم أننا سنعطي لحديث آحاد سلطة أعلى من القرآن ومتواتر السنّة.

وهذا هو حقيقة محلّ النزاع بين ابن تيميّة والرازي، أو بين ابن رشد والغزالي، إنه ليس خلاف في تعارض أحكام نقليّة مع أحكام عقليّة، بل هو خلاف في آليات الاستدلال وأولويات المصادر.
الموقف المعادي للعقل، يرفض أصلًا اقحام العقل في فهم النصّ، ويصرّ على حرفيّة الفهم والاتباع حتى عندما تتعارض دلالة النصّ الظاهريّة مع ما اعتقده العقل يقينًا.

إنّ القاعدة الكليّة التي تخرجنا من إشكاليّة تعارض العقل مع النقل هي كما يلي:
– لا يمكن لعقل تأسس خارج المنظومة القرآنيّة من أن لا يتعارض مع الوحيّ، وهذا أمر طبيعيّ، ولا يسبّب حرجًا لا للعقل، ولا للنقل، للأسباب التي شرحناها آنفًا.
– لا يجب أن يستمد العقل منظومته المعرفيّة بطريقة تعامل النصوص على أنها جزر منفصلة، بل لابدّ من رؤية كلّ ما ورد في صحيح الوحيّ عن الموضوع الذي نريد فهمه قرآنيًا، ومن ثمّ نشكّل قواعد كليّة يسبق فيها قول الكتاب على قول السنّة، ويحكم بصحته أو خطأه، وعندما نجد تعارضًا بين هذه القواعد ونصوص آحاد، فلا بدّ من تأويل هذه الأخيرة، أو التوقف عن اعتبارها.

وبهذا لا يعود “العقل” في مواجهة مع “النقل”، بل تعود العلاقة بينهما تكامليّة، إذ يشكّل النقل (وفق قراءة شموليّة مقاصديّة، تقدّم القرآن على السنّة ولا تلغيها) الإطار المرجعيّ والمحتوى المعياريّ للعقل، ليعود هذا العقل القرآنيّ ليفسّر نصوص الآحاد، ويتعامل مع الظواهر الواقعيّة / الطبيعيّة / الاجتماعيّة المختلفة، بهدف معالجتها.