/ فقه الثورة

اللاعنف كأداة لمنع الإنقراض - أحيانًا

تحدّثت في التدوينة الماضية عن المقابلة التي جرت بين الأستاذ جودت سعيد والداعية نادر التميمي، ووجدنا أنّ فكرة مقابلة الإحتلال المعتدي بمقاومة لاعنفية هي فكرة ليس لها سند ثابت، لا قرآنيًا ولا تاريخيًا، فالقرآن يقول {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، والتاريخ يقول : لم يكن هناك دولة في وجوده إلا وخاضت من المعارك ما خاضت.
بقي هناك فكرتين يجب ذكرهما حتى تتضح الصورة أكثر:

(1) الإحتلال الإستيطاني الذي تمارسه ‘إسرائيل’ في فلسطين، يتّسم بالإحلال، بمعنى أنه يستهدف إفراغ الأرض من الوجود البشري الفلسطيني الفيزيائي، وليس إستعمارًا لنهب الثروات وتحقيق شهوات الهيمنة على الشعوب، ثقافيًا وإجتماعيًا وسياسيًا ..
لذا فإن المقارعة العسكريّة لهذا المحتل هي واجبٌ ذو أولوية قصوى.

بينما نجد المستعمر الأمريكي في العراق لا يستهدف إفراغ العراق من أهله حتى يأتي بالأمريكيين إلى مستوطنات جديدة في العراق!
لذا فإنّ القوات المقاتلة المحتلة سوف تغادر حالما تحقّق مجمل أهدافها، الإستعمار الحديث بات يلجئ لأسلوب الإحتلال بالريموت كنترول، فهو يتدخل عسكريًا لتحقيق أهدافه الاوليّة، ثم يضع جهاز إستقبال إشارة في البلد المحتل (أي حكومة منتخبة ديمقراطيًا!) ويبدأ بإرسال الإشارات من بيته الأبيض، وهكذا يدير الشؤون ويحقق المزيد من النتائج بدون تكاليف تذكر!
طبعًا المقاومة الإسلاميّة في العراق سرّعت عملية الإنسحاب العسكري الأمريكي، وجعلته خيار حتمي.
لكن لا يجب أن ننسى أنّ الدخول الفيزيائي إلى العراق لم يكن إلا حلقة أخيرة بعد أن دخلت أمريكا ونمط حياتها وثقافتها لتسكن الأدمغة. أي إن أمريكا لم تدخل إلى العراق في ذلك اليوم المروّع، لقد سكنت امريكا وقيمها وثقافتها ومعاييرها ونمط حياتها الأدمغة، ولم يكن دخولها الفزيائي ليغيّر شيئًا من حال مجتمع فقد ثوابته. (للأسف يبدو أنّ هذه ليست حال العراق وحده!).
هنا يجب أن ننتبه ألّا ننجرف بعيدًا وراء عسكرة الصدام مع حضارة الفردوس المستعار، أعني أن المواجهة الحقيقية تكون أولًا بإعادة إحياء الثوابت الحضارية في كيان الأفراد والمجتمع الإسلامي، وعندها – وعندها فقط – يصبح من المجدي والنافع المواجهة العسكرية مع المشروع الآخر.

عندما نتملك مشروعًا خاصًّا بنا، عندما نتمكن من إستعادة ثوابتنا من جديد، في مقابل الصمود أمام إقتحام ثوابت الحضارة الأمريكية لعقول وقلوب ملايين المسلمين، عندما نبدأ في بناء مشروعنا الحضاري البديل، عندها – وعندها فقط – سنفرح لإنتصاراتنا العسكرية.
هذا ما يجب أن نفهمه من قوله تعالى {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا }
الجهاد بالقرآن، بالثوابت، بالأفكار، ضمن هذا السياق يجب فهمه، وليس بطريقة مجتزأة على مبدأ اعتقد ثم استدل.

التفريق بين نوعي الإحتلال مهم جدًا، فلا يجب أن يكون هناك تهاون في المقاومة المسلحة للمحتل من النوع الأول، بينما لايجب أن ننجر إلى عسكرة الصدام مع المحتل الثاني، في هذه الحالة القنبلة الموقوتة لن تجدي، والقناصة لن تفيد إذا لم نستعد ثوابتنا الحضارية متخلصين من الذوبان والإنبهار بالحضارة اﻷمريكية

(2) إذًا مالذي أقصده عندما أتحدث عن ‘اللاعنف’
عندما أتحدث عن اللاعنف فإنّي أتحدّث عن اللاعنف كمسلك إجتماعي.
{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً }
هذا ‘التلطف’ هو الذي نسيناه في مشاريعنا الحضارية، وفي محاولاتنا الفاشلة للنهوض.
الجميل في هذه الآية أن كلمة ‘وليتلطف’ هي منتصف القرآن تمامًا.
التلطف القرآني هذا هو أحد معاني اللاعنف الذي أقصده.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }
أذلة على المؤمين، معنىً ثانٍ من معاني اللاعنف الذي أدعو إليه.

وفي صحيح مسلم (ان الله عز وجل رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )
الرفق، هو معنىً آخر أفهمه من اللاعنف السليم.

هذا هو ‘اللاعنف’ الذي أدعوا إليه وألزم نفسي به … التلطف، الرحمة بالمؤمنين، الرفق

اللاعنف لا يلغي إستخدام القوّة بل يرشدها، إنه يعني أن تنجح في تحقيق معادلة ‘إستخدام القوة في الوقت المناسب والقدر المناسب والظرف المناسب وبالإتجاه المناسب’.