/ المجتمع والواقع

معضلة المكان، الهجرة والتهجير

[أُعدّ هذا النصّ للنشر في إحدى الصحف، إلا أنه أضاع طريقه إلى هنا]
خلال خمس سنوات من زمن الانتفاضة على نظام حكم آل الأسد مرّ السوريون بمنعطفاتٍ كثيرة غير متوقّعة؛ النزول إلى الشوارع كان الرهان الأوّل، والذي ما إن تحقّق حتى تلته مُنعرجات أخرى كثيرة؛ انكفاء الحراك على مكوّنٍ سوريّ واحد، التحوّل من السلميّة إلى الكفاح المسلّح، ثم إلى الأيديولوجية المسلّحة، تهجير ملايين السوريين داخل وخارج البلاد، التدمير الحرفي لمعظم البنى الفوقيّة والتحتيّة، خروج مئات الآلاف من أسواق العمل ممن وجدوا أنفسهم فجأة بلا مورد رزق أو بلا مأوى وأحيانًا كثيرة دونهما معًا. باختصار لا يوجد سوريّ واحد يجلس اليوم مع نفسه إلا ويتأمّل كيف وصلت حاله إلى ما هي عليه الآن، وكيف أخذه تيار الانتفاضة إلى هذا المسار أو ذاك بعدما ظنّ أن حياته تجري وفق نسقٍٍ معيّنِ رتيب.
وما بدا مغامرةً طائشةً لشبابٍ يركبون البحر رغم مخاطره محاولين اللجوء إلى القارة الأوروبيّة، بات اليوم أحد هذه المنعطفات، مع ارتفاع الرقم إلى عشرات الآلاف سنويًا.

ليس فعل الهجرة إلى أوروبا بالشيء الجديد، إلا أن تحوّل الرحلة إلى “فعل جماعي” يُضع كلًّا منا أمام سؤال “وماذا عنّي؟”. هذا يشبه موجات النزوح الداخلية، قد تسافر بعض الأسر من مدينة إلى أخرى دون أن يشكّل ذلك حدثًا ذا بال، إلا أن خروج قوافل السيارات والباصات ناقلة عشرات الألوف دفعةً واحدة تُجبر كلّ من تبقى أن يفكّر بأسلوب “ماذا عنّي؟”.
وهو سؤالٌ ليس مطروحًا فحسب أمام الشباب السوريّ فقط؛ ممن يجد شريحةً كبيرة من أصدقائه قد باتت في أوروبا، بل في الحقيقة أمام كلّ سوريّ آخر.
ففي المناطق المحاصرة هناك مَن يسأل نفسه إلى متى يمكنه تحمّل الحصار وشحّ المواد والقصف اليومي للطيران. وفي المناطق التي يُسيطر عليها الأسد يوجد أيضًا من يسأل نفسه إلى متى يمكنه العيش في ظل الخوف المستمر من الاعتقال أو الخطف، مع غلاء الأسعار وقلّة الأجور.
السوريون في المناطق المحرّرة يمرّون بالأسئلة عينها؛ لا سيما مع حريّة السفر والتنقل نسبيًا، وكذلك هو حال الجاليات السوريّة في دول الجوار، فهناك من يفكّر بالعودة إلى البلد وآخرون يخطّطون للهجرة إلى أوروبا أو الانتقال لدولة أخرى. وهكذا يبدو أن المجتمع السوري بأكمله اليوم في حالٍ من الحراك الجغرافي (المكوكي أحيانًا) بحثًا عن “المكان الأفضل” والخيار الأكثر ملائمةً له ولعائلته.

هذا البحث يأخذ في كثيرٍ من الأحيان طابع الحيرة والتردّد الأمر الذي انعكس سلبًا على حياة الكثيرين لا سيما من فئة الشباب، فتجد السوري قد خرج من مدينته مضطرًا واتجه إلى الأردن – مثلًا – إلا أنّه وبعد عدّة أشهر يجد بأن “الحظ والظروف” لم تحالفه هناك؛ فيقصد مصر مع تشجيع الجالية فيها، لكنه وبعد الانقلاب العسكري انتقل ليستقرّ في تركيا، وما إن يمضي عامه الأول حتى يبدأ بالتخطيط “لرحلة العمر” نحو ألمانية.

المشكلة الحقيقية في كلّ ذلك هي أن يعود الشاب السوريّ لنفسه، فلا يجد في رصيده من الإنجازات الشخصيّة خلال ثلاث أو أربع سنوات سوى التنقل بين عدّة بلدان بهدف تحسين الظروف والتخلّص من بعض مشاكل البلد المضيف. سنواتٌ ضاعت في رحلات البرّ والجوّ والبحر، ومحاولات التعرّف على الدولة الجديدة، أهلها، بيئتها، ثقافتها، وقوانينها، قبل الانتقال إلى محطّة تالية يقول “الكثيرون” أنها أفضل من الخيارات السابق.
ثلاث أو أربع سنوات كان يمكن خلالها تحصيل شهادة جامعيّة، أو تأسيس عملٍ جديد وتجاوز فترة الإقلاع اللازمة له، أو تعلّم لغة جديدة، أو أيّ من المهارات الذاتيّة، المهنيّة، أوالاجتماعيّة مما كانت ستنصع له فارقًا أكيدًا في حياته والفرص المتاحة أمامه، بدل المقامرة على ظروف هذا البلد وتسهيلات ذاك.
البعض آثر البقاء في الداخل السوري، فأنهى تحصيله الأكاديمي، ونال منحة لمتابعة الدراسة في أوروبا، يُسافر إليها بشكل شرعي مضمون، آخرون أثروا البقاء في تركيا فتعلموا لغتها، وأسسوا أعمالهم وتجاوزوا مصاعب البدء وقد بدؤوا الآن يجنون نتائج جهدهم السابق، آخرون في لبنان والأردن تخرجوا من الجامعات أو أمنوا وظائف جيّدة.. وهكذا كان “الخيار الأفضل” من نصيب أولئك الذين اجتهدوا للعمل على تغيير ظروفهم الشخصيّة قبل التوهان في تغيير الجغرافية.