/ طريفياتي

على نارٍ هادئة

ما كان ينقصني من “برود” (البرود هو الاسم المُضّلل الذي يُطلقه الأعداء على صفتَيّ الهدوء والبساطة :D) في بعض المجالات والتفاصيل؛ أتت جارتي التركية لتُكمله عندي (لن تقلق حنين من ذلك طالما أن جارتنا قد تجاوزت الخمسين :P).
أكثر ما أعجبني حتّى الساعة هو أسلوب طهيها للطعام، وأقصد تحديدًا درجة النار الهادئة التي تستخدمها لإنضاج الأكل؛ باختصار يُمكنكم تخيّل الوضع عند معرفة أن قدر اللحمة الشقف يُوضع على النار في الصباح الباكر ليغلي بهدوءٍ شديد حتى الظهيرة، يُرفع القدر لاحقًا لإنجاز بعض المهام الأخرى، ثم يعود إلى النار مع باقي المكونات. لنقل مثلًا أننا بصدّد إعداد شوربة؛ ستعمل الجارة على تفتيت اللحمة إلى نسرات رفيعة يسهل أكلها وتضيف باقي المكونات لتعود إلى النار مُجددًا. لكم أن تتخيلوا الطعمة ودرجة الإستواء من معرفة أنه لا يمكن التمييز بالمضغ بين نسرات اللحمة أو قطع البصل المفروم مثلًا! بل أكثر من ذلك.
مع الوقت وكثرة الاستفسارات وجدت أن الفرق شبه الوحيد في طريقة إعداد الطعام معها هو الوقت، أو درجة هدوء النار. أشياء مثل الصبر، القدرة على انتظار الطعام على النار، وإعطاء الأمور وقتها المريح هي ما تصنع فارقًا كبيرًا في المذاق.
بكلّ الأحوال لن أخبركم حاليًا عن تجربتي الأولى في إعداد فروج بالفرن على نار هادئة والحال الذي آلت إليه، أؤمن أحيانًا بأنّ القدر يرسم لكل جوادٍ كبوة 😀 (لا يبدو أنني أكثر ايمانًا بالقدر من لحظة اطلاعي على النتائج النهائية لطبخة أشرفتُ عليها بنفسي).
على نار هادئة
لا يطيل الوقتُ عليّ قبل أن يذكّرني مجددًا بأهمية الصبر، التدرّج، النَفَس الطويل، الهدوء مع التصميم في تحقيق المراد (ثلاث سنوات من المناورات العائلية وأخرى مع الظروف حتى تزوجت وحنين، مثلًا).
أذكر بأنني قرأتُ مؤخرًا حقيقةً كانت صادمة بالنسبة لي؛ فكرة الجامعة العبرية ومن ثم إنشائها كان قد سبق إعلان إسرائيل بخمسين عامًا! بينما الأدبيات الإسلامية (وغيرها) عن تأسيس الدولة المنشودة لا تعرف مثل هذه التكتيكات طويلة الأمد، إنشاء جامعة قبل إنشاء الدولة، وتخريج دفعات من العلماء والمهندسين والمفكّرين ممن سيلعب دورًا مهمًا لاحقًا هو شيء يبدو طويلًا، مملًا، وغير ذو صلّة، مقابل سهولة الوصول إلى السلطة بطرق أكثر فهولية!
هذا الأمر يجعلني “أبتسم” عندما أسمع على سبيل المثال بوجود “نضال لحقوق المثليين” في السعودية بينما الولايات المتحدّة نفسها لم تُقرّ ذلك سوى هذا العام، اختيار القضيّة في الوقت الخاطئ قد لا يقلّ قسوة عن اختيار القضيّة الخاطئة، النتيجة حياة بائسة تم بيعها في سوق الجمعة، محظوظ بينهم من يحصل لاحقًا على فرصة اللجوء إلى إحدى الدول الأوروبية.
على الصعيد الشخصي يحصد أحدنا مرارة قلّة الصبر في مجالات أهمها، الدراسة، العمل والزواج، فهذه المسارات تتسم بطبيعة تراكميّة إذ تحتاج إلى طولة بال، نفَس مديد، ودأبًا كدأب النمل، حتى نجني شيئًا ذا قيمة فيها.
أعجبني مؤخرًا عنوان قرأته يقول “كيف تصبح كذا في عشر سنوات”، الكثير من المهارات يُمكن أن تتقن تمامًا بوقت بسيط (سنة، اثنتين، ثلاثة مثلًا) كتعلم لغة جديدة، احتراف برنامج ما، تعلّم الطهي مثلًا 😀
لكن الأشياء الأكثر عمقًا وجذريةً قد تتطلب حتى عشر سنوات على الصعيد الشخصي، وحتى مئة سنة على صعيد المجتمع.

بنبرةٍ بطيئة تكرر جارتنا مثلًا تركيًا عن صبر الأولياء Sabreden derviş, muradına ermiş بالصبر نصل للمراد.