/ المجتمع والواقع

عزيزتي سندريلا ... عذرًا فالحذاء ليس معياري

مَن منّا لايعرف قصّة الحسناء سندريلا، فتاة فقيرة لكنها حسناء، يتاح لها عن طريق السحر وعالم الشعوذة، لبس ثياب جميلة ومركبٍ فخم، لحضور حفل يشهده أكابر القوم، وكلّ ذلك بشرط واحد فقط! عليها العودة إلى منزلها قبيل الثانية عشرة عند منتصف الليل، لأن كل ماأعطي لها سيؤخذ عند ذلك الموعد ..
لن أتحدث كيف تؤثّر أفلامًا كهذه في الطريقة التي سيفكّر بها الأطفال لاحقًا، الأحلام – بل الأماني، لن يكون طريق تحقيقها كفاحٌ شاق، وعملٌ دؤوب بذلته هذه البطلة كي تغيّر حالها … بل السحر والشعوذة، للذلك عندما تفشل هذه الطفلة في عملها لاحقًا – عندما تكبر، سيكون السبب ‘العين التي تصيب’ و ‘الحسد الذي لايترك أصحابه الناس بحالهم’ وليس تقصيرًا أو أخطاءًا ارتكبتها. وسيكون السبيل للحماية والحرز والنجاح والتوفيق ‘حجاب’ يوضع في الجيب أو يدس في الحقيبة.
هذه الأفلام لا توصل أفكارها بالطريقة الغبية التي نقوم بها نحن عادةً، لكنها تعتمد على صغر السن وعدم اكتمال نضج العقل والمحاكمة العقلية، وتأثير الإيحاءات النفسية على السلوك، لتصل إلى ماتريد …
(لا يفهم أحد ان سبب لاعقلانيتنا هو فلم سندريلا!)

مايثير استغرابي هو ذلك الأمير، ومعياره في إختيار فتاة الأحلام، وسنكون أمامه ‘إسلاميون جدًا’ عندما نجعل معيار النسب (أو العيلة بمصطلح القرن الواحد والعشرين) من أهم معايير إختيارنا .. كل ما كان يهم الأمير من مواصفات فتاة الأحلام هو حذائها، مجرد حذاء لا أكثر …
لا تقولوا لي أنه كان يبحث عن الفتاة تلك، التي عرفها وعرف أخلاقها (بالمناسبة لاحظوا أيضًا أحد أخبث الإيحاءات النفسية المبثوثة في برامج الأطفال، فدائمًا يكون الفقير صاحب أخلاق عالية، وأمّا الغني فهو قبيح السلوك والخُلق، وهذا ينسجم مع نظرتنا التقليدية، التي نعتبر بها الفقر من ‘المنجيات’، والحديث عن الثراء هو حديث عن الفاحشة، وهذا يخالف بالتأكيد المنظور القرآني)، المهم لا تقولوا أنه كان يستخدم الحذاء لإيجاد تلك الفتاة، فهو كان يبحث عن أي فتاة يناسبها هذا الحذاء، أما الإخراج الدارمي الذي جعل الحذاء لايناسب إلا واحدة من بين مئات الجموع، فهو فاشل دراميًا وبكل المقاييس …

إذًا كان معياره الحذاء، وكل الباقي مجرد تفاصيل، مَن ستكون ؟، بماذا تهتم ؟، ما سيرتها ؟ … لا يهم
‘بالتأكيد لن تقول لنا أنّ معيارنا أيضًا بات مقاس حذاء ما نتيجة تأثّرنا بأفلام الكرتون عندما كنّا صغارًا’
لكن .. اسمحوا لي، أليس هذا هو الواقع ؟؟

قد لايكون معيارنا (لإختيار الزوج) حذاءًا، قد يكون ‘سيارة’ آخر موديل، أو ‘شقة’ على النيل! لربما يكون ‘رصيدًا’ في البنك، لكن هل هناك فرق؟
على الجهة المقابلة (أقصد معايير إختيار الزوجة) ، سنسمع بمعايير أخرى، أستحيّ أن أذكرها في مدونتي، لا تتعلق بالجمال بشكل عام، لكنها أكثر تفصيلًا وغرابة، وكأن الأشياء تبقى على حالها، تتعلق بالأحجام والأطوال والألوان !!
هل أعني أنه لاينبغي النظر إلى المستوى الإجتماعي والمادي ووضعه بعين الإعتبار عند الزواج ؟ أبدًا
لكن مالايجب، هو أن تكون الأحذية وأخواتها معاييرنا عند الإختيار…

ويسألونني يا سيدتي الفاضلة لِمَ أكن لك كل تلك المحبة، وأنا لا أعرفك بعد!!
أستغرب من بنات جيلك كيف يقبلن على أنفسهنّ – وهنّ ربيبات التحرّر والحقوق – أن يتم إختيارهنّ بناءًا على مواصفاتهنّ التعبوية والفنية، وكأن لا شيء في شخصياتهنّ أهم من تلك الأحجام والألوان ..
وكأنه ليس لديهنّ – وهذ هي الحقيقة غالبًا – خصالًا يفتخرن بحيازتها ..
سيدتي الفاضلة، أجلس معك – روحيًا – متأملين بنسب الطلاق التي ترتفع بإستمرار، ونسب العنوسة التي تثقل قلوب الفتيات … متأملين كل ذلك الفشل الأسري المريع، الذي يخرج أطفالًا ليس لهم إلا سندريلا مجددًا … أطفالٌ كان ينبغي أن يكونوا أملًا حقيقيًا لفجر طال الشوق إليه .. وهل يمكننا فصل تلك النسب عن هذه المعايير …
كيف تقبل بنت جيلك – يا سيدتي – أن يكون تقييمها على أساس مقاس الحذاء ومقاس الخصر، ومقاييس أخرى مخجلة …
لا ترى بنات جيلك في أنفسهنّ من الخصال ما هو أهم وأجدر وأنفع من الحلاوة ….
أتخيل نفسي أنثى، وأتخيل أحدهم جاء لخطبتي، كوني جميلة، ألم يرى فيّ هذا المعتوه ماهو أهم من ذلك ….

ويشع حبك في قلبي يا أنثاي الوحيدة … يا أنثاي المنتظرة
وتغار منكِ بنات جيلك، دون أن يكون لذلك علامة، فقد تم تسويقهم (آسف على المصطلح) على أساس الأمبلاج (المظهر في المحكية الحمصية)، وتم إختيارك على أساس ميزاتك الحقيقية …
الإمبلاج قد يخدش من أول يوم، وإذا لم يحدث ذلك فسوف يبلى بحكم الزمن …
أما مايبقى … فلا يقدرون على تحصيله … لأن بطلتهم – القدوة النفسية المزروعة في الداخل – لم تكن سوى حسناء، ولاشيء آخر …
**
سندريلا … هلا أفسحت الطريق لي، فالحذاء ليس معياري …**

  • تم التحديث وحذف الإشارة إلى نظام لينكس