/ تطوير الذات

تطوير الذات … وهم الخديعة

لن يكون آخر مشكك وليس هو الأول، قد تكون أنت واحداً من هؤلاء (فيما مضى كانت تنتابني مثل هذه الخواطر، ماذا عنك؟)، إنهم المشككون والمتهكمون بتطوير الذات، والكتب والمقالات التي تتحدث عن ذلك، والدورات والمدربون المهتمون بالتطوير، يشككون في كل ما قيل وما يقال في هذه الكتب وفي جدواها ومدى تأثيرها، آخرون يتهكمون بمن يمارس تطبيقاتها ويحضر دوراتها، البعض ذهب إلى أكثر من ذلك، لقد تحدثوا عن الأخطار التي تحيق بالعقيدة الإسلامية (وكعادتهم) قرعوا ناقوس الخطر …!!

وسواءً قلنا (تطوير الذات) أو (التنمية البشرية) أو (هندسة النفس الإنسانية) أو (علم صناعة النجاح) فالمقصود واحد.

وهنا أودّ أن أبدي ملاحظاتٍ هامة في هذا الموضوع، أرجوا أن تساهم في وضوح أعمق للرؤية:

[![تطوير الذات](https://tareef.m.googlepages.com/3105.jpg "self")](null)
تطوير الذات
# تطوير الذات وتنميتها أمر ممكن بالـتأكيد، بل مطلوب وواجب في كثير من الأحيان، أن تطوّر نفسك يعني أن تتخلص من عاداتك السيئة وأن تكتسب بعض العادات الجيدة، أن تتجنب بعض ما ترتكبه من معاصٍ، أن تحمل نفسك على المزيد من الطاعات، أن تقلع عن التدخين ان كنت مدخناً، أن تتخلص من الرهاب الإجتماعي في حال اصابتك به، أن تتحدث بثقة أمام الجميع، أن تكتسب مهارة رفع معنوياتك، أن تكون محافظا على تفاؤلك … البعض قد يشكك حتى في إمكانية أن يتخلى المرء أن عن طباعه السيئة أو أن يكتسب طباعاً جيدة، يقولون لك : الطبع غلب التطبع، أقول وعجباً فلِما وجدت الأحاديث والآيات التي تدعو الى التحلي بالفضائل وترك الرذائل ان لم يكن بمقدور المرء فعل ذلك … لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها، ولا أعتقد أن أحداً من هؤلاء قادرٌ على خداعك.

هدف جميع الكتب (التي لها هدف) إحداث تغيير إيجابي في حياة القارئ، الرواية توصل لك العبرة، السير الذاتية تمدك بالإرادة والتصميم، كتب التراث والتاريخ ترسخ هويتك وتعمقها فيك، كتب العقيدة تحاورك في اليقينيات الكونية، كتب الفكر توسع قاعدة الفهم لديك وتزيد من مستوى وعيك .. وهكذا، فكل كتاب هدفه إحداث تغيير إيجابي في حياة القارئ، وكتب (تطوير الذات) تنسج على ذات المنوال ولم تبتدع لنفسها هدفا جديداً ..

تجدر الإشارة هنا إلى أن كتب تطوير الذات الجيدة (أي المفيدة والنافعة) قليلة للغاية، فالعناوين كثيرة جداً والمكتبات ترزخ بأطنان منها، لكن المؤثر الحقيقي ليس بكل هذه الوفرة، فإن كثيرا من هذه الكتب تحمل عناوين تجارية؛ أمثال (كن ثرياً في خمسة دقائق) ، (تحمل المسؤولية الآن)، (إبدأ حياتك من جديد في أسبوع)، قراءتك لعشرات الكتب عديمة الفائدة في تطوير الذات سيشكك بالتأكيد في جدوى ذلك كله، أما بإستشارتك لذوي الخبرة فإنك ستحصل على كتب ستركك فيك بصمة بكل تأكيد.

البعض يظن أنّ رحلة تطوير الذات سهلة سريعة (سحرية!!) لن تأخذ منك أكثر من بضعة أسابيع أو أشهر قليلة على أبعد تقدير وتكون بعد ذلك قد وصلت إلى “ذاتك المثالية”، لذلك تراه يكف عن تطوير ذاته بعد فشل محاولاته الأولى في تغيير أي سلوك. أقولها لك بكل وضوح : إذا أعانك الله على تحقيق تغيير حقيقي عميق واحد في حياتك كل ستة أشهر (تقريباً) فأبارك لك .. ماهي إلا خمس سنوات وستغدو صاحب سلوك ممتاز. البعض يستثقل حديثي عن الأشهر الستة مقابل التغيير الواحد، نحن كثيرا ما نتعجل قطف الثمار وهذا قد يقضي علينا، إن عملية التخلص من عادة سيئة مثلا يحتاج إلى وقت طويل، كما احتجت الى وقت طويل حتى ترسخت فيك هذه العادة.

آخرون يعتقدون بوجود ذلك الكتاب أو المحاضر الذي “سيقلب حياتهم” ويدفعهم إلى التغيير 180 درجة بين ليلة وضحاها ويعلقون آمالهم بما سمعوه من قصص في ذلك من أناس ثقات.

أولاً فأنت لا تحتاج إلى تغيير حياتك، بهذا المفهوم الثوري الجذّاب الذي قد تصوره لك بعض الكتب، أن تحتاج إلى إدخال تحسينات في حياتك تدريجياً وعلى النَفَس الطويل، بحيث لو قارنت بين وضعك الآن ووضعك بعد سنوات لأمكنك أن تتحدث عن “تغيير جذري”، أما هذه الثورة بين ليلة وضحاها .. فدعك من هذا الوهم، كي لا تصاب لاحقاً بالإحباط وتنضم إلى جوقة الطاعنين بـ “تطوير الذات”.

ثانياً: فإن ما سمعته من قصص قد يكون صحيحاً، ولكن إليك بيان ذلك: إن عملية تغيير سلوك يجب أن يسبقها إعادة تشكيل للوعي، وعملية صياغة فكرية عالية المستوى، هي كمثل البناء الخفي تحت التربة (الأساسات) تبنى حجرة حجرة وطوبة طوبة في الخفاء ودون أن تشعر بذلك بوضوح، محاضرة بعد محاضرة وحوار إثر حوار وكتاب يستتبع كتاب وأنت تشعر بأنك لا تحقق تقدماً يذكر، لكن البناء يكتمل في الداخل، والعمل مستمر، حتى إذا ما تمّ وجاءتك لحظة “أرخميدس” إثر قرائتك للكتاب الذي أتم الطوبة الأخيرة من (الأساسات) فقد تقدر حينئذ أن تغير ثلاثة أشياءٍ (مثلاً) من أكثر الأشياء التي كانت تعيقك فيما مضى، كأن تترك الصحبة السيئة، وتحافظ على صلاة الفجر جماعة، وتقلع عن التدخين (أقول أمثلة) وهذه بدورها تزيد ثقتك بنفسك وبإمكانياتك فتدفعك بسرعة كبيرة إلى المزيد والمزيد حتى ترى أنك في برهة من الوقت حققت إنجازات ثورية، وتأخذ تدعو إلى قراءة ذلك الكتاب الذي “غيّر حياتك إلى الأبد” (وأنت صادق في ذلك) وقد يقراه بعض أصدقاءك فما ينتفع عُشر ما انتفعت به أنت (لانه قد يكون في بداية رحلته بعد) ….

إذا لا فتنشد هذا التغيير الثوري في حياتك وأقبل إلى إدخال تحسينات عميقة حقيقة كل بضعة أشهر في حياتك، واستمر في قراءة النافع المفيد ولا تقلق فالتغيير (الثوري الذي تريد) قادم قادم قادم إن شاء الله. (مرة أخرى : على النَفَس الطويل)

لا تنسى أيضا أنه ومقابل كل ساعة من القراءة نحن نحتاج إلى ثلث ساعة من التفكير وذلك لكي يصبح ما قرأت ملكا لك، تسائل وباستمرار : كيف يمكنني تطبيق هذا الكلام ومتى وأين … أعد قراءة الكتاب الجيد أكثر من مرة .. خصص أسابيع محددة للتخلص من أشياء معينة تعيقك في حياتك، تابع حالتك على الورق ، دوّن ، اكتب، سلبياتك إيجابياتك، نجاحاتك إخفاقاتك، ما استطعت انجازه وما لم تستطع، إن الكتابة تحفّز العقل وتبرمج اللاوعي ولها فوائد كثيرة ..

أخيرا فيما يتعلق بالكلام حول البرمجة اللغوية العصبية والباراسكولوجي ووحدة الوجود … الخ، فأن أظن أنه يتحتم على كل مسلم أن يرسخ أمور دينه أولا، وأن يرسخ عقيدته بالله، فيقرأ في ذلك الكتب ويحوار ويناقش حتى تتجذر عقيدته في أعماقه تماماً، حتى إذا ما اصطدم مع شيء من هذا القبيل أمكنه بيسر وسهولة أن يعرف الغث من السمين والسم من الدسم …

أقول لنفسي ولكم : سيروا على بركة الله وتوكلوا على الله فمن سار على الدرب وصل