/ كتب قرأتها

خمسة سمات تميز التفكير العلمي العقلاني.

انتهيت اليوم من قراءة كتاب “التفكير العلمي” للمؤلف فؤاد زكريا، الكتاب مفيد جداً وأنصح الجميع بقرائته لما له من اهمية قصوى في وضع الأسس اللازمة لعملية التفكير العلمي.
وقد قسمت ملخص الكتاب الذي كتبته إلى ثلاثة أقسام، الأول سيكون جوابا على سؤال : ما هي سمات التفكير العلمي ؟

(1) التراكمية :
فالمعرفة العلمية أشبه بالبناء الذي يشيد طـابـقـا فـوق طـابـق،‬‬ حيث أن سكّانه ينتقلون دائماً إلى الطابق الأعلى كلما وجد، بعكس المعرفة الفلسفية، حيث ان كل مذهب فلسفي يتخذ له نقطة بداية جديدة ولا يكمل من حيث انتهى اﻵخرون، لذا فالمعرفة الفلسفية تمتد أفقياً وليس بالضرورة لسكانها أن ينتلقوا إلى طوابق أعلى. ومثل ذلك يقال عن الفن الذي يتمدد أفقياً أيضاً.
‫وتكشف لنا سمة »التراكمية« هذه عن خاصية أساسية للحقيقة العلمية‬، ‫هي أنها نسبية. فالحقيقة العلمية لا تكف عن التطور‬، والنظرية الجديدة قد لا تلغي القديمة بالضرورة أو تنسخها وإنما توسعها وتكشف عن الكثير مما فاتها.
والحقيقة العلمية مطلقة من جهة ونسبية من جهة أخرى، نسبية من أنها تصدق في إطارها الخاص، ومطلقة من أنها تفرض نفسها على كل العقول وتصدق على كل الظواهر.
وكون العلم متغير متطور باستمرار فهذا ليس صفة نقص عليه، لأن هذا يعني أن ثبات العلم يعني كماله، لكن ثبات العلم وتخيل وصوله إلى حده الأعلى يعني موته والتوقف عن الإبداع وحل المشكلات التي لا تتوقف.‫ومجمل القول أن المعرفة العلمية متغيرة حقا، ولكن تغيرها يتخذ شكل‬ ‫»التراكم«، أي إضافة الجديد إلى القديم
والعلم يتمدد رأسياً (ببحث ظواهر تم البحث بها مسبقاً ولكن بالإعتماد على آخر ما توصل العلم اليه من آليات ومناهج) وتمدد أفقي (ببحث ظواهر جديدة لم يكن العلم قد بحث بها مسبقاً).

**(2) التنظيم : **
عقولنا تفكّر بإستمرار ودون توقف ولكن جزء ضئيل من هذا التفكير يعتبر علمياً،ذلك أن عقولنا لا تفكر بطريقة منظمة وانما بطريقة عفوية كردود أفعال على مواقف نمر بها.
‫أما التفكير العلمي فمن أهم صفاته التنظيم، أي أننا لا نترك أفكارنا‬ تسير حرة طليقة، وإنما نرتبها بطريقة محددة، وننظمها عن وعي، ونبذل‬ ‫جهدا مقصودا من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفـكـر‬ ‫بها. ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب عـلـى كـثـيـر مـن عـاداتـنـا‬ ‫اليومية الشائعة، ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، وتركيز‬ عقولنا في الموضوع الذي نبحثه، وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص، وتصقلها الممارس المستمرة. ” ‫فالكون في نظر العلم لا يسير وفقا لغايات‬” [ وسيآتي الرد على ذلك في القسم الأخير إن شاء الله ]
وجود منهج معين سمة أساسية في كل تفكير علمي، بقطع النظر عن ماهية هذا المنهج وتعدده وتغيره بحسب تطور العلم، لكن هناك منهج وهو أساس في التركيبة العلمية للتفكير.
ومن مظاهر التنظيم أيضاً الترابط، حيث ان الحقائق المكتشفة لا توضع بشكل مفكك، وانما تكّون نسقاً مرتبطاً يؤدي فهم الأولى منه إلى فهم الثانية والتي بدورها تقود لفهم الأخرى وهكذا، وعدم امكانية وضع بعض الحقائق المكتشفة حديثاً في نسق مترابط يحتم إعادة النظر في بعض أجزاء هذا النسق أو حتى حذفها.

(3) البحث عن الأسباب:
الفلاسفة تفوقوا على غيرهم في التساؤل والبحث عن الأسباب. معرفة غاية الشيء يجب ألا تجعلنا نقف في سبيل معرفة سببه.
تحدث المؤلف هنا عن فكرة “السببية” هل العلاقة بين السبب والنتيجة عي علاقة إعتياد أو علاقة إضرار ؟ هل إعتدنا أن نرى النتيجة بعيد وقوع السبب فنسبنا الأول إلى الثاني أم أن السبب يدفع النتيجة إلى الظهور ؟ ويبدو لي أن ما ذكره المؤلف من أن الكثير من الظواهر تشارك فيها أحيانا عدة أسباب متشابكة بشكل معقد بحيث يخرج الأمر عن تصور أن الأمر إعتياد بالضرورة. ثم ختم كلامه بقوله أن العلم يتجه حالياً إلى وضع نظرية جديدة في فكرة السببية لا تلغي المعنى القديم بل توسعه.

(4) الشمولية واليقين:
العلم شامل بمعنى أن قضاياه تنطبق على جميع الظواهر التي يبحثها وهو يقيني بمعنى أنه يفرض نفسه على أي عقل يلم بقضاياه.
ولا يقصد هنا باليقين الشعور الداخلي للمرء أنه على صواب، فاﻹنسان كلما ازداد علماً قل حديثه عن “اليقينيات” وكثر استخدامه لمصطلحات مثل “من المحتمل” “من المرجح” “أغلب الظن”، أما اليقين القائم على أساس من الشعور الداخلي فلا يعتد به في مجال البحث العلمي، إن عدم الإطلاع على وجهة نظر الفريق اﻵخر تجعلنا “متيقنين” تجاه آرائنا.
إن أي كشف علمي هام كثيرا ما يرتكز على الطعن والتكشيك بما كان يعتقد أنه “يقينياً”.

(5) الدقة والتجريد:
حيث اللغة العلمية لغة دقيقة وتحدد بدقة كل ما هو غير دقيق وتعتمد في ذلك على لغة الرياضيات كالنسب المئوية، كما أنها لغة تجريدية؛ تجرّد الظواهر المادية الملموسة إلى مفاهيم ورموز وإشارات لتوسيع نطاق البحث وفتح عوالم جديدة ممكنة في كل دراسة.