/ كتب قرأتها

العناصر الأخلاقية في شخصية العالم

أسوق لكم اليوم الجزء الأخير من ملخص كتاب “التفيكر العلمي”، حيث يتحدث الكاتب اليوم عن العناصر الأخلاقية في شخصية العالم، وأرد في نهاية التدوينة عن فكرته بأن الكون لا يسير وفق غايات وأغراض محددة …

[ المعالم الكبرى في طرق العلم ]
الدرس العظيم الذي قدمته الحضارة الإسلامية وهي في اوج عظمتها : التفاعل بين الثقافات هو الدافع الأول إلى تقدم العقل البشري، فلم يخجل المسلمون في عصرهم الذهبي من استيعاب علوم الثقافات الأخرى الأقدم منهم عهداً بل كان في ذلك نقطة انطلاق لهم.

[ شخصية العالم ]
وهنا نتحدث عن مجموعة من الصفات التي يشترك العلماء في الكثير منها والتي تكّون في مجموعها كياناً متميزاً يستحق أن نطلق عليه اسم شخصية العالم، مع الإنتباه إلى وجود الإستثناءات دائماً من علماء قد لا يملكون في شخصيتهم صفة أو أكثر مما سيأتي لأن الأمر أبعد ما يكون عن القوالب المتشابهة، كما أن وجود هذه الصفات لا يجعل من المرء عالماً بطريقة آلية، فهذه الصفات تكّون الحد اﻷدنى الذي لوحظ أنه موجود عند عدد كبير من العلماء.
(العناصر الأخلاقية في شخصية العالم)
ولا نتحدث هنا عن أخلاق العالم ومسلكه اليومي في حياته، بل نتحدث عن الجانب الأخلاقي الذي يمس عمله كعالم سواءا بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، وأولى هذه الصفات “الموضوعية” وهي كلمة شديدة التعقيد يدخل فيها بتداءا معنى “الروح النقدية” أي أن لايتأثر بالمسلمات الموجودة أو الشائعة وأن ينقد نفسه ويتقبل النقد من اﻵخرين. فأهم مايميز العالم قدرته على أن يختبر اﻵراء السائدة سواء على المستوى الشعبي العادي أو في الأوساط العلمية أو كليهما معاً، بذهن ناقد، فلا ينقاد وراء سلطة القدم أو الإنتشار أو الشهرة ولا يقبل إلا ما يبدو له مقنعاً على أسس عقلية وعلمية سليمة.
وهذا لا يعني أن يقف المرء موقف العناد المتعمد من كل ما هو شائع، بل يعني إختبار الآراء الشائعة والعودة إليها في حال اجتازت الإختبار أو التمسك بموقفه الجديد بكل ما أوتي من قوة تصميم في حال تكشف له زيف الرأي الشائع.
وكما ينقد العالم آراء اﻵخرين عليه أن ينقد نفسه ويعترف بخطأه كلما تكشف له ذلك، وأن يقبل نقد اﻵخرين له.
واننا في عالمنا العربي بأحوج ما يكون إلى هذا الضمير النقدي الذي لم يتبلور بعد في أوساطنا العلمية ، لذا فعلينا أن نقرأ لبعضنا البعض وأن ننقد بعضنا البعض.
وثاني هذه الصفات “النزاهة” وهي أن يمارس العالم عمله وقد طرح مصالحه وميوله واتجاهاته الشخصية جانباً وأن يعالج الموضوع بتجرد تام. لذلك تكون وسيلة إقناع العالم الوحيدة هي البرهان (سواءا التجريبي أو النظري) وهذا البرهان يفرض نفسه على أي ذهن لديه القدرة على فهم الموضوع واستيعابه. وهذا يختلف كلياً عن الطريقة التي نقنع نحن بها الناس والتي تعتمد على البلاغة اللفظية واللغة الإنفعالية والتلاعب بعواطف الناس واستثارتها أو إغرائهم ومخاطبة ميولهم ومصالحهم.
ومما يدخل في معنى الموضوعية بالإضافة إلى الروح النقدية والنزاهة هي سمة “الحياد” أي أن لا ينحاز العالم مقدما إلى طرف من أطراف النزاع الفكري أو الخلاف العلمي، فهو يعطي كل اﻵراء المتعارضة حقها الكامل في التعبير عن نفسها، ويزن كل الحجج التي تقال بميزان يخلو من الغرض، وعندما ينحاز أخيراً فلا بد أن يكون انحيازه مبنياً على تقدير موضوعي بحت.
كما أن العلم ذاته محايد بين الخير والشر، فالعلم أداة تتيح للإنسان أن يفهم العالم المحيط به وأن يفهم نفسه على نحو أفضل ومن ثم فهو يزيد في قدرته على السيطرة على عالمه الخارجي وعالمه الداخلي، ولكن هذه القدروة محايدة بمعنى أنها لا تعدو أن تكون طاقة أكبر قابلة للتشكل في اتجاه الخير أو اتجاه الشر.

[ تعقيب ]
رفض المؤلف في كثير من المرات فكرة أن الكون يتجه نحو غائية معينة، أي أن لكل ظاهرة كونية غرض وغاية معينة تعمل على أدائها، وكلامه هذا مرفوض بتاتاً، لأننا نؤمن بأن الكون وما فيه “مسخر” لنا، وبالتالي هو يتجه لخدمتنا وتحقيق غايات معينة لنا، وان كنت أقول بإعتقاد أن التفسير الحقيقي لهذه الظواهر الكونية لا يكمن فقط في هذه الأغراض والغايات. وإنما يجب أن نسبر هذه الظواهر لإكتشاف الأسباب الفاعلة لها.
يقول المؤلف رافضاً فكرة الغائية “‫نحن قد وجدنا المطر بالفعل ثم اكتشفنا بالتجربة فائدتـه فـي ري الـزرع‬ ‫فخلقنا هذه الغاية له، أما المطر ذاته فكان سيسقط سواء روينا به زرعنا أم‬ ‫لم نروه. وقس على ذلك بقية الحالات‬”، وهذا الكلام مردود من قبل علماء كثر، ولعلي هنا أستعيض عنهم بكلام رب العزة إذا يقول “وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ” وأيضاً “وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ” وهنا “يُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ” وأيضاً “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ” وأخيرا “وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” فالغايات واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، وقس على ذلك بقية الحالات.
ويقول المؤلف بأن التفسير الغائي تفسير متناقض فأحدهم يعتقد بأن المطر ينزل ليروي مزروعاته واﻵخر يظن أنه ينزل ليروي ظمأه، إلا أنني لا أرى تناقضاً في ذلك بل تكاملاً، مع أنني أؤكد في الوقت نفسه على أهمية البحث عن الأسباب الفاعلة وعدم الإكتفاء بالتفسير الغائي للظواهر. إن وجود خالق لهذه الظواهر (منزه عن العبث) ومسبب لهذه الأسباب يقتضي وجود الغايات من وراء هذا الكون.

رابط تحميل الكتاب