/ كتب قرأتها

رواية عالم صوفي .. والجفوة عن الفلسفة

(هذه التدوينة لا تتضمن نقاشا فلسفيا، بل نقاشا حول الفلسفة)
منذ فترة طويلة جدًا لم أقرأ شيئًا فلسفيًا، رغم أن حبًا كبيرًا كنت قد شعرته تجاه حصص الفلسفة ومواضيعها أيام الثانوية، يبدو أن هذه الأيام هي أيام العودة لما كنت أشعر دومًا نحوه بالحب والشغف، وهذا موضوع آخر.
عالم صوفي هي راوية رائعة تتحدث عن صوفي النرويجية التي تتلقى دروسًا في الفلسفة عبر البريد من شخص مجهول، ومن درس لآخر، يستعرض الكتاب مواضيع الفلسفة الغربية – الأوروبية وفلاسفتها، بدءًا من أفلاطون وسقراط وأرسطو، وعصور الهيلينية والنهضة والباروك والانوار، مرورًا بديكارت وسبينوزا ولوك وهيوم وبيركليه وبجركليه وكانط، انتهاءًا بكير كيجارد وماركس وداروين وفرويد.
وتتصاعد أحداث الرواية شيئًا فشيئًا وتشدنا الحبكة حتى نصل الى النهاية وندرك حقيقة ما كان يجري مع صوفي من أحداث غريبة.

يعرّف الدكتور عبد الكريم بكار الفيلسوف قائلًا : ‘ان البحوث الفلسفية تلبي في معظم الاحيان حاجات العقل، على حين ان العلم والاختراع يلبيان الحاجات المختلفة للناس، فالفيلسوف يبحث في التعريفات والمصطلحات والقيم واﻷهداف، وهو يبحث في مسائل وقضايا كلية (عكس العالِم الذي يشتغل بالجزئيات) ويحاول اكتشاف قوانين وسنن الوجود على مستوى الطبيعة الماديّة وعلى مستوى المجتمع الانساني، وهو يركز من خلال الأسئلة الكبرى التي يطرحها على إثارة المزيد من المشكلات واكتشاف المزيد من التناقضات في الحياة العامة’ وذلك في كتابه (تكوين المفكّر).
أحببت أن أستأنس بتعريف الدكتور بكّار لأهميته في نظري في التقديم للموضوع، وذلك بسبب أن ‘الوعي الإسلامي جفل في وقت مبكر من تاريخ هذه الامة من الفلسفة والفلاسفة، وذلك بسبب الطروحات الفلسفية لكثير من الفلاسفة المسلمين، حيث ان كثيرا منها كان بعيدا جدا عن مدلولات النصوص الشرعية وبعيدًا عن القيود والضوابط والقواعد التي وضعها علماء العقيدة وعلماء أصول الفقه’ كما يقول الدكتور، وسأعود لهذه النقطة لاحقًا، لكني أريد أن أسترسل قليلًا في جو الرواية.

‘ان كلمة فلسفة تعني طريقة ما في التفكير جديدة كل الجدّة، فالميزة الوحيدة الضرورية ليصبح الانسان فيلسوفًا هي قدرته على الدهشة او الاستغراب[القدرة على التساؤل]، فالفيلسوف هو انسان لم يتعود قط على هذا العالم، انه الانسان الذي يحاول إيجاد أجوبته الخاصة عن المشكلات الفلسفية التي يطرحها على نفسه، أما المشكلة الفلسفية فهي المشكلة التي يظل على كل جيل، بل على كل انسان ان يواجهها’. وذلك حسب ما جاء في صفحات الرواية.
تتناول الفلسفة كل المواضيع التي يمكن طرحها بدءًا من المواضيع الغيبية او ما يسمى بالإلهيات، والطبيعيات (العلوم الطبيعية)، والرياضيات، وهذه هي المواضيع التي ركّزت عليها الفلسفة في العهود القديمة، ثم ما لبثت ان تناولت بقية فروع المعرفة مثل الاقتصاد وعلم الحياة والتاريخ، وصولا الى التقنية في عصرنا الحالي [راجع فلسفة البرمجيات الحرة].
طبعًا ما سنقرأوه من انتاج الفلسفة في مجال الغيبيات هو هرطقة في مجمله، فعلى الرغم من انهم يثبتون (غالبًا) وجود إله خالق، بعضهم يسميه العقل الأكبر، أو السبب الأول، ولكن كل ما وراء ذلك يتصف بكونه ‘كفرًا’ في العقيدة الاسلامية، من قبيل ان الله خلق الكون ثم اهمله، او ان النفس لا خلود لها بعد الموت وغير ذلك .. وللأسف فإن كثيرًا من الفلاسفة المسلمين انساقوا وراء تركيز فلاسفة الاغارقة واليونان على اﻹلهيات، وراحوا يأولون كلامهم ويبحثون في القرآن والسنة عن ما يدعمها!، مما خلّف هذه الجفوة في تاريخ الفكر الإسلامي من الفلسفة، رغم انه يتضح بأن ‘الاجابة على هذه الاسئلة ليست من اختصاص الانسان’ على حد قول الفيلسوف كانط، بل هي من اختصاص علاّم الغيوب.
وهذا ما يدعو اليه ابن تيمية بعد دراسته للفسلفة قائلا بأن يدع الفلاسفة حديثهم عن الله والخلق والامور الغيبية الى القرآن والسنة، فكلامهم في الطبيعيات والرياضيات افضل من غيرهم على حد تعبيره.

أريد أن أتحدث قليلًا عن سقراط هذه الشخصية الأكثر غموضًا في تاريخ الفلسفة، فعلى الرغم من أنه لم يكتب سطرًا واحدًا، ومع ذلك فهو واحد من أكثر الأشخاص أثرًا في الفكر الأوروبي.
‘إن سرّ نجاح سقراط يقوم على كونه لا يحاول ان يعلم الناس، بل انه على العكس كان يقدم الانطباع بأنه هو الذي يريد أن يتعلم من الشخص الاخر الذي يحاوره، انه لم يكن يلقي درسًا، بل كان يناقش، وعن طريق مجموعة من الأسئلة كان يساعد الاخرين على الوصول الى الحقائق الفلسفية وليس تقديم أجوبة جاهزة’، وكما كان يقول ‘فإن هؤلاء الذين يطرحون الأسئلة هم الأكثر خطرًا، اما الجواب فإنه ليس مؤلما في شيء’.

يقول الفيلسوف ماركس : ‘ان الفلاسفة يكتفون بتأويل العالم، على حين ان القضية هي تغيير هذا العالم’، وكانت هذه الجملة هي المنعطف الحاسم في تاريخ الفلسفة. وهذا ما أريد الوصول إليه فعلا، نحن نحتاج اليوم الى تجاوز علاقتنا القديمة مع الفلسفة، بإهمال كل ما تحدث به الفلاسفة في مجال الالهيات، فالقرآن الكريم قدّم تصورًا كاملًا للكون والحياة والخلق وغير ذلك، ان ما نحتاج اليه هو منظرين وفلاسفة في مختلف ميادين الحياة (الاقتصاد، الاجتماع، الفكر، التاريخ، التقنية … )، عبر انتاج نظريات وافكار ومفاهيم تتبصر بما لدينا من تراث متواضع، وتستفيد مما لدى الغرب وتطرح ما تبدعه من جديد مما يصلح للواقع ويصلحه.

لم أرد أن أخوض في عرض النتاج الفلسفي المنثور على صفحات الرواية أو شيئًا منه، على الرغم اني سجلت اقتباسات عديدة في دفتري مما أثار تفكيري واعجابي.
تقيمي للكتاب اربع نجمات، النجمة الخامسة سقطت بسبب بعض هنات الترجمة، وتصميم الغلاف السيء ..
كم اتشوق لقراءة عمل شبيه يعرض تاريخ الفلسفة والفلاسفة العرب والمسلمين .. لا بدّ من ذلك!