/ فقه الثورة

استشهد الطاهر : طاهر .. خير من أعرف

كان يومًا مرهقًا بحقّ، وكانت الأمور ستسير على ما يرام بشيءٍ من الإسترخاء ..
كنتُ في المنزل عندما سمعت زخات رصاص من العيار الثقيل تدوي في الحارة، بعد قليل هاتفي النقّال يرّن .. جوٌ من الإرباك ونداءات الإستغاثة، يسألني المتصل إذا كنتُ أعرف طاهر .. قال لي بأن طاهر أصيب وحالته حرجة جدًا ويجب نقله إلى المشفى فورًا ..
كنتُ مازلت أحدّث أبي بما جرى، عندما أتاني صوت صديقي : لقد استشهد الطاهر طاهر ..

معرفتي بطاهر قديمة جدًا، وصداقتي له عمرها أحد عشر عامًا ..  ورغم أنّها مدّة طويلةٌ إلا أن طاهر هو الصديق الوحيد الذي لم أرى عليه شيء يكره أو يعاب أو يلام عليه، طاهر هو الوحيد الذي لم يسبب لي يومًا مضايقة أو أقلّ من ذلك، وليس معي فقط بل هذه هي حاله مع الجميع، لا أحد يعرف منه إلا الخير .. والخير فقط
يمكنني القول بسهولة بأنّ طاهر – تقبّله الله – هو أفضل من أعرف على الإطلاق ..

كان يُفترض أن يتخرّج هذا العام من كلية العمارة، وأن ينال شهادتها، لكنّ سيرته الطاهرة أبت إلا أن تعطيه قبلها شهادة أسمى بكثير ..
تربّى في حلقات تحفيظ القرآن، وحفظ أكثره، ثم صار محفّظًا ومدرّسًا في حلقاته ..
كان متفوقًا بحق في جميع الصفوف الدراسيّة، ودخل هندسة العمارة، وكان على أبواب التخرّج يقف ..
قرأ جميع مؤلفات مالك بن نبي وأحمد العمري وكثيرين آخرين، فكان فكره حيًّا يتّقد، وكان يخبرني عن شيءٍ من تجديد الفكر الهندسي المعماري ينوي سبر غوره والإضافة عليه ..
ولن أنتهي من تعداد صفاته، لكن يكفيه أن كان قبل ذلك كله ومعه وبعده : طاهر لأبعد الحدود

كان يخرج من مسجد الحيّ في كلّ ليلة : يلا يا شباب جاهزين .. ويبدأ بالتكبير والتهليل بصوته الجهوري ..
قال لي مرّة، ما لم يقله لي أحدٌ ممن يشارك بالمظاهرات المطالبة بإسقاط حكم عصابة الأسد، أنه يفكّر دومًا بالنيّة، ويهمّه أمرها، وأنه يخشى ألّا يكون خروجه لغير الله .. ألا ليت شعري، إذا لم يكن هو يخرج لله فمن يخرج لله إذًا .. لكنها المخاوف التي تبقى ترافق صاحب القلب الطاهر المخلص حتى لا يحيد عن الدرب ..
وعندما كنّا عائدين من تشييع الشهيد رامي الفاخوري، كنّا نتحدّث عن الزواج بعد الثورة، لتأسيس أسرة في المجمتع الثوري البديل .. طاهر تزوّج أسرع بكثير مما كنّا نظن، وبأفضل ممّا كان يتخيل ..

كان أكثر ما يرهقه هو مخاوف أمّه وقلقها، لم يكن قد خالف لها أمرًا من قبل، وإذ تطلب منه أمّه البقاء وعدم المشاركة، ويشعر بأنّ واجبه تجاه رسالته على الأرض في الإستخلاف أن يخرج خالف طلبها وخرج
ولذا كان يخبرني دومًا بأنّه واقعٌ بين نارين، الأمر الذي دفعه ليكتب قصيدة لأمه يطلب منها ان تسمح له برضا بالخروج، وأن لا تحزن إن جاءها خبر استشهاده.

طاهر أدّى رسالته على هذه الأرض وختمت سيرته بأفضل خاتمة ممكنة.
ترك بصمته في الكثيرين، خصوصًا من الأطفال الذي كان يدرّسهم في حلقات القرآن، والذين كان ينظمهم في مظاهراتٍ يوميّة يزرع فيهم معاني الكرامة والحريّة.
طاهر غادرنا البارحة ..
وكان تشييعه اليوم يليق بعريسٍ طال انتظار في السموات السبع ..
الشيخ الذي كنّا نأخذ عنده دروس في أيام الخميس، وهو احد خطباء حمص، آثر ألّا يقبّل وجه طاهر .. لقد فاجءنا وقبّل قدميه !!

صديقي طاهر .. انت تقرأ هذه الكلمات اﻵن، ادعوا الله لنا أن يعجّل بالنصر، واشفع لي يا حبيبي ..
وعهدًا علينا أن نواصل دربك حتى تسقط هذه العصابة بعون الله .. ونبني دولة القانون والحريّة والكرامة