/ فيض قلمي

نبش الغراب في "تمّام"

قد لا أتمّ ما سأبدأ به اﻵن – بمعنى أن أجعله تامًّا – ، ليس فقط لأن النقص وعدم التمام من الصفات الملازمة للبشر دومًا، وليس فقط لأن “تمّام” هو اسم أبي وإبني – رعاه الله في مكانه! – وصديقي، ومن الصعب أن أجمع ذِكرهم في تدوينةٍ واحدة، بل لأن هذا الأخير – صديقي، كثيرًا ما يستعجلني، في الكلام وغيره، حتى أخال نفسي مقيداً بالثواني الثلاثين لجورج قرداحي ..
وعلى الرغم من أنك لا تعرف والدي أو ابني – المنتظر بفارغ الصبر! – أو صديقي، كما أنك لا تعرف أن “تمّام” هي كلمة تركية وتعني “نعم”، إلا أنه لا بُدَّ من أنك تعرف أبي تمّام، الشاعر العربي الكبير، ذا السحنة السمراء والطول الفارع، وفد كان حلو الكلام فصيحًا، وفي شعره قوةٌ وجزالة، وقد اختلف التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري … وهذا قد لا يهمك أيضاً، ولكن يهمني أن تعرف “تمّام حسّان” وهو عالمُ لغويٌ نحويٌ كبير، ولد بمصر ولا أدري إن كان قد وافته المنية أم لا ، وهو يُعدّ أول عالمٍ لغوي يدرس المعجم بإعتباره نظامًا لغويًا متكاملاً تربطه علاقات محدودة وليس مجموعة مفردات أو كلمات، كما أنه أوّل من قسّم الكلام العربي على أساس المبنى والمعنى، رافضاً التقسيم الثلاثي التقليدي (اسم وفعل وحرف) إلى سبعة أقسام.

وأما “تمّام بن عبيدة” و “تمّام بن العباس” فصحابيان جليلان.
وحتى نُتمّ الحقوق ونؤدي تمَامها، لا يجب أن ننسى (أو نتناسى كما يتهمنا أصدقاءنا من العَلمانيين) النساء ممن كان اسمهم “تمّام”، وإلا فالتهم سريعة وجاهزة : الذكورية والمجتمع الذكوري، ومن هذه المصطلحات التي لم يَتمّ لي فهمها إلى اليوم ..
فهناك “تمّام الأكحل” وهي فنانة تشكيلية فلسطينية، وقد تمكّنت بريشتها تصوير المعاناة الفلسطينية بإحترافية عالية.

وإذا تابعتُ لك – يا تمّام – ذِكر من سُمّوا بهذا الإسم، فلن ننتهي هذه الليلة، حتى لو كانت ليلةً من ليالي التِّمام، بكسر التاء، وهي أطول ما يكون من الليل في لغة العرب، ويقال أنها تطول حتى تطلع فيها النجوم كلها، ويقال أيضاً أنها ليلة ولادة المسيح عيسى بن مريم، لذا فإن النصارى تعظّمها وتقوم فيها.

ولو نقبّنا في كتابنا المُقدّس فسنقرأ قوله تعالى{ ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } فالتوارة تامّة مفصلة بهدى ورحمة.
وكذلك قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فأتمّهنّ أي فعمل بهنّ.
وفي الحديث “أَعوذ بكلمات الله التامَّاتِ” التي تمّ كمالهن، فتحفظ المستعيذ وتكفيه.
وفي حديث اﻵذان “اللهمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوة التامَّة”، فوصفها بالتمام لكمال معانيها، التي لو تمّت – أي تحققت – في حياتنا ومجتمعاتنا لكان لنا شأنٌ آخر.

واستتمّ أي طلب التمام، لكننا كثيرًا ما نترك أعمالنا دون أن نُتِمّها، فكم وكم كتابٍ بدأنا به ثم لم نكمله، وكم بدأنا بمشاريع كثيرة ولم نتمها، ولربما حتى لم نتجاوز تحقيق عُشرها فضلًا عن أن نجلعها من “التمائم” وهي الأعمال الكاملة، وتُفرَد على “تميم” وهو التّام الخلق والشديد، وقد كان لي صديقٌ بهذا الإسم.

ولايقف عدم إتمام الأمور والمشاريع عند هذا، فالبلدية لدينا – وأين ما ذهبت في أرجاء وطننا العربي – لا تتم أعمالها، فيبدأ مشروع إعادة تأهيل الطريق الفلاني، ويكون الزمن المقدّر لإتمام المشروع ستة أشهر، وتمضي السنة وما زال المشروع في أوله، وليست البلدية وحدها هنا، بل تشاركها جهات أخرى، ولكن لا يسرني أن أبيت الليلة خارج منزلي، ولي أطفال – على الأقل مُنتظرون، ولديّ أحباب يخافون عليّ، ..

وتمّ له الود من فلان، أي اكتمل، وهذا شيءٌ مبهج بتنا نخجل منه هذه الأيام، وعلى الرغم من روعة المشاعر العاطفية التي تغمرك عندما تخبر أحدهم بأنك تحبه، كصديقٍ مثلًا، إلا أننا نبخل بهذه المشاعر على انفسنا وعلى اﻻخرين، أو أننا نظن أنه ليس من تمام الرجولة أن يقول الرجل بأنه يحب! أو أن اﻻخرين يعرفون هذه المشاعر ولا داعي للتعبير عنها!!
وهنا أودّ أن أعبّر عن منتهى حبي لأضلاع المثلث الثلاثة، أبي وابني وصديقي، وقد جمعهم اسمٌ واحد … تمّام

ومهما تمتمنا الكلام – بمعنى رددناه إلى التاء والميم – وسجّعناه، ونظمناه فيبدو أنه قد تمّ مللكم معي.
هذا ولم نتحدث بعد عن والدي أو ابني أو صديقي “تمّام”، أو حتى “أبو تمّام” العتيق، كاتبِ هذه الكلمات غير التامّات.
هذا ما نبشه غرابي في “تمّام” وكان قد نبش سابقًا في “طريف”، فمتى تتم همة غرابكم حتى ينبش في أسمائكم.
ودمتم بتمام الصحة والخير والبركة.
تمت.