/ المجتمع والواقع

القادمون من وراء المحيطات ... إلى دماغك !!

نقد لفيلم “القادمون”

دعاني صديقي المقرّب لمتابعة حلقات مسلسل “القادمون” The Arrivals، وأغراني بطريقته المعهودة لمشاهدتها، الهاشمي كان قد قادني إلى لينكس من قبل (هل تذكرون ذلك؟)، وشعرت للوهلة اﻷولى أنه سيقودني كذلك إلى ما وراء المحيطات …
يتألف المسلسل من إثنين وخمسين حلقة، 550 دقيقة، بدأتُ بحماسٍ قوي، خفّ تدريجياً، ثم بتّ أتابعها لأكتب عنها فقط، حيث أنها تلقى رواجاً كبيراً، لكن الأقلام التي كتبت عنها قليلة (الأستاذ صلاح الراشد أحدها)، ما سأذكره هنا مجرد مراجعة نقدية بسيطة للفليم، كنتُ أود التفصيل أكثر، لكن هذا كان في بداية متابعتي للمسلسل، لكن اليوم لا أشعر بذات الحماس ….

يُرسّخ الفيلم في بدايته نظرية المؤامرة بطريقة إخراجية جيدة، وهذا يتضح من الحلقة الأولى عندما يقولون : “إنهم يتحكمون في كل ما تقرأه وكل ماتستمع له وكل ما تشاهده” … نظرية المؤامرة وجدت دون برهان واضح، لذلك لا يمكنك أن تذكر دعوى واضحة لنقضها …
عندما تكرَّس نظرية لديك، في الوعي أو اللاوعي، ستضاف كعامل آخر، يدعم سلبيتك، ويقعدك، حيث لا يمكنك أن تفعل شيئاً، والعالم كله ضدك . لا جدوى من العمل، وهناك من يقلب مخططاتك ويفشلها، ويرد كيدك في نحرك!! سوف تفقد الأمل والإيمان بجدوى التحرك – أو بالضبط ستفقد البقية الباقية من هذا الإيمان وذاك الأمل – ستغدو أكثر سلبياً، فأنت لا حول لك ولا قوة، على رقعة الشطرنج هذه..
هناك عبارات تخدم غرضهم هذا وردت في الفيلم مثل “المؤامرة العالمية الخادعة .. عالم الخداع … عالم الكذب”.

الفيلم يدّعي كشف “الحقيقة” لكي تغدو أكثر – أنت – قوة وإيجابية وفعالية وتتحرك (ويقصد بالحقيقة نظرية المؤامرة)
وهذا أقرب ما يكون لأن أعطيك سماً زعافاً ثم أقول لك بأنه مشروب الطاقة الأفضل …
كل من يعتقد أن كشف “الحقيقة” سيزيد من الإيجابية والحركية وحالة الفعل، ويدافع عن الفيلم، الذي”يحرر العقول”، كل من يظن أن الترويج لنظرية المؤامرة سيجعل المرء مقداماً شجاعاً، فلينظر إلى حاله ….. وهنا ينتهي البرهان

يمتلئ الفيلم حتى التخمة بدعاوىٍ تفتقد للدليل والبرهان، وهم يقولون بأن هذا هو “رأيهم” وبأنهم لا يلزمون أحداً به، وهذا دفاع أحمق عمن يتبنى قولاً ما دون برهان، أساساً من قال أن اﻵراء لا تستند إلى دليلٍ ما، أو شبهة دليل، أو وجهة نظر معينة ….
يقول تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم }
لا تتبنى أي رأي ليس لك به علم …
وهذا حجر أساس في العقلية العلمية، لا العقلية الخرافية التي يعمل الفيلم على تدعميها (فهي موجودة أصلاً!!)
من هذه الدعاوي قولهم بأن القباب هي أقوى المباني لإسقاط الطاقة وكذلك الأعمدة المثمنة وبأنها بنيت على هذا الشكل لأجل اسقاط الطاقة، لكن المعلوم من الهندسة المعمارية أن القباب وجدت كحل هندسي لتغطية أكبر قدر من المساحة بأقل عدد من الأعمدة التي ترفع السقف ..
إنظر أيضاً إلى قولهم “لا يمكن أن يظهر المسيح الدجال إلا عندما تبلغ طاقة الشر مستويات معينة على الأرض” !!!

يستمر تكريس نظرية المؤامرة بطريقة سخفية للغاية، الفيلم يزعم بأن الدجال على قيد الحياة! وبأنه حكم بريطانيا ليوم، اليوم الذي هو كسنة كما ورد في الحديث عن الدجال، والسنة التي هي كألف سنة كما ورد في القرآن [!!]، أي أن الدجال حكم العالم لمدة ألف سنة إلى اﻵن، ثم إنه انزعج من طول إقامته في بريطانيا لسببٍ لا ندريه، فانتقل إلى أمريكا، ولهذا السبب (لا تصفوني بالخرافي رجاءً) أصبحت أمريكا هي مركز القوة في العالم، فحكم فيها الدجال لمدة يوم آخر، والذي هو كشهر، وقد حكمها الدجال لمدة 900 عام، ولا ادري لمَ 900 عام .. فهكذا يقول الفيلم
لكن إذا كانت السنة هي الف سنة، فهذا يعني أن الشهر يجب ان يكون 83 سنة تقريباً،وليس 900 عام كما قالوا !!
المهم المجموع اﻵن أصبح كم ؟ نعم 1900 عام ، حلو اقتربنا من الــ 2000
واليوم …. يقول مكتب السكرتارية للسيد الدجال بأنه انتقل للعيش إلى اسرائيل، وسوف يحكم العالم من هناك، للمدة الباقية … يقولون “سيتجسد الدجال ويحكم اسرائيل” … إن الدجال يحكم العالم إذا منذ آلاف السنين وهذا هو سبب مشاكلنا الحقيقية، وليس ضعفنا أو تخلفنا لا سمح الله، وهم يقولون ذلك حرفياً بعد عرضهم “للحقائق” السابقة ، يقولون : “هل أدركت اﻵن سبب كل المشاكل في العالم والشرق الأوسط؟”
ثم هناك كلام ممتع للغاية يشرح كيف أن ملكة بريطانيا من سلالة الفراعنة !! (يمكنك مبدئياً ان تنسى قوله تعالى : فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً، واﻵية بالطبع في سياقها تتحدث عن إغراق آل فرعون جميعاً) وهذا الكلام مهم لما سيرد لاحقاً، وليس فقط دم ملكة بريطانيا فرعوني بل ودم الرؤوساء الأمريكيين …. أدري أنكم قد بدأتم تملون من الهرطقة ولكن لا بد للإستمرار حتى “نحرر عقولكم”
…وبما أننا أمام خطر جهنمي فعلينا أن نتحد – نحن ابناء الديانات السماوية الثلاث – لمواجهة المسيح اللعين، أقصد الدجال، وذلك بحسب قولهم!!

أيضاً هناك فكرة جميلة جداً في الفيلم، تقول بأن النجاح والقوة الذي حققه الغرب تم بمساعدة الشيطان!! ولا علاقة للأسباب والمسببات بالقصة …. إنهم ينقلون حلقة تلفزيونية يتحدث بها احدهم عن تجربته الخطيرة مع الشيطان …. ومن كلامه أقتبس :
“قال لنا قائد فرقة الجاز: اذا اردتُ القوة فانا اذهب مباشرة لمصدر القوة”
“هذا الشخص روى ما جرى بينه وبين قائد فرقة الجاز ، حيث سأل هذا الأخير الأول، فقال له :
“كيف تعتقد انني وصلت لهذا المستوى من الشهرة؟

قلت لابد ان حظك سعيد..قال لايوجد شيء اسمه حظ… اما ان تكون مدعوما بقوة ما او لن تصل لاي شيء”
آه صحيح … لم اخبركم ما هي هذه “القوة” التي يتحدثون عنها، يقولون “الجن يساعد رجال السلطة لينحجوا في حكمنا”، وليس لينجحوا في حكمنا فحسب، بل لينجحوا في أي شيء يريدوه، تفكير عقلاني محكم ….. جميل جداً …. كل هذا وهم يتشدقون بأنهم “سيحرروا العقول”!!!
وفي ذات السياق يقولون “الشيطان علم داروين نظرية التطور” و “الشياطين سوف تموه نفسها كمخلوقات فضائية” و “لقد استخدموا هذه الممارسات لتسلق مراتب القوة والنفوذ في عالمنا، وتمكنوا من ذلك من خلال عبادتهم لابليس” … هل علمت مصدر قوة ونجاح الغرب، نعم انهم الشياطين، قد تفكّر اﻵن في ان تعبد الشيطان أنت أيضاً لأجل أن تحصل على النجاح الذي تبحث عنه منذ زمن، أو أنك ستشعر بضعفك أكثر فأكثر وهو المطلوب كما أرى

[ على الهامش : هناك معلومة طريفة جداً وردت في الفيلم أود سوقها لكم لتعم الفائدة : “هل يمكنك ان تكون روحانيا بدون ان تلتزم باي دين؟ الجواب : نعم” !!! جميل، أليس كذلك ؟ ]

بعد نظرية المؤامرة والحكم الفرعوني العالمي بزعامة الدجال سيحدثوننا هؤلاء عن تحريف الأديان، سيتحدثون إبتداءً عن تحريف اليهودية، وسيبدو كلاماً عادياً، ثم سيتحدثون عن تحريف المسيحية [ في الوقت ذاته يقولون بأن النسخة الحقيقية غير المحرفة من الإنجيل موجودة!! ذكروني بدان براون ]، وسوف نتثاءب هنا، ثم ببساطة وحتى تكتمل الحلقة سوف يحدثوننا عن “تحريف الإسلام”، والعبارة بين قوسين اقتبستها من الفيلم ….
طبعاً يقصدون بالإسلام المذهب السني [ آه نسيت إخباركم بأن الفيلم من إنتاج الشيعة وبأنه يدعو للتشيع … عفواً، أقصد أنه يدعو للإسلام لكن غير المحرف ] فيتحدثون بأننا [ فكما تعلمون يتحمل أبناء المذهب السني تبعة أفعال الساسة الأمويين وغيرهم ] “خرقنا الإسلام” وغيرنا معالمه، وهذا قولهم الحرفي “الرسالة الحقيقة للإسلام نادراً ما تمارس من قبل اتباعه”، ثم يذكرون شيئاً عن هذه “الرسالة الحقيقية” مثل ذكرهم لما يقولون بأنه حديث “استوصوا بآل بيتي”، “تركتم فيكم شيئين لن تضلوا مالم تمسكتم بهما، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (الترمذي)”، والبحث في كتاب الترمذي يأتي بنتيجة معلومة، لا يوجد حديث كهذا …
وطبعاً يذكّر الفيلم بأن “أسرة النبي هي أربع أشخاص” وستقرأ عبارات أخرى تذكرك بحقد تاريخي غريب مثل”معاوية لعنه الله” وأن “الحسن قتل من معاوية” ، لكنهم يثبتون في الوقت نفسه أن “القرآن بلا شك هو أعظم كتاب في تاريخ الأدب العربي” نعم تاريخ الأدب، ولمَ الإستغراب.

كذلك يجب عليك أن تقرأ المعلومة الجميلة التي وردت في الحلقات الأخيرة “أهمية الكعبة تكمن في انها مكان تلاقي خطوط الطاقة، وأنها أكبر مكان لبعث الطاقة لأنها أكثر مكان يزار في العالم” وأيضا “أنت على الطريق السليم وان لم تكن مسلما”، مفاجئة الموسم ستكون كشف النقاب عن حقيقة أن حسن نصر الله من سلالة الأنبياء!! ….

بعد نظرية المؤامرة والحكم الفرعوني العالمي بزعامة الدجال والإسلام المحرف، أنت الآن تم استلاب عقلك بالكامل وتهيئتك لتقبل بالحل السحري لكل هذه المشاكل الضخمة ……. والحل هو …… أن تنضم إلى فرقة منتظري المهدي …. لكنهم لم يستخدموا كلمة “إنتظار” بل قالوا “التحضير” و “الإستعداد” لقدوم المهدي المخلص، الذي سينجينا بطرقه السحرية من كل مشاكلنا هذه، على الأقل تتعاطف معهم كمرحلة أولى.

مبارك لك الإنضمام إلى الفرقة الناجية !!!

الفيلم، وكما ترون فاشل بكل المقاييس، ويحوي الكثر من المعلومات المزيفة مثل أن “غالبية المتعلمين هم من النساء في الكثير من الدول العربية”، وهو – على الرغم من تشدقه بآيات الكتاب العزيز – يعرض للكثير من الصور الإباحية الجنسية وصور الشذوذ، بطريقة مزعجة للغاية وطويلة جدا (أحياناً حلقات كاملة!) ودون أي تمويه حتى لبعض أجزاء الجسد ….
يعرض الفيلم في بعض حلقاته، مقاطع جميلة بحق، تتحدث عن ثوابت الفردوس الأمريكي، كالفردية والإستهلاك والمادية، وهي مقاطع تجعل البعض يدافع عن كل الركام السابق، بحجة “خذ ما صفى ودع ما كدر”، وورد عرض مقاطع قوية عن التلفاز وخطره ودوره في غسيل الأدمغة.

بربكم ألا تستغربون من شباب جامعي متعلم ولربما مثقف لكنه منبهر بهذا المسلسل، بل ويروج له !!