/ كتب قرأتها

كيف نوازن ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة؟

في كتابه “الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة” تحدث الدكتور يوسف القرضاوي عن مفاهيم الأصالة والمعاصرة وكيفية الموازنة بينهما، لنقرأ هذا الكلام المهم، بإنتظار آرائكم حول الموضوع:

*في البداية : ماذا تعني الأصالة ؟ *الأصالة تستند إلى مجموعة من المعاني، هي:
ضرورة المعرفة والفهم لثقافتنا: أي فهم هذه الثقافة بخصائصها الذاتية ومكوناتها الأساسية، فهمها من مصادرها الأصلية وليس من المصادر المدخولة، فهمها من أهل الثقات لا المجروحين، فهمهما بأدواتها ومناهجها الخاصة لا بأدوات ومناهج غربية عنها مفروضة عليها.
فالمثقف الأصيل حقاً من وُفّق لمعرفة هذه الثقافة من مصادرها الحقة، واستقاها من ينابيعها الصافية وعلَّ منها ونهل، وأخذ منها بقدر ما اتسع واديه { فسالت أوديةٌ بقدرها }، و هناك طبعاً حدود دنيا لمن يريد أن يتعرف على هذه الثقافة ويفتح مغاليقها ويفقه سرها، وفي مقدمة ذلك التعرف على اللغة العربية وعلومها وآدابها، ثم تأتي الشريعة بشتى فروعها (التفسير وعلوم القرآن، الحديث وعلومه، الفقه وأصوله، العقيدة وما يتصل بها، التصوف والأخلاق) أضف إلى ذلك السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي العام.
وليس مطلوباً ولا ممكناً أن يتعمق المثقف الأصيل في كل هذه المعارف ويسبر أغوراها وإنما ينبغي أن يلم بها ولو إلمامه سريعة، أي أن يعرف شيء عن كل شيء.

الاعتزاز بالانتماء الإسلامي العربي: أي الاعتزاز بالإنتماء إلى الإسلام المؤثر الاول في صنع هذه الثقافة والذي وجهها وجهته وصبغها صبغته، والعربي يضيف إلى هذا الإعتزاز إعتزازاً آخر، بأنه ينتمي إلى اهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتكلم لغة القرآن ويفهم عن الله ورسوله دون ترجمان.
{ فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراطٍ مستقيم وإنه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تسئلون} معنى (ذكر لك) أي فخر ومجد لك ولقومك، تذكركم به الأمم، هذا الإعتزاز بالإنتماء هو مقتضى الأصالة، فالأصيل من كان له أصل يرجع إليه.
نريد من العربي المسلم أن يتحرر من عقدة النقص التي يعاني منها بعض الناس تجاه الثقافة الغربية؟، والحضارة الغربية، والتقاليد الغربية، والأزياء الغربية، حتى الرذائل الغربية والمنكرات الغربية!!
{ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين }
وإنما كان لهذا القول { وإنني من المسلمين} قيمة، لأنه يقوله معتزاً مغالياً بمبدئه، مباهياً بدعوته.
ونريد من العربي شيئاً آخر، وهو الإعتزاز بلغته، لغة القرآن والحديث والثقافة الإسلامية، وأن يعمل على أن تكون لغة الحياة ولغة العلم ولغة الثقافة وقد كانت لغة العلم الأولى في العالم كله لعدة قرون فلا يجوز أن تعجز اليوم عما قامت به بالأمس.

**العودة إلى الأصول : **وثالث ما تتطلبه منا الأصالة، أن نعود إلى أصولنا وجذورنا العقدية والفكرية والأخلاقية، نستمسك بعراها، ونتشبث بأهدابها، ونحوّل إعتزازنا النظري و العاطفي إلى سلوك عملي. إن الإعتزاز مطلوب ولا شك، ولكنه يصبح فاقد القيمة، عديم الجدوى إذا لم يتحول إلى عمل.
والحق أن الرسوخ في العلم لا يُتصور أن يكون بغير ثمرة. إنما الخطر في صورة العلم، أو قشور العلم، الذي يتمثل في الثرثرة والتفيهق دون أن يكون وراءه فقه أو بصيرة.
فما قيمة أن يحفظ المرء القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكن تفكيره ليس قرآنياً.

إحياء السلفية المجددة: ومما يكمل معنى العودة إلى الأصول والجذور : الحرص على التشبع بروح السلف الصالح لهذه الأمة، وأؤكد هنا ان الذي نريده منهج السلف الكلي وليس أقوال السلف الجزئية وفرق كبير بين الأمرين.
منهج السلف يعني طريقتهم الكلية في فهم الدين والعمل به والعمل له، ومنهجهم هو النظر إلى جوهر الدين لا إلى شكله، وإلى مقاصد الشريعة لا إلى حرفيتها، وإلى روح العمل لا إلى مادته، وتغليب اليسر على العسر والتخفيف على العنت، ما يبدو ذلك في مسلك الخلفاء الراشدين.
أما الأقوال الجزئية فإنها تتأثر بظروف الزمان والمكان والعوائد والأحوال وهي تتغير بتغير موجباتها.

الإنتفاع الواعي بتراثنا : ومن دلائل الأصالة: أن نجتهد في الإنتفاع بتراثنا الغني، ولا يتصور من أمة عريقة في الحضارة والثقافة أن تهمل تراثها وتاريخها الأدبي والثقافي وتبدأ من الصفر او من التسول لدى الغير .. وتراثنا فيه الصواب وفيه الخطأ، وفيه الحق وفيه الباطل، وفيه الطيب وفيه الرديء، حتى الكتاب الواحد تجد فيه حقائق سبقت الزمن، وأباطيل خرافية ، لذلك قلنا الإنتفاع الواعي بتراثنا لأن الوعي يميز بين ما يصلح وما لا يصلح.
وعلينا ان لا نخلط بين الإسلام والتراث، فالإسلام ليس مجرد تراث يؤخذ منه ويترك، إن الإسلام وحي إلهي معصوم، أما التراث الإسلامي فهو جهد بشري كثيراً ما يتعراه الضعف والنقص والخطأ.
{ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} فبالمعيار النقلي (الكتاب) والمعيار العقلي (الميزان) نستطيع أن نقرأ التراث قراءة مستبصرة، ونحن نقف على أرض صلبة، ونحن معنا هادينا : الوحي والعقل، خارجي وداخلي.
على أن نكون حذرين أيضاً من بعض القراءات المتحيزة أو الموجهة للتراث.

ثم ماذا يراد بالمعاصرة؟
يراد بالمعاصرة أن يعيش الإنسان في عصره وزمانه، في افكاراه وقيمه وسلوكه، جوهر المعاصرة إذا هو معايشة الاحياء لا الأموات، وهذا يدخل تحته عدة معانٍ اهمها:
ضرورة معرفة العصر : معرفة صافية دقيقة، فإن الجهل بالعصر يفضي إلى مشكلات جمة، وفي الحديث (ينبغي للعاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلا على شأنه)، ومن تمام معرفة العصر معرفة الواقع الوطني والعربي والإسلامي والعالمي، وتفسير الواقع كتفسير التاريخ يتأثر بإتجاه المفسر وانتمائه العقدي والفكري، ومن النظرات الخاطئة للواقع : النظرة الجزئية، والمحلية، والآنية، والسطحية، والتلفيقية، والتبريرية.
ومعرفة الواقع تشمل معرفة خصومنا، أصحاب المشروع الحضاري المخالف لمشروعنا، وتشمل معرفة إيجابيات هذا الواقع وسلبياته.
ولا بد هنا من إيضاح حقيقة لها وزنها وقيمتها وهي : ان العصر ليس هو الغرب، إن البحث المتعمق المنصف يرينا أن الغرب وإن كان هو المهيمن في عصرنا على الحياة وكانت ثقافته هي الثقافة السائدة والغالبة على العالم فليس هو كل العالم ولا كل العصر.
لا حرج علينا أن نقتبس من الغرب ما ينفعنا وما يليق بنا ويتلاءم مع قيمنا وثقافتنا وما يؤكد المبادئ التي ندعو إليها. فلا حرج علينا أن نأخذ من الديمقراطية وضماناتها وعناصرها ما يؤكد مبدأ الشورى عندنا ومبدأ النصيحة المحاسبة للحكام وحق عزله إن جار عما بويع عليه.
اليابانيون اليوم – مثلا – أخذوا من الغربيين علمهم الطبيعي والرياضي، وما أثمره من تطبيقات تكنولوجيا، فأفادوا منه وتفوقوا فيه على أصحابه أنفسهم ولم يأخذوا منهم ما يتعلق بالعقائد والشعائر والتقاليد ، بل حافظوا على شخصيتهم التاريخية المستقلة

**العلم والتكنولوجيا: **إن أهم ما نأخذه من العصر هو العلم وتطبيقاته، العلم بمعناه الحديث، القائم على الملاحظة والتجريب. العلم الطبيعي والرياضي إلى آخر مدىً وصلا إليه، لأن الأمة مطالبة بأن تكون في مكان الأستاذية للأمم، التي يعبّر عنها القرآن بـ “الشهادة على الناس” وذلك في مثل قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمةً وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ولا معاصرة لنا إذا لم نعب هذا العلم عبا ولا يكفينا منه مجرد الإرتشاف بل لا بد من الوصول إلى درجة الإحسان في هذا العلم فإن الله كتب الإحسان على كل شيء.
ولا ينفعنا هنا ما زعمه بعضهم يوما بأننا يمكننا باموالنا أن نشتري التكنولوجيا من أي مكان في العالم، ونوظفها في إنهاض أوطاننا، فالذين يبيعوننا التكنولوجيا ليس بلهاء بحيث يبيعوننا ما يجعلنا نستغني عنهم.
وينبغي الإشارة هنا إلى أنه لا تناقض بين النقل والعقل، فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من الداخل، فجابر بن حيان يسمى جابراً الصوفي، والخوارزمي مبتكر علم الجبر إنما وصل إليه وهو يؤلف رسالة في فقه الوصايا والفرائض وابن رشد الحفيد صاحب كتاب الكليات في الطب هو نفسه صاحب كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في الفقه المقارن، والفخر الرازي صاحب (التفسير الكبير) كان من أشهر اطباء عصره .
أما الذي نحن فيه اليوم فلا يمثل أصالة ولا يمثل معاصرة ، إنه التيه والضياع.
إن أصالتنا الإسلامية هي التي تهيء لنا أفضل مناخ نفسي وعقلي، يمكن أن تزدهر فيه نهضة علمية تكنولوجية راسخة، يقوم عليها مجتمع يرى هذه النهضة عبادة وفريضة وضرورة.

النظرة المستقبلية : ومن مقتضيات المعاصرة ألا يستسلم الإنسان لظروف حاضره بل يتطلع دائما إلى المستقبل، فإن من سمات عصرنا التطلع إلى المستقبل ومحاولة استشفافه أو توقع ما يمكن ان يحدث فيه لا عن طريق الكهانة والتنجيم بل عن طريق الدراسة والرصد وبناء النتائج على المقدمات ..
إن أصحاب المنهج الوسطي لا يرفضون القديم لمجرد قدمه ولا يعشقون الحديث لمجرد حداثته بل يستمسكون بكل قديم نافع ويرحبون بكل حديث صالح.

ومن سمات عصرنا البارزة أنه عصر حقوق الإنسان فلا معاصرة لنا إذا لم نعترف بهذه الحقوق في دساتيرنا ونرعها في مؤسساتنا ونزرع احترامها في عقول ابناءنا وضمائر شعوبنا وحكامنا .
إن علينا أن ننظر إلى العلوم الإنسانية والإجتماعية نظرة جديدة لا تقلد الغرب فيها تقليدا اعمى ولا ترفض كل شيء عنده بل تعيد قرائتها بعقلية واثقة متفتحة غير مبهورة من خلال منظورها الخاص ومسلماتها الدينية والفكرية وبذلك تنشأ مدارس عربية إسلامية جديدة في هذه العلوم مكافئة للمدارس الغربية مختلفة فيها وهذا لا يكون بمجرد اطلاق العناوين بل بالبحث الدؤوب والدراسة الجادة الصبورة.

وبالجمع بين هذه الباقتين من المعاني يرى الدكتور القرضاوي أنه يمكننا عندئذٍ الجمع بين الأصالة والمعاصرة. فما هو رأيك؟