/ تغريدات

(صحة) الفكرة أم ما تخلقه من (وجود)؟

هذه مجموعة من التغريدات التي نشرتها في حسابي على تويتر اليوم، أعيد نشرها هنا مع بعض التعليق، وهي كتعقيب على بعض ما قرأته وتابعته في الفترة الأخيرة على الشبكة عينها، من حسابات تسعى لنشر «التنوير»:

ازدراء الشعور الديني – أيا كان مصدره وشكله – لا يتأتى إلا من شخص لم تعتصر المعاناة قلبه.

الازدراء إهانة للآخر، حتى مجرد أن تزدري الطريقة التي يمشي بها، أو يتناول بها الطعام، فكيف عن الفكرة التي يؤمن بها، والازدراء يختلف عن النقد، ولا علاقة له به.
وعادةً ما يأتي الازدراء مع ضعف الحجة النقديّة، ومع قلق نفسي حيال صوابيّة معتقدك، لذا تشعر بحاجة إلى الحط من معتقدات الآخرين، لتشعر بقوة ما تؤمن به، أو أن تدفعهم للإيمان بما لديك، كي تقوى «بالمجموع» الذي يقول فكرة واحدة.
لكن ما دخل المعاناة هنا؟
مَن يدخل حقل المعاناة الوجوديّة سيجد أن أنواع الأفكار التي تقويّ الآخرين، وتمدهم بالقدرة على التحمّل والمواجهة والاستمرار، مختلفة، ومتنوعة كثيرًا، فلمَ يريد البعض أحيانا نزع بعض تلكم الأفكار التي تعمل مع الآخرين، وتمدهم بما يحتاجونه في معاناتهم؟

مشكلة الكهنوت دوما أنه يتمحور حول (صحة) الفكرة الدينية، وليس حول (قوة) الفكرة الدينية وما تخلقه من أثر ومعنى عند معتنقيها.

نعم، لقد حدث ذلك عندما تحول (الإيمان) إلى (عقيدة)، بالذات عندما قررنا أن نترك «الوحي» ونتجه إلى «الأماني»، (سواء كان وحي السماء أم وحي القلب، هو وحيّ واحد، يقول الفكرة ذاتها.)
وحي السماء يقول: ليس بأمانيّكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءًا يجزَ به، ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا.
لكن نحن لدينا أماني عرقيّة حولت الدين إلى حزب، والمبادئ الدينية إلى أدبيات حزبيّة، وبات يتوجب عليك حفظ هذه الأدبيات وتردادها عن ظهر قلب، وفهمها جيدًا كي تنتسب إلى نادي «الجنة» الخاص بنا، وتنجو من النادي الآخر «الجحيم».
هي مجموعة من الأجندة النظرية، نطلق عليها لفظ (العقيدة)، ستتمثل يوم القيامة على شكل بطاقة صغيرة، مكتوب عليها شعار حزبيّ معيّن، توضع على كفة حسناتك، لترجح، وتدخل الجنة.. نعم أشبه بالبطاقات الأمنية المنتشرة اليوم، التي تحمل شعار الحزب الحاكم.
الوحي يقول بأن أي ذكر او أنثى يعمل صالحا ويحمل إيمانًا (دون أي تحديد) فسيدخل الجنّة، بكل الأحوال التبريرات الفقهيّة – الحزبيّة موجودة دومًا.
مرّة أخرى، الوحيّ يقول: من (يعمل) مثقال ذرة خيرًا يرى، ومن (يعمل) مثقال ذرة شرًا يرى.
فالحساب مداره على ما عملت، لا على ما كنت تحمل من معتقدات وأفكار في رأسك حول ماهية الله والأنبياء واليوم الآخر والملائكة الخ.
التمحور حول ما ندعيه (صحة) الفكرة الدينية خلّف دينًا نظريًا يعتمد على الأدبيات المكتوبة، وليس إيمانًا قلبيًا يعتمد على حرارة مافي القلب، وإنعكاسها على الحياة.
بينما يقيّم الإيمان بما يفرزه من (أثر) و (معنى) في قلب صاحبه، يدفعه إلى عملٍ جيّد أو سيء.
لا تقل لي ما هي فكرتك عن اليوم الآخر، أرني سلوكك فحسب.

طالما أن الفكرة الدينية (تعمل) عند معتنقها فلم نحاول تبديلها إلى ما نظن أنه الصواب.

أخشى أيضًا أن ذلك سيكون مشكلة المتمردين على الكهنوت.
الدعوة إلى الله، الهداية إلى الاسلام، بل وحتى ما يسمى حركات (التنوير) اليوم، كلها تحمل أجندات نظرية معينة، أفكار معينة تتعلق بالله، اليوم الآخر، الجنة، النار، الجزاء، ما هو صحيح، وما هو غير صحيح… وتطلب منك حتى تكون إنسانًا سويًا وسليم الفطرة وتعيش حياة جميلة أن تحشو رأسك بما تخبرك به، وعندها كل شيء سيكون على مايرام، وستكون إنسانا حقيقيًا، وستدخل (الجنة)، جنة الدنيا أو جنة الآخرة – تبعًا للخطاب.
هناك من يسفّه الإيمان باليوم الآخر (كمثال) ، ولا أريد مقاربة ذلك مقاربة نظريّة، لكن إذا كانت هذه الفكرة (تعمل) مع أحدهم، وهو يؤمن بها إيمانًا قلبيًا خالصًا، وتمدّه بالقوّة والجمال، وتجعل حياته أكثر توازنًا فلم تصرف وقتك على إقناعه بعدم ذلك، بدعوى أن فكرته لا توافق صوابك؟
أدري أن الفكرة التي تحملها في رأسك وتعمل معك قد تناقض ما يحمله، لكنّ ليكن لكلٍ منكما الفكرة التي (تعمل) معه، أين المشكلة في ذلك؟!

كل فكرة دينية – مهما كانت… يمكنها أن تخلق إنسانا حقيقيا كما يمكنها أن تخلق انسانا مزيفا.. فليس المدار على الفكرة بل على أثرها.

لذا نرى من المسلمين والمسيحين واليهود والهندوس وأتباع زاردشت … وغيرهم، نجد فيهم المصلح والمسيء وما دون ذلك.
نقد الأفكار ينبغي أن يتمّ في سياق ما قد تخلّفه من آثار وما يترتب عليها من نتائج واقعيّة، وإلا فإن هذه الأفكار التي ننقدها عينها، سنراها عند آخرين مع آثار ونتائج إيجابية!
الإنسان ليس آلة ميكانيكّة، بمجرد أن تضع فكرة ما في عقله، فهذا يعني أنها ستفرز شيئًا محددًا معلومًا بالضرورة في قلبه .

الدين أو التنوير أو أيًا يكن ليس فكرة في الرأس، بل سلوكًا في الوجود.