/ الدين السائد

رحلتي... من النص الى الوجود

واحدة من أكثر التغييرات جذرية وعمقا التي تعتمل في داخلي هذه الأيام، فكرتي ومفهومي عن الله، الدين، والمعنى الوجودي للحياة..
في كلّ مرحلة من المراحل التي مررت بها، كان التغيير يجري عبر مجموعة من المفاهيم، التي ألامس أهميتها (في رسم واقعنا وحالنا) من جهة ، ومدى التزوير والتبديل الذي وقع بحقها (مما أفرز واقعا هو الأسوأ) من جهة أخرى.. لأنتقل بعد حين إلى مجموعة أخرى من المفاهيم، وهكذا…
في هذه التدوينة سأعرض (دون شرح) أبرز تلك المراحل الفكرية، بعض أسماء كتبها، والمفاهيم الرئيسة التي اكتشفت زيفها في الثقافة الموروثة والعقل الجمعي، قد يصعب على مَن لم يقرأ لي مسبقا، أو من لم يطلع على هذه الكتب، أن يعرف عن ماذا أتحدث، بكل الأحوال، أكتب هذه التدوينة – كما العادة – لتسجيل أفكاري وبلورتها أكثر..

الصدمة الأولى كانت في ادراكي الفرق بين (المؤسسة الدينية)، التي تصدت لمهمة تفسير وتأويل النصوص الدينية، وتشكيل التصورات الكبرى، واصدار الفتاوى الصغيرة، وتقرير كيف نفكر، وكيف نعيش.. وبين (الدين) الذي هو مجموعة من النصوص المقدسة (القران + السنة)..
كان ذلك من خلال كتاب (البوصلة القرآنية)، الذي لفت نظري إلى عمق وخطورة الفرق بين (النص) و (الفهم الرسمي له)، بانيا من هذا منطلقا للفكرة التي وُضع عليها الكتاب، وهي أن القيم الرئيسة التي جاء الدين ليعززها في الإنسان والمجتمع، مغيبة اليوم، ليس فقط في واقعنا وحياتنا، بل وحتى في فهمنا للدين، الذي يتبنى تصورا وتأويلا يمكّن من محاربة هذه القيم! (أبرز تلك القيم كانت: إعمال العقل، الايمان بالسببية، الايجابية، والنظرة الشمولية للحياة).
وفي الحقيقة فإن صدمتي الأولى كانت صدمةً مزدوجة، فمن جهة تنبهت للمرة الاولى للفارق بين (النص الالهي) و (الفهم البشري)، ولم أكن أشعر بأية فرق البتة، فبمجرد أن أسمع مثلا (وأما السائل فلا تنهر) سيتبادر إلى ذهني “معنى الأية” وهو صورة ذلك الجائع المشرد الذي يسأل الناس لقمةً يأكلها، وتوجيه الأية بألا ننهره، وأن نعامله برفق.. لأكتشف أن هذا “المعنى” هو معنى بشري، تم وضعه لهذه الأية، التي تحتمل معانٍ كثيرة، قد يكون بعضها أكثر اشراقا من المعنى التقليدي.
ومن جهة أخرى أشعرتني هذه الصدمة بقدرة الفهم البشري على إلباس النص الديني فهما لا يخرجه عن مقصده فحسب، بل يجعله يحارب القيم التي لأجلها نزل الذكر وبعث النبي! وأن هذا ما جرى فعلا مع القران!

الكتاب عينه، أشعل فتيل الصدمة التالية، وهي صدمة تاريخية، تكشف بأن التاريخ “الاسلامي” الطويل والعريض، بدءا من معاوية، ليس اسلاميا بالمرة، لكن باعتبار أن هذا التاريخ هو من شكّل الاسلام، فلن يكون التعبير صحيحا (أي أن التاريخ الاسلامي اسلامي بالفعل!) ، لذا لنقل، اكتشاف بان التاريخ الاسلامي ليس قرانيا بالمرة، بل هو تاريخ مستبدين، أطبقوا حكمهم على البلاد والعباد بالقوة واراقة الدماء وكبت الحريات وتكميم الأفواه، والأخطر: بتزوير الدين وطمس حقائقه الكبرى وتشويه مفاهميه الحيوية، ومن هنا أتى التحالف الكبير بين المؤسسة الدينية التقليدية (طبقة العلماء والفقهاء الرسميين ومن تبعهم) و الخلفاء المسلمين بدءا من معاوية..

إذا ليس فقط فهمنا للقيم الدينية الرئيسة مزوّر، بل نحمل أيضا تركة تاريخ هو الأكثر تزويرا، غُلّف فيه القتل والسبي وكبت الحريات وكتم الافواه، باسم الفتح، والجواري، ومحاربة الكفر، ونشر الدين..
التحالف القوي الذي ساد بين العلماء والأمراء، تراكم تاريخيا ليصل إلينا اليوم كتحالف بين الدين والسياسة، وهما اللذان شكلا بنية وجوهر السيستم الذي لا زال يبرمجنا لنكون عبيده، وخلّفا مؤسسات أخرى، تخدمه وتدعمه (كالمؤسسة التعليمية، التربوية، والاعلامية الخ)..
إنها طامة حقيقية يصعب تقبلها جدًا، مما يدفع بالكثيرين دفعا إلى إنكارها… ربما كان بمقدورهم ذلك، لكن ليس بمقدوري أن أخالف النتائج التي يصل بحثي لها..

الصدمة التالية كانت مع حقيقة مفهوم (السنة النبوية)، إذ وقفت وجها لوجه وللمرة الأولى مع نصوص منسوبة للنبي تخالف صريح ما ورد في القرآن (بما في ذلك كتب البخاري ومسلم وغيرها)، فكيف يمكن أن يخالف النبي ما قاله القران وهو الذي عليه أنزل؟!
لأصل لاحقا إلى قناعة تفيد أن المكذوب على النبي أكثر من المصدوق عنه، وأن الأسس التي قام عليها علم الحديث أسس ضعيفة، لا تملك القدرة على تمييز الحق من الباطل، وأنه لا بد من أسس أخرى، لتصحيح وتضعيف النصوص..
في هذه الفترة ارخت السمع لعدنان ابراهيم بداية، الذي كان يتخذ من القران مرجعا لتصحيح وتضعيف الاحاديث، فما وافق القران قبل به، وما خالفه ضرب به عرض الحائط مهما كان رواته..
لم ادرك لإبراهيم منهجا كامل الوضوح والأركان في عملية التصحيح والتضعيف تلك، سوى فهمه الخاص للقران واطلاعه الكبير على علوم وثقافات الشعوب المختلفة..
وما افتقدته عنده وجدته عند محمد شحرور في وقت آخر، الذي أرسى دعائم منهج كامل، مختلف تماما، في قراءة وتفسير وفهم القران، ليبني عليه قراءته الخاصة للاسلام، لاغيا اية اعتبارية تشريعية لنصوص السنة النبوية..
منهج شحرور كان منهجا مميزا، محكما أكثر، قدم فيه مشروعا شبه متبلور في فهم الاسلام، وكانت الامور تسير على ما يرام، إلى أن وقعت في حيرة أخرى..

الحيرة التي وقعت بها هنا: إذا كنا سنصحح ونضعف نصوص السنة النبوية، اعتمادا على مدى صلتها بالقران، وموافقتها أو مخالفتها له، فكيف سنتعامل مع القران نفسه باعتباره حمّال اوجه؟
فاذا كان للقران اوجها كثيرة في القراءة والفهم، وعلى كل وجه يمكن لنا أن نخرج معايير مختلفة في ما يوافقه أو يخالفه، وتصل هذه الأوجه الى حد التناقض (بين قراءة تدعم التفكير واعمال العقل، وقراءة تحذر منه وتدعو إلى اتباع ما يقوله العلماء!)
فما هو معيار الانتخاب هنا؟ كيف لنا ان نرجح وجها على آخر؟
وفق أي وجه نفهم القران؟
في أثناء هذه الحيرة جاء كتاب (انقلاب المعبد) لمؤلفه عبد الرزاق الجبران، ليقدم (الوجود ولوازمه) كحل للمشكلة الدينية..

بعبارة أخرى، يكمن الحل بالخروج من دائرة النص أصلا، لبناء تصورات ومفاهيم مستمدة من الوجود، وما يمليه على الإنسان والعودة لقراءة النص وفقا لتلك التصورات..فكما أنني توصلت في مرحلة سابقة الى انه لا يمكن للسنة أن تخالف القران، وأن الاصالة له، ويجب العودة لفهمه ودراسته لبناء تصورات سليمة ثم العودة لقراءة السنة…. وصلت في هذه المرحلة الى انه لا يمكن للنص (قران وسنة) أن يخالفا الوجود ولوازمه، وأن الأصالة للوجود، فيجب العودة لفهمه وادراكه بشكل ذاتي (التناغم معه قد تكون أدق هنا)، لبناء تصورات يمكن العودة بها لقراءة النص..
وهذا بالضبط ماسار عليه الأنبياء، فالنصّ الديني لم يكن منطلقهم، بل انطلقوا من الوجود، قضاياه، لوازمه، ووحيه، حتى اذا اختمرت تجربتهم الوجودية، جاء النص حاملا لمشروعهم الذي بلوره على مدى ما لا يقل عن أربعين عاما.. أي النص كان التجلي النظري لما حملوه في دواخلهم من مشاريع تغييرية..
يمكن أن نقرأ تلميحة لذلك في السورة الثانية التي نزلت على النبي، والتي أخبرته أنه على خلق عظيم، هذا يعني بأن عظم شخصيته ودوره لم يكن نتاج النص، أو نتاج تفاعله مع النص (فلم يكن هناك نص بعد)، بل تلك العظمة هي نتاج تفاعله مع الوجود، وهذا ما سيصعب على متبعي الدين السائد اليوم تصديقه فضلا عن الإيمان به.. لأن الدين عندهم يساوي النصّ لا الوجود، وعلى هذا التناقض والتشاكس بنو كل شيء…
وقد قالت عائشة عن النبي: كان خلقه القران، فالأصالة للخلق، مجددًا: لا للنص..
ومن هنا أهمية وحيوية الخلق الإنساني (لمعنى) النص الديني، فالنصّ بحاجة للإنسان، أكثر ما هو الإنسان بحاجة للنص..

إن الفرق بين الفهم الوجودي للقران، وبين الفهم المؤسسي / التاريخي / الرسمي، وهو فرق صارخ لا يترك مجالا للمقارنة اصلا، اي يمكن القول بان الدين السائد اليوم لا يمت للدين الذي يمكن أن نتبصر ملامحه من الوجود، فما بني على النص أصالةً يختلف جذريا عما بني على الوجود أصالةً

القران نصّ أنزل للناس كلهم، بكل ألوانهم وثقافاتهم وتوجهاتهم وأديانهم، المؤسسة ضيقته إلى حدود أصغر من ذلك بكثير، فمنعت ترجمته، واصطحابه إلى بلاد “الكفار”، وتأويله (تحت باب القول بالرأي، واتباع الهوى)، وجعلته كتابا للمسلمين دون غيرهم… وبهذا ضمنت كهنوتية كاملة على المجتمع..
ولا حل لذلك، إلا بالخروج عن النص، والعودة إلى الوجود…