/ تقنية

"هل تعلم بأنّ الثعبان ليس له طيز؟" حول ظاهرة محتوى الحشو

ذكرتُ في التدوينة الماضية ظاهرة “الحشو” الآخذة بالإنتشار تزايدًا في مواقع الوِب العربي، والتي أخشى أن ترث ظاهرة “التكرار” و “النسخ واللصق” اللتين ملئتا المحتوى العربي أيام المُنتديات.

الحشو ليس ظاهرة جديدة، بل هو جزءٌ طبيعي من حياة بعض أشكال المحتوى، مثل الصحف، المجلات، القنوات الفضائية والإذاعية. لنأخذ مثالًا عن محطة تلفزيونيّة تبثّ 24 ساعة/7 أيام في الأسبوع، من أين ستأتي بالمحتوى الجديد والجدير بالمتابعة دومًا؟ هذا شيء شبه مستحيل، لذا لا بدّ من “تعباية هوا” عبر برامج لا تهدف إلى شيء، سوى جذب انتباه المُشاهد لأغراض تجارية أو ماشابه.

ذات الأمر ينطبق على الصحف اليومية؛ صحيفة تصدر كل 24 ساعة ب 32 صفحة مثلا! لن يتوقع منها أحد أن تكون وجبة دسمة، لا بدّ من الأخبار الخفيفة و”حشو الكلام”.
هذا بالذات ما يدفع الكثيرين إلى تصفّح الإنترنت عوضًا عن أشكال المحتوى القديمة. اليوم يمكنك مشاهدة برنامج ما أو حلقة من مسلسل على التلفاز بحيث تستغرق 60 دقيقة؛ عشرون منها في الإعلانات والفواصل، لكن على اليوتيوب يمكنك متابعتها ككتلة واحدة دون أي ملهيات أخرى.
الأمر ذاته مع الصحف والإذعات، شكّلت الإنترنت ملاذًا للباحثين عن متابعة جديّة لموضوع ما، يمكنك متابعة مدوّنة متخصصة بالتصميم الرقمي مثلا (لو كنتَ مُهتمًا) عوضًا عن شراء مجلّة تقنيّة تتضمن مادتين أو ثلاثة بأحسن الأحوال عن التصميم.

ما هو الحشو في الوِب العربي؟

غالبًا ما تجد الحشو كامنًا خلف عناوين تصرخ عاليًا كي تلفت انتباهك، أقصد عناوين “لعنة الأرقام”؛ مثل عشرة نصائح وثلاثة أفلام وستّة شخصيات. ليست المشكلة طبعًا في أسلوب العنوان، والذي قد يُعتبر واحدًا من الأساليب المُعبّرة عن المحتوى والجاذبة للقارئ، لكن كثرة استخدامه من جهة وصياغته بأسلوب يصرخ “إقرأني” من جهةٍ أخرى هو ما سيجعل إنتباه المتصفحين ينصرف تدريجيًا عن هذه العناوين، وهو ما جعلني بالفعل أتجنب دخولها وكأنها لعنة.
إضافةً لكثافة استخدام هذه العناوين وأسلوب صياغتها؛ فما يجعل من المواضيع حشوًا في الحقيقة هو المحتوى المتواضع الذي يكمن وراء العنوان.

فهذا المحتوى كثيرًا ما يفرض أنّ مشكلة القارئ العربي تكمن في ندرة المصادر، وهي مشكلة قديمة لم تعد قيمتها كما كانت من قبل. تقرأ عنوان “عشرة كتب مهمّة عن ريادة الأعمال”، “سبعة مواقع لتعلّم الفوتوشب”، “ثلاثة منصات أكاديمية لتحصّل شهادة عن بُعد”. وكأن القارئ ما إن يطّلع على هذه العناوين العشرة حتى يذهب لأقرب مكتبة مشتريًا الكتب ويشرع بقرائتها، المُهتم بريادة الأعمال ممن يملك نفَسًا لقراءة الكتب سيعرف كيف يجد ضالته بالتأكيد (هذا ان اتفقنا بوجود ضالة في عصر goodreads و imdb وغيرها). مَن يرغب بتعلّم البرمجة (وغيرها)فأحد ما يعيقه هو كثرة المصادر غير المنتهية للتعلّم. أعرف أشخاصًا (وأنا منهم) لم يمكنهم تعلّم مهارة ما إلا بعد التخلص من كل المصادر التي جمعوها بغرض التعلّم والبدء مع مصدر واحد أو اثنين. ليس لأن هذا المصدر يمتلك ميزة مُضافة عن باقي المصادر بل لأن الكثرة هي المشكلة، والإلتزام مع مُعلّم واحد هو الحل.

هناك افتراض آخر لهذه العناوين، سأقتبس أحدها من آخر ما نشره الوِب هذين اليومين للتوضيح وهو يقول “10 أماكن يجب عليك زيارتها قبل أن تختفي” هل مشكلة القارئ العربي هي مجهولية هذه الأماكن بالنسبة إليه؟ فما ان يقرأ مقالًا عظيمًا كهذا حتى يُسرع بحجز أوّل طائرة لبدء رحلة حول العالم؟ هذه العناوين تضمّ محتوىً لا يصلح غالبًا سوى للتباهي بالمعلومات في المجالس أو للتسلية على مبدأ “هل تعلم أن الثعبان ليس له طيز؟”.

هناك أيضًا عناوين من شاكلة “5 أشياء لا يفعلها أنجح ….” وطبعًا ستجد في الداخل: عدم المبالغة وعدم الغرور والاستئثار في القرارات الخ. ما الجديد هنا بربكم؟ “سبعة عادات لدى أنجح عشر رجال في العالم” ماذا تتوقعون في داخل هذا المقال: الاستيقاظ باكرًا، القراءة كل يوم، العمل بجد الخ أليس هذا حشوًا؟ ألم نملّ بعد من التكرار؟

أن تصبح شخصًا ناجحًا أو مدير أعمال متميز لن يأتي من قراءة نصيحة “التوازن في القرارات”، هذا يحتاج إلى أن تخوض تجارب تعلمك معنى التوازن في القرارات.
أمر آخر يزعجني في هذه المواقع وعناوينها، وهو نبرة الأخ الكبير: ثلاثة كتب يتوجّب عليك قرائتها، خمسة نصائح ستندم على عدم معرفتها، 20 فلمًا لا تفكّر بمشاهدتها أبدًا الخ

لدينا أيضًا الأخبار والمواضيع التقنيّة اليومية؛ تسريبات لهاتف سامسونج الجديد، سوني تقول بأن هاتفها القادم سيأتي بمعالج كيت، تراجع أرباح آبل للربع الأول من هذا العام… أو مثلا تحديث تطبيق (كيت) يجلب ثلاث ميزات مهمة، تفتح المقال لتجد الميزات من قبيل: نكهة ماتيرال ديزان صارت أوضح، زيادة الظلال على الزر السفلي، تحسين إرسال مقاطع الفيديو.. هل تشعر معي ما الذي أعنيه بالحشو؟

في المقابل هناك مواقع تهتم بنوعيّة المحتوى الذي تُقدّمه وهي تُشكّل مساهمة فعلية في إثراء الوِب العربي، والذي يعني إثراء عقل القارئ العربي وتقديم محتوى جديّ مفيد، وليس من الصدفة أن تحمل معظم مواد هذه المواقع عناوين “عادية” واضحة توصل المطلوب، ويكمن ورائها محتوىً يخرج القارئ بعده بفائدة مباشرة وحقيقية.

لديك على سبيل المثال المبادرة المُسماة “الباحثون السوريون” والتي تُعنى بشكل أساسي بترجمة مواضيع لبحوث ودراسات علمية، تصفُّح الموقع يعطيك فكرة عن طبيعته، فهناك فئات في الفيزياء، البيولوجيا، الاقتصاد، الفن، الغذاء، الكيمياء الخ وستجد العناوين واضحة ومُعبّرة مثل “الداء الرثياني”، “مانعات التعرّق ما هي وما أضراها”، “النفايات الالكترونية”، كما ترى فهي ليست عناوين جذّابة برّاقة لكنك ستخرج بفائدة مباشرة بعد قرائتك لها.

“أكاديمية حسوب” أحد المشاريع الجديّة التي تُركّز على الجانب التقني، ستّة تصانيف، تصميم هادئ، وعناوين واضحة “تعرّف على أنواع التراخيص الحرّة التي تسمح لك ببيع المواد بشكل تجاري”، “لماذا تعتبر أزرار الشبكات الاجتماعية فكرة سيئة في أغلب الأحيان” وهكذا.. قد تجد في هذا الموقع أو ذاك عناوين تتضمن “عشرة أساليب …” لكن ليس بكثافة مواقع الحشو، وليست بصياغة منفّرة، والأهم أنّ محتوىً مفيدًا كمن ورائها.

دعم المحتوى العربي وتقديم ما هو جديّ ومفيد لا يحتاج إلى إنشاء مواقع جديدة ومبادرات كبيرة وإلتزامات طويلة الأمد، ترجمة مقال واحد شهريًا على منصة ويكيبيديا، أو تصوير كتاب واحد غير موجود على الوِب ورفعه على أحد مواقع مشاركة الملفات سيُقدّم فائدة أكبر بكثير من مواقع الحشو، وإن كانت صامتة وغير مُبهرجة.

كتب الصديق محمد الساحلي يومًا “من جهتي أحاول قدر الإمكان في زاجل تقديم محتوى عربي أفضل. إن لم يكن بالكتابة فبعدم الكتابة عن المواضيع التي لن تهم أحدا”.
“المواقع الثقافية الترفيهيّة المنوّعة” كانت موجودة وستبقى، إلا أنني فقط أحببتُ تسمية الأشياء بمسمياتها.