/ تطوير الذات

التصالح مع الذات - الإرادة

(هذه التدوينة هي جزء من كتيّب أنوي كتابته حول التصالح مع الله، الذات، الدين، المجتمع، الأفكار لا تزال في طور النمو)

لسنا – كعرب – الوحيدين الذين تشكّل عقيدة الجبريّة مكونًا هامًا في وجدانهم الجمعيّ، لكن المشكلة عندنا أنّ هذه العقيدة تعتبر واحدة من أركان الإيمان الستّة – كما تخبر التفاسير الرسميّة للدين.
فالقدر مرسوم، لا يمكن تغييره، إذ رفعت الأقلام وجُفّت الصحف، فديننا هو دينا الإسلام، أي دين الإستسلام – كما يفسّرون -، والأمر كلّه لله وليس لك من الأمر شيء.
أقام العباد فيما أراد، فلا فاعل على الحقيقة سوى الله (وعلى هذا يفسّرون التوحيد) و ما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى، يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، له الحكم وإليه ترجعون. *
وبغض النظر عن المنشأ السياسيّ لهذه التفاسير الجبريّة لعقيدة القدر والقضاء، فإنها قد استحكمت طوال القرون الماضيّة، منذ تسلّط معاوية على الحكم، على أنها “الدين” الذي يدين به المسلمون، المدّعم بمئات الكتب لكبار الأئمة.
وتبقى عبارة “الله يكتب الخير” الأكثر تردادًا على الألسن، وأختها “الله يختار الخير”  فالله هو الذي يكتب ويختار، أمّا نحن فما علينا سوى إنتظار الفرج، الذي تقول أدبياتنا أنّه أفضل العبادة!

لا يحتاج الإقرار بحريّة الإرادة الإنسانيّة لنصٍ ما [المقصود بالحريّة هنا، عدم وجود قهر إلهي يتحكّم بالبشر ويحدّد مصائرهم وواقعهم، ويسيّرهم وفقما يشاء، لكن في المقابل فلا يمكن القول بحريّة الإرادة الإنسانيّة بشكل مطلق، فالظروف والبنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها، تلعب دورها في ذلك، لا أقول الدور الأكبر، لكن لها وزنٍ في المعادلة، وهو في النهاية دور جدليّ، يؤثر فيه الإنسان، ويتأثّر].
فالحريّة البشريّة حقيقةٌ وجدانيّة، يتلمسها كلّ من يعود إلى وجدانه، وضميره، يجدها أمامه ماثلة بدءًا من تفاصيل حياته الصغيرة، وحتى المواقف المصيريّة التي تواجهه، إنّه يشعر بملكة الاختيار حقًا.
ويمكن أيضًا أن نقارب الموضوع من منطلقٍ عقليّ، إضافةً للمنطلق الوجدانيّ – القلبيّ [في مشروع التصالح لا وجود للمخالفة أو التصارع بين ما يقرّه العقل وما يمليه القلب، بل تناغم وجوديّ كامل، وسيتضّح هذا أكثر مع حلقة التصالح مع القلب]، فإذا كان الإيمان بيوم الحساب ركنٌ من أركان الدين، وكان العدل المطلق صفةٌ إلهيّةٌ بلا ريب، فلا يعقل أن يحاسب الله عباده على أمور لا اختيار لهم بها، وإنّما فرضها عليهم فرضًا، فبأي ذنب يدخلون النّار إذًا، أو بأيٍ استحقاق ينالون الجنّة، وهم في كلّ شأنهم مسيّرون لا ناقة لهم ولا جمل!

وعلى هذا جاءت النصوص الدينيّة، مدافعةً عمّا يجده الإنسان في وجدانه من حريّة الإرادة، أو ما يتوصّل إليه في عقله من اختيار يعطي للمحاسبة معناها:
{إنّ هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا}، {لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخر}، {وقل الحقّ من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر}، ووفق هذا الفهم يمكننا أن نقرأ الآيات الأخرى الكثيرة كقوله تعالى {يهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء} فالمشيئة هنا عائدة إلى الإنسان، لا إلى الله، بدليل الآيات الأولى التي ذكرناها، أي يهدي من يشاء من عباده أن يهتدي، ويضلّ من أراد من البشر الضلالة، والآية في سورة الأنعام تؤكّد هذا المعنى بوضوحٍ تام {ذلك هدى الله، يهدي به من يشاء من عباده}.
وأمّا قوله تعالى{وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله} فهذا الربط بين المشيئتين ليس لإفراغ الأولى في الثانية، والوصول إلى عدميتها أو عبثها، بل هو لإعطاء هذه المشيئة (الإنسانيّة) معنى وقوّة وتفوّق من المشيئة الإلهيّة.
ففي هذا الوجود الواسع ليس لأحدٍ من مشيئة مستقلّة، سوى المشيئة الإلهية، والمشيئة الإنسانيّة، التي شاء الله أن يعطيها هذه الصفة، وهذا المعنى، من مشيئته هو، أي إنّ القرآن بعد تأكيده على استقلال المشيئة الإنسانيّة {لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخر}، أعطى لهذه المشيئة قوّة وإيجابيّة وفاعليّة هائلة للغاية، بربطها بالمشيئة الإلهيّة.

وكنّا في مبحث التصالح مع الله (سلسلة أيها الإله الشرير) قد تناولنا رؤية القرآن للغنى والفقر، بأنّها نتائج لأفعال بشريّة، لا معطيات إلهيّة ناجزة {كلّا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضّون على طعام المسكين..}

لكنّ المستفيدين من الوضع الراهن، بدءًا من السلاطين وعلمائهم، والبلاط وفقهائه، مدعومين بطبقةٍ برجوازيّة، وقوّة عسكريّة، يكرّسون فهمًا آخر للقدر والقضاء، والعلاقة بين الإرادة الإنسانيّة والإلهيّة، وقدرة الفعل البشريّ على التغيير، وذلك دعمًا لمصالحهم وحفاظًا عليها.
ويسجّل التاريخ الإسلاميّ بأن أوّل من بدأ يتوسّل نصوصًا دينيّة وينتزعها من سياقها النصوصيّ والوجوديّ، ويلبسها فهمًا سلطانيًا، هو معاوية، المتسلّط على الحكم. فيسجّل البخاري (على سبيل المثال) بأنّ “معاوية كان يأمر الناس” أن يقولوا عقب كل صلاة حديثًا سمعه من رسول الله فيه “اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت”.
حتى الرسول لم يكن “يأمر” (حسب تعبير البخاريّ نفسه) أصحابه بصيغة معينة من الدعاء بعد الصلاة، لكن معاوية لم يعمّم فقط هذا الدعاء، بل كان يخطب به دومًا بصيغة تشي بالغاية والهدف “لتعلمنّ أيّها الناس أنّه لا مانع لما أعطى الله”.
هذه هي السياسة دومًا، وهكذا يفعل كلّ من يريد “استقرارًا” لحكمه، ففي كلّ مجتمع يحكم فيه مستبدٌ ما، ولا يجد ثورةً أو معارضة، سنجد عقيدة الاستسلام للأمر الواقع، وعدم التفكير بتغييره (لا مانع لما أعطى الله)

رغم ذلك فلا يجب أن تشكّل هذه الأحاديث (وغيرها) منظورًا يشكّل فهمًا، نعادي فيه ما استقرّ بوجداننا وعقلنا من حريّة الفعل الإنسانيّ، مما جاء الخطاب القرآنيّ للدفاع عنه، بل الواجب أن نقرأ هذه الأحاديث وفق تلك المعطيات، فإن أمكن سحب التفسير الجبريّ لها، فبها ونعمت، وإلّا، أُوقفت عن دائرة تشكيل التصوّر والعمل.
فحديث أن الله يكتب للإنسان، عمره، وعمله، وشقيّ أو سعيد لا يصب لمصلحة الجبريّة إلّا عندما يريد السياسيّ ذلك، أما الخطاب القرآنيّ فهو يعطي دومًا للإنسان الدور المركزيّ في تقرير المصير {يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب}، فحتى العمر يمكن للإنسان أن يطيله أو يقصّره، وفقًا للسنن الكونيّة التي وضعها الله لذلك، فتشير بعض الدراسات مثلًا إلى أنّ العلاقات الاجتماعيّة العميقة، وممارسة الرياضة، تزيد من متوسط عمر الإنسان، المجال مفتوح للإنسان، والله يمحو ما يشاء ويثبت عندما يقرّر الإنسان التغيير، فلا حتميات، بل احتمالات متوقفة على الفعل البشريّ.

الفقهاء وعلماء السلطان يقولون بأنّه علينا أن نسلّم لله، ونخضع لأمره، بينما هو في الحقيقة لا يكون ولن يكون إلا تسليم للحاكم المستبد، وخضوعًا لأمره، وليس بجديد توسّل الله وشريعته حجّة للاستبداد وأهله.

ليس الأمرّ فقط هو مصادرة الإرادة باسم الله لصالح الحكّام، بل عمومًا لصالح السلطات، فالحاكم كسلطة يصادر إرادة الشعب، والأبّ (بدوره) كسلطة يصادر إرادة أبنائه وزوجه، والابن الأكبر يصادر إرادة الأصغر، والرجل يصادر إرادة المرأة، وهي عمومًا عقدة، فلأنّ أصل الإرادة مسلوب ومسروق، فلم يبقَ لإثبات الإرادة سوى سرقتها ممن هو أقلّ قوّة منّا، أو انفجارها في مواقف صغيرة جدًا تشي بعمق الأزمة “هيك أنا حر، بعمل يلي بدي اياه”

خلقنا الله أحرارًا فلمَ نسمح للسلاطين وعلمائهم أن يسرقوا منّا إرادتنا، ليس لصالح الله (كما يدّعون) بل لصالح لصوص الوطن والتاريخ والإنسان.
إرادتنا ملكنا… فلنتصالح مع أنفسنا، ونأخذ بها.

  • بالتأكيد لا نشكّك في صحّة الآيات القرآنية الواردة، ولا مشكلة في التسليم بصحّة الأحاديث المذكورة في هذه الفقرة، لكن الذي عليه الاعتراض هو التفسير الذي ألبس لها، والسياق الذي توضع فيه.