/ مجتمع

ما الذي يمكن أن تفعله في أيّ ظرف؟

صارحني الآن يا صديق، هل شعرتَ بجاذبيّة ما للعنوان؟ لمَ لا نطلع على ما يمكنه لهذا المدوّن أن يقدّم من أفكار من الممكن تطبيقها في أيّ ظرفٍ كان؟ فكّر قليلًا، هل تشعر أنه شيء يستحق القراءة؟

إذا كان جوابك نعم، فهذا يعني أنك وقعت في الفخ ت، لإعتقادك الداخليّ (بوعيٍ منك أو بدون وعي) بأنّ الظروف هي المؤثّر رقم واحد، والفاعل الكبير في تحديد مالذي يمكننا فعله، وليس إعتقاداتك الداخليّة وإرادتك وقدرتك على تحديّ الظروف والعوامل الخارجيّة.
بكلّ الأحوال فمن ذا الذي يرغب في الإعتقاد بأنه المسؤول الحقيقي عن حياته؟ من الأسهل لنا تحديد إجابات أخرى عن هذا السؤال، كالله، القدر، الظروف، التربية، الخ

{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} عززوا قوتكم الداخليّة، تفقد العوامل الخارجيّة خطورتها.

البعض منّا يرغب في تقديم مشروع يسهم في نشر الثقافة في مجتمعه وتحفزيه على القراءة، التفكير المستقلّ، وبناء شخصيّة مميزة، لكنّه يعدد عشرات العوامل الخارجيّة التي لا تساعده في ذلك، فهو لا يملك رأس مال، ليس لديه المهارات والعلاقات اللازمة لهذا المشروع، يحتاج إلى مكان، لا فكرة لديه عن كيفيّة تأمين الكتب، الكثير من الكتب التي يريد عرضها ممنوعة، من سيقرأ! لا وقت هناك لمثل هذه المشاريع الخ

أرسل الله الأنبياء والمرسلين كي لا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل، من هذا المنطلق أودّ تقديم المشروع الذي أسسته حنين، كي لا يكون للناس حجّة علينا بصعوبة الظروف المحيطة.
وحيدةً فقط، دون أيّ مال، في منطقة يحاصرها النظام السوريّ منذ أشهر، مقطوعة عن الإتصالات، الكهرباء، الماء ومعظم الخدمات الأخرى [يبتكرون وسائلهم الخاصّة لتأمين حاجياتهم من هذه المستلزمات]، بدأت حنين متبرعةً بمكتبتها البسيطة التي لا يتجاوز عدد كتبها 50 كتابًا مشروعًا ثقافيًا بسيطًا للغاية، لم تضع أهدافًا عظيمة ترغب في تحقيقها، لإيمانها بأنّ المشاريع حالما تخلق من قبل أشخاص شغوفين بها فإنها سرعان ما تنمو، تؤمن حنين بأن تترك البذور تلتمس طريقها بشكل ذاتيّ في نموٍ غير مرسوم مسبقًا..
كان يمكن لها أن تفكّر بطريقة: في منطقة تقصف يوميًا ولا يقطنها إلا القليل ومحرومة من كلّ الاحتياجات اليوميّة مَن سيأتي ليقرأ؟ هذا هراء، ليست هذه هي الظروف المناسبة لفعل ذلك، الخطورة الأمنية ستمنع الناس من المجيء إلى هنا، ليس لديّ ما يكفيّ من الكتب، ليس لديّ مكان أعمل به، أنا وحدي، مالذي ستفعله الكلمات والكتب أمام ضجيج المدافع … إلى آخر هذه الأفكار التي تشكّل معتقدًا أرسخ من إيماننا المزعوم!

بدأت حنين في إحدى المراكز التعليميّة في منطقتها، تدور على الصفوف، وتعرض الكتب على الطالبات، تناقشهم، يتبادلون الآراء… مع الوقت، تمّ تخصيص غرفةٍ لها في ذلك المركز، وشيئًا فشيئًا بدأ البعض يقدّم كتبًا مجانيّة للمكتبة، ومع تراكم الكتب، وازدحام الطالبات، كانّ لا بدّ من البحث عن مكان مخصص للمكتبة الوليدة.
وهنا دخلت في رحلة البحث عن داعمٍ لمشروعٍ ثقافيّ، دون أن يملي ثقافته وأيديولوجيته على المشروع، عشرات المحاولات والاتصالات والتفاهمات، والكثير من المعارك، التي انتهت بالحصول على مكانٍ جميل ومناسب، ودعم بسيط لكنه كافٍ وغير مشروط.
اليوم، مكتبة بيت الحكمة تتسع لثلاثة آلاف كتاب، في كلّ المجالات، يزوروها يوميًا عشرات وعشرات القراء والقارئات (ربما مئتي قارئ/ة كل يوم)، علاوةً على ورش الأطفال (كالرسم والأشغال اليدويّة) والفعاليات الثقافيّة والتعليميّة المختلفة، والنقاشات الثريّة التي تدور هناك كلّ ساعة.. بالتأكيد يقوم على المركز اليوم كادر كامل من المتطوعين، لم تعد حنين سوى مجرد عضوٍ عاديّ فيه..

لقد تمّ تحويل كلّ مشكلة سابقة، إلى فرصة عظيمة لإنجاح المشروع، فمشكلة عدم توفر الكهرباء، تحولت إلى تخصيص جزء من التمويل لشراء مولّدة تجذب الناس إلى المكتبة، حيث النور، ومقابس لشحن الأجهزة المختلفة!، ومشكلة عدم إيجاد مصادر تمويل مستقلة، باتت فرصة للبحث والتعرّف على الممولين المخلصين حقًا! وتكوين علاقات جديدة، وهكذا حتى تحقّق المشروع.

سيأتي فورًا من يقول لكن المشروع تمّ في بيئة محرّرة وهذا سرّ نجاحه (يقول الشاعر عن ذلك، أعيت من يداويها)، ورغم أن قائل هذه العبارة لم يفهم بعد كل الفكرة الكامنة خلف المثال، فأقول له، مشروع مماثل ينطلق الآن في منطقة أخرى تخضع لسيطرة النظام، فما قولك طال عمرك!

حنين، أتعبتِ من بعدك

[شاهد تقرير قناة الجزيرة عن المكتبة]