/ المجتمع والواقع

المواقع الملوّنة ترث الصحافة الصفراء - عنب بلدي نموذجًا

هذا ثالث أو رابع موضوع أكتبه هذه الفترة عن صناعة المحتوى العربي، والمشاكل التي يواجهها، أتمنى ألّا أصدّع رأسكم بالمزيد لاحقًا.
يواجه أي مشروع لصناعة المحتوى خطر ابتلاعه من قبل ثقب أسود؛ والذي تمكّن حتى الآن من ابتلاع الكثير من المواقع التي كنتُ أتابعها في الأمس.
الصحف، المواقع، المنتديات، المدوّنات إلخ كلّها مُعرّضة لهذا التحدّي، والقليل جدًا فقط من ينجو.
مؤخرًا أضيف موقع (وجريدة!) عنب بلدي إلى القائمة الطويلة التي اختفت في ذلك الثقب، عنب بلدي هي واحدة من عشرات (أو حتى مئات) الصحف التي صدرت عقب اندلاع الثورة السورية آذار 2011، في بلدٍ كانت الصحافة فيه حكرًا على ثلاث أو أربع جرائد رسميّة تحمل ذات الأخبار والمضمون لكن بصياغات مُتعدّدة.
عنب هي ثاني مشروع أكتب به، بعد مدونتي هذه، وأوّل صحيفة مطبوعة أشارك بها منذ أعداداها الأولى وعلى مدار 20 شهرًا بلا انقطاع.

بدأت عنب (كما بدأ الكثيرون غيرها) بجودة معقولة، كانت حريصة على تقديم منبر للثائرين والمعارضين، ينقل أخبارهم في ظل تعتيم إعلامي محلي ودولي كبير، يعرض أفكارهم، ويسعى للتعبير عن صوت الثورة، همومها، تحدياتها، والتطلّع إلى مآلات مدنيّة لها، وهي بذلك سرعان ما كسبت إعجاب القرّاء والمتابعين وإن كانوا في ذلك الوقت فئة محدودة. المشكلة بدأت عندما اتجهت الجريدة (وبالأخص موقعها الإلكتروني) إلى السعي الحثيث لكسب متابعين آخرين أقل إطلاعًا بدل أن تواكب نضج القرّاء وتطورّهم المستمرّ.

ورغم توقّفي عن الكتابة والعمل مع عنب بلدي منذ فترة طويلة، إلا أنني بقيت متابعًا أسبوعيًا لها، حريصًا على قراءة عددهم الصادر يوم الإثنين (الذي يُسمونه أحدًا)، والتمتع بقراءة صفحاتهم القليلة.
إلا أنّه ومع التدهور المستمر بالمستوى وجدت نفسي أخيرًا ألغي اشتراكي بصفحة الفيس بوك، ثم بالنشرة البريديّة. لكن ماذا أفعل عندما أتعثّر ببعض المواضيع التي ينشرونها هنا وهناك، أحاول جاهدًا كما عادتي أخذ الموقف ورميه في سلة المحذوفات ومن ثم المسارعة بتفريغها للتركيز على عملي، إلا أنني لم أنجح اليوم بذلك.

المادة التي أتحدث عنها اليوم تندرج تحت قسم “منوعات” رغم أن الموقع بأكمله بات يُصنّف تحت باب “إخباري منوّع” (وهذه هي المشكلة)، لا أدري ما الذي جرى حتى تنضم عنب إلى مشاريع صناعة البلاهة وترسيخها، مع إغراق صفحاتهم اليومية بمواد استهلاكية تخلو من الإفادة والجديّة، أخبار يُمكنك فراءتها من أيّ مكان آخر بدون أدنى قيمة مُضافة.
قد يُصادفك هنا أو هناك مقال جيّد، كما لا أزال أرى تقارير تُعطي قيمة ما، لكن المشكلة الأساسية في الكمّ الأكبر من المواد والتي تدور حول أخبار ومعلومات من قبيل “هل تعلم بأنّ الثعبان ليس له طيز”، هذا يُرسّخ الجهل بكل معنى الكلمة، ففي الوقت الذي نحتاج فيه إلى المواد التحليلية والتقارير الحصريّة نحصل دومًا على العكس.

المحافظة على الجودة والجديّة، الارتقاء بالقارئ، ومواكبة نضجه ليست أشياء مستحيلة، فلا يزال هناك مواقع أتابعها منذ سنوات، منها موقع الجمهورية الذي انطلق هو الآخر عقب ثورة آذار 2011، والذي لا يزال يُقدّم محتوى معرفي يُسهم بتحرّر الإنسان وتعزيز بناه الفكرية والثقافية.
لا أطلب من بلدي أن يتحوّلوا لمشروع معرفي بهذا المستوى، فهذا بعيد أصلًا عن المنحى الصحفي الإخباري الذي انحازوا له تدريجيًا، وخارج دائرة أهدافهم الحاليّة، لكن يُمكنهم بالتأكيد التركيز أكثر على محتوىً يترك أثرًا إنمائيًا على قرائهم.