العلق: انعتق من المؤسّسة، وتعلّق بقرائتك أنت

/ المنهج /

إلى أين من الممكن أن يقود تتبّع الخطّة القرآنيّة في تكوين المجتمع المسلم الأوّل، لاستكشاف معالمها، واستلهام معانيها، إنطلاقًا من سؤال: ما هي المنهجيّة التي سار الخطاب القرآنيّ وفقها؟ وما أولوياته؟
هذا السؤال سيقود إلى فكرة أخرى، كيف تمّ تأسيس معاني القيم التي حملها الخطاب القرآنيّ بعد ذلك؟ فكلمة “التقوى” مثلًا إذ ذكرت للمرّة الأوّلى، فهذا يعطي موضعها ذاك أولويّة في صياغة معناها ومبناها، والذي سيتمّ استخدامه لاحقًا.
النصوص المؤسّسة غايةٌ في الأهميّة إذًا، لهذين السببين، أنها تحمل الخطوات الأولى في المنهجيّة الإلهيّة، والثاني أنها تؤسس للمعاني التي ستستخدمها النصوص الأخرى.
ونقصد بالنصوص المؤسّسة، نصوص العهد المكيّ حسب ترتيب نزولها لا حسب ترتيبها في مصحف اليوم. صحيحٌ أن السور المكيّة لا يشترط نزولها دفعةً واحدة، إلا أن تتبع نزول الآيات كلًا على حدا صعبٌ جدًا، لعدم اهتمام المؤرخين بذلك، كما أنّ هذه المهمة يمكن أن تسير بشكلٍ هيّن في البداية، لكن مع التقدّم سنجد أنّ استمراريّة البحث بهذه الطريقة مستحيلة، لذلك سنعامل السور المكيّة كقطعة واحدة، علمًا أنّ كثيرًا منها هو كذلك فعلًا، وهذا يتضح من تماسكها في بنية واحدة.

الذي يثير الإنتباه بدايةً أنّ الخطّة القرآنيّة في تأسيس الشخصيّة المسلمة لم تنطلق من ثنائيّة (الحلال/الحرام) التي باتت تختزل فهمنا للدين، ولم تبدأ من فكرة (الصور)*، ولم تؤسّس حتى للشعائر التي تعتبر اليوم الدين كلّه، إذ إن الصلاة، وهي أول الشعائر المكتوبة، فرضت في السنة العاشرة للبعثة.
عشر سنوات كاملة، كان العمل فيها يتمّ على أعمق مستوى إنسانيّ، المستوى الفكريّ والوجدانيّ، وبدون نجاح هذا العمل لن يكون هناك معنى للشعائر، لن يكون هناك أثر لها (كما هو واقعنا اليوم)، لو كانت الشعائر تسهم في تأسيس الشخصيّة، لكانت ضمن الأجندة الأولى، لكنها لم تكن، حقيقة صادمة جدًا، مربكة للغاية، لكنها الواقع!
السؤال هنا: لمَ لم تكن الشعائر، أو الصور، أو الحلال / الحرام، في الخطوة الأعمق لتأسيس الشخصيّة؟
هذا السؤال يعطينا مؤشرًا على ما يهمّ، على ما يجب البدء بالعمل عليه، على ما يتمّ التأسيس بناءً عليه.


العلق: أن تنعتق من المؤسّسة، وتتعلّق بقراءك أنت


ما الذي يلزمك لتتغيّر وتغيّر، كفرد غريب، لا يشعر بالإنتماء للمجتمع الذي يعيش فيه، لا يشعر بأن أوضاع هذا المجتمع وظروفه ممّا يناسبه
إنها ببساطة أن تمتلك الجرأة إلى إستخدام عقلك أنت، أن يكون لديك من الشجاعة ما يكفي لأن تُعمل طريقتك أنت في التفكير لا طريقة الآخرين
في النظر للواقع، للمجتمع، المشاكل، المتطلبات، الأولويات، خطة العمل، الأسباب، النتائج
“إقرأ” ليست دعوة مجرّدة لقراءة الكتب كما تُصوّر دائمًا (قراءة كتب الآخرين لتبني آرائهم ليس تطبيقًا لـ «إقرأ» بكلّ تأكيد)، بل هي دعوة لكي تتبنى قراءتك الشخصيّة
فكلّ فردٍ منا لديه فعلًا قراءة ما، وجهة نظر ما، طريقة ما في التفكير، لكن المشكلة في الخوف من إعلانها
خاصّة عندما تخالف السائد، الخوف من الكفر / الزندقة / البدعة / النار / الإلحاد، إلى آخر الأسماء التي تنصب كمصائد لعقول البشر!

لكن لا يبدو أنّ هذه الدعوة تلقى آذانًا مصغية (المؤسّسة تمكنت من تجاوز ذلك، فأفرغتها من مضمونها الثوري – التغييري)
ويبدو أنه دومًا سيكون هناك من يستغني عن عقله، وعن قرائته الخاصّة، لصالح عقول وقراءات الآخرين، التي كثيرًا ما يتصادف أنها الأسوأ، الأمر الذي يودي إلى الطغيان، وتجاوز الحدّ.
{ كلا إنّ الإنسان ليطغى، أن رءاه استغنى }
يطغى على الآخرين، بدعوى أنّه يملك الحق المطلق، رسالة الربّ، شريعة الرسول، يتعصب لرأيه / شيخه / مذهبه / دينه / قومه، متجاوزًا كلّ حدّ
فالتعصبّ والإنغلاق والطائفيّة كلّها ظواهر جمعيّة، تنشئ بإنضمام الفرد إلى جماعة مستغنيًا عن عقله – قرائته الخاصّة.
المرجعيّة هي الله، “إنّ إلى ربّك الرجعى” [ — ]


وصلاتكُ منهيٌّ عنها!

الإشارة الأكثر إلهامًا في سورة العلق، تلك المتعلقة بصلاةٍ منهيّ عنها!
{ أرأيت الذي ينهى، عبدًا إذا صلّى }
إنتماء السورة للعهد المكيّ الأوّل لا يسمح بتصوّر أنّ الصلاة المقصود هنا هي الصلاة الإسلاميّة المعروفة، لأنّها لم تشرع سوى في العام 11 للبعثة
هذا أولًا، ثمّ إن قريش لم يكن لديها مشكلة مع الأديان المختلفة أو طقوس العبادات التي كانت موجودة آنذاك.
فقريش كانت تؤمن بالله، وتعبد الأصنام تقربًا له، وكان هناك اليهود، والحنيفيّون على ملّة إبراهيم، والنصارى، لذا لن تكون صلاة محمد الجديدة مقلقة (في حال كانت حركات تعبديّة)
ولم يتمّ نهيه عنها ومكّة تعجّ بالمؤمنين من مختلف الأديان؟

سنلاحظ أنّ النصّ القرآنيّ يؤسّس لمعانٍ وقيم معينة باسم «الصلاة» والتي سيتم حملها لاحقًا في شكل الشعيرة التعبديّة المعروفة
الأصالة هنا لتأسيس المعاني والقيم في وجود الإنسان، ثم تتم المحافظة عليها عن طريق الشعائر.

وبربط السياق، سنجد أن النهيّ هنا متعلق بتبني قرائتك الخاصّة، كيف يمكنك أن تتجرأ وتتبنى رؤيتك الخاصّة، المخالفة لسائدهم،
إن الإثم الإجتماعي الذي لا يمكن للملأ أن يحتمله، أن تتبنى بجرأة قرائتك الخاصّة، وتعلنها متحديًا، مواجهًا، كافرًا بقداسة الموروث
مخالفة السائد إذًا، والنهي عن ذلك، هو صلاتك الأولى

المطلوب: أن ينتهي هو!

ليس عليك أن تنتهي أنت عن مشروعك، ليس مقبولًا منك أن تتنازل عن عقلك، وقرائتك، وسعيك لتحقيق مشروعك، بل المطلوب أن ينتهي الطرف الآخر..
ينتهي عن ماذا؟ عن مشروعه؟ عن قرائته؟ عن فكره؟
لا… ليس هو هذا المطلوب، وإلّا لكان نوعًا من الاستبداد الفكريّ، بل المطلوب أن ينتهي عن ’نهيه’ فقط!
{كلا لئن لم ينتهي} عن ماذا؟ {أرأيت الذي ينهى}
مشكلتنا معه أنه ينهانا، يمنعنا، يأسر حريتنا، ومطلبنا منه الحريّة والاستقلال!
هذا هو الظرف والجوّ السليم، الذي يمكن للأفكار أن تعمل به.
الحريّة… هي أول ما يجب علينا تحقيقه.

ودونها الثورات..

{كلا لئن لم ينتهي، لنسفعا بالناصية}
ولأنّ الحياة لا تطال بالتمني، وإنما تؤخذ الدنيا غلابا، فمجرد المطالبة بالحصول على الحريّة لن تحقّق شيئًا، وها هي السورة القرآنيّة الأولى تحمل لهجة تحديّ مبكرة، حاسمة، وشديدة..
لئن لم نأخذ حريتنا، لنسفعا بالناصية
“السفع” هو الضرب والإطاحة، والناصية هي العلو والإرتفاع.. تهديد شديد بالإطاحة بطبقة الملأ المسيطرة والمحتكرة للحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية..
ليس هذا فحسب، بل نحن مستعدون للمواجهة الحقيقيّة

{فليدعُ ناديه}
حزبه، جماعته، قبيلته، عشيرته، جيشه، طائفته، محوره، الدول التي تسانده، لا نسعى للمواجهة، بقدر ما نريد حريتنا، لكنّه إذا أبى ولم ينتهي، فلا بدّ من المواجهة حينها..
{سندعُ الزبانية}
الزبانية، هم المدافعون الأشداء (يزبون الناس: يدفعوهم)، وهكذا كلّ مشروع، وكل فكرة، تحتاج إلى مدافعين عنها، ليس بالسلاح ضرورةً، بل المدافعة الفكريّة أشد وأخطر،

{كلا، لا تطعه، واسجد واقترب}
الـ “كلا” هنا، أقوى وأبلغ أداة زجر .. هي لنا هذه المرّة، أخشيت من المدافعة؟ أخشيت من المواجهة؟ أتفكر بالانسحاب والهروب؟ أتفكر بالسفر والهجرة؟ أتريد التنازل عن فكرتك؟
تأتي كلّا هنا، جازرة، ناهية، إياك والإنسحاب، إيّاك والنكوص
لا تطعه.. التحديّ والمواجهة والتمرّد ، معانٍ تنضح بها كلّ كلمةٍ هنا.. تتوج هنا بالأمر المباشر «لا تطع» هذا هو المنهيّ الأوّل في شريعة القرآن
عدم الإطاعة، وليس الخنوع والاستسلام في عرف الفقهاء. إنها الثورة!

وهكذا يتمّ ضخّ المعاني الأولى لمفهوم «السجود»، فقبل أن يكون «طاعة» هو «عدم طاعة» و «تمرّد»، لأنّ كلّ طاعة تستلزم ابتداءًا «عدم طاعة»، لذلك لم يكن الحديث عن «الطاعة» لله إبتداءًا
بقدر الحديث عن «التمرّد» و «عدم الطاعة»… لا تطعهم، وستكون بذلك قريبًا من الله

قراءة مشتركة مع صديقة المعنى: هبوش