/ منوع

المجازر عبر التاريخ، بين إنكار السلطة وواقع الألم

مقال كُتب بالذكرى المئوية للمجزرة الأرمنية، ولم يحظَ بقبول النشر في عددٍ من الصحف والمواقع التي أكتب بها، أنشره هنا:

في الوقت الذي تتراشق فيه تركيا وسياسيو العالم بالتصريحات، يسود الحزن مجددًا أوساط المجتمعات والتجمعات الأرمنية؛ في الذكرى المئة على المجزرة التي ارتكبتها الدولة العثمانية آنذاك بحق عوائلهم وأقاربهم والتي تجاوز عدد ضحايها مليونًا ونيّف، أحداث عنف سابقة ولاحقة دفعت الأرمن إلى النزوح في مختلف دول العالم، حيث بات تعداد شتاتهم يفوق ثمانية مليون نسمة بينما يقدر عدد سكان أرمينيا نفسها بثلاثة مليون.
وكما في كل مجزرة عرقية تبذل السلطات الحاكمة كل جهدها في طمس الحقائق وإخفاء المعالم، ما يسبب غموضًا يكتنف تفاصيل المذابح العرقية و الدينية وغيرها، ويتيح مجالًا لتضارب الروايات وضبابية الصورة وتذبذب الأرقام، الأمر الذي تعود السلطات لتستخدمه مجددًا في التأكيد على روايتها الرسمية.
فهل يعني هذا أن يبقى موضوع المذبحة الأرمنية خصوصا وباقي المذابح التاريخية موضع الأخذ والرد، دون إمكانية ترجيح مناسبة؟
لحسن الحظ لا يبدو أن الدخول في عراك مع التفاصيل التاريخية هو الأسلوب الوحيد لكشف الحقيقية، إذ يمكن بدراسة شخصية السلطة الحاكمة آنذاك؛ وتفحص مسيرتها العامة منذ التأسيس وحتى تتالي مراحل الحكم، إضافةً إلى أسلوب تعاملها مع الأقليات عموما، ومع الضغوط السياسية والعسكرية خصوصا، تكوين صورة عامة تعطينا القدرة على محاكمة تلك المجازر؛ للنظر في إتساقها أو عدم اتساقها مع الشخصية العامة للدولة، فعند الاستناد إلى مئات الوقائع التاريخية لا يمكن أن نبرئ سلطة قمعية من مجزرة ما بسبب قلة التفاصيل، كما لا يمكن اتهام دولة تفيض مسيرتها بالعدل والإحسان باتهامات غير مثبتة.

وبالعودة إلى الوثائق التاريخية نجد أن العثمانيين قوم من الأتراك كانوا يقطنون آسيا الوسطى، انقسموا إلى عشائر عدّة حيث نزحت عشيرة “قايي” إلى شمال غرب أرمينا ومن ثم إلى حوض نهر دجلة، وما ان انتهت الزعامة لـ “أرطغرل” حتى ارتحل مع عشيرته إلى مدينة أرزينجان (وهي مدينة تركية اليوم)؛ والتي كانت مسرحًا للقتال بين السلاجقة والخوارزميين، فانضم لخدمة السلطان السلجوقي مثبتًا براعة منقطعة النظير في فنون القتال؛ فكانت مكافأته من السلطان اقتطاع أراضٍ واسعةٍ له قرب أنقرة. ومع تتالي المعارك حققت عشيرة القايي انتصارات عسكرية بارزة بقيادة أرطغرل؛ والذي لُقب أخيرًا بـ “الغازي”، ليتوفى بعد ذلك ويخلفه ابنه عثمان في زعامة العشيرة، سائرًا على نهج والده في الحروب والتوسع حتى اعلانه الحكم الذاتي والانفصال عن السلاجقة، ليتتالى من بعده سلاطين بني عثمان على ذات النهج والسلوك إلى أن وصلت الإمبراطورية إلى أقصى إتساع لها قرابة عام 1680م.
باختصار شديد فإن قيام الإمبراطورية العثمانية جاء مكافأة لمئات آلاف الرؤوس التي حصدها أرطغرل خدمة للسلطان السلجوقي، واستمرارها جاء على حساب ألوف وألوف أخرى عدوانا توسعيًا باسم الفتح. وهكذا فإن مجمل السياق العثماني لا يترك مجالًا للشك بأن معادلات الإمبراطورية لا تتم إلا بناء على مصالح الاستمرار والتوسع، وبقوة البطش وإراقة الدماء، لا بنشر المحبة وتوزيع الورود.
ومع انتصاف القرن التاسع عشر شاهد القادة العسكريون آنذاك كيف انحل عقد دول البلقان لتنال استقالالها الكامل وتحصل على حكمٍ ذاتي، ما نبههم إلى خطورة الأصوات القومية المعارضة آنذاك (العربية والأرمنية والآشورية)، وما قد تؤدي إليه في حال اندلاع أي حرب من انفصالات واسعة الأجزاء عن الإمبراطورية الأم، وهكذا قوبل بواكر التحرك الأرمني وقتئذ بمجزرة عرقية فظيعة.

وبالأسلوب عينه يمكن إعادة النظر في مجازر أخرى حدثت، أو تلك التي تحدث اليوم على امتداد الجغرافية السورية، سواء تلك التي ارتكبتها قوات الأسد أو ميليشات مقاتلة كتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. فرغم شحّ المعلومات أحيانًا وتضارب الروايات أحيانًا أخرى، إلا أن التفحص في شخص المتهم يمكن أن يتيح هامشًا مريحًا من الترجيح الذي لا يحتمل الشك، وهكذا لا تعود التفاصيل مهمة أمام سلطة مستبدة بنت سيادتها على أساس من الدماء والعنف.

لم تعرف القوّة عبر التاريخ زهدًا بل سعت لأن تخلق دوما مجالا حيويًا تتنفس من خلاله، لذا ارتبط نشوء ومسيرة الدولة القومية قديما وحديثًا بمجازر مروعة تجاه الأعراق المغايرة، ففي الوقت الذي تتهم فيه اليوم الولايات المتحدة الأمريكية الحكومة التركية بالتستر على المجزرة الأرمنية، وتقول الأخيرة أن ظروف الحرب والمرض أدت إلى وفاة بضعة آلاف لا أكثر من الأرمن، فإن حكومة الولايات المتحدة بعينها تتنصل من مسؤوليتها عن الإبادات العرقية التي تعرض لها السكان الأصليون المعروفون بالهنود الحمر، ولا تزال الكتب المدرسية تدرس بأن انقراض أعدادهم جاء نتيجة المرض والانتحار!
وإلى جانب كل من الولايات المتحدة وتركيا تقف جميع الإمبراطوريات الأخرى على قدم المساواة بدءًا من أصغرها شأنًا إنتهاءًا بالإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس.