/ المجتمع والواقع

البكالوريا … عندما يتعرى المشهد 1

مجتمعنا، ذاك المنهك من أمراضه، يبدو – بشكل عام – أفضل مما هو الوضع عليه في الحقيقة، المادية التي مسخت المعايير، والفردية التي أعمت المرء عن النظر إلى مجتمعه والإهتمام بأحواله، والاستهلاك السمة الأكثر حضوراً في الحياة اليومية، و الركض وراء المتع الآنية ولو كانت على حساب كل شيء، وقيم أخرى طبعت حياتنا – وتطبعها – بنمط الحياة الغربي ..

يضاف إلى تلك الهوية المشوهة، والقيم الناخرة في أساسات المجتمع، جهل عارم – على عكس ما تشير إليه أرقام التنمية التعليمية – وأقصد به الجهل المقنع، المقنع بالشهادات العلمية العالية، ولا أقصد هنا شراء الشهادات، وإنما أتحدث عن أهمية المادة العلمية المدرسة ومدى صحتها (ولا سيما بالنسبة لعلوم تتطور في كل يوم)، ويضاف إلى الجهل، فقر ثقافي مدقع (دعك الآن من أولئك المتثاقفين، وأصحاب الثقافة الشفاهية)..

غلاء المعيشة يقابله المجتمع بالمزيد من مظاهر التشاوف والتباهي الإستهلاكي بحفلات الزفاف والأفراح التي غدت عقبة حقيقة أمام من يرغب بالزواج (بل أمام من يحتاج إليه، نعم من يحتاج إليه)، ارتفاع الأسعار يواجهه المجتمع بالمزيد من الإستهلاك بدلاً من الإنفاق (الأولى على الكماليات والأخرى على الضروريات) .. التخلف العلمي، يلتف عليه المجتمع، دافعاً أبناءه إلى دراسة الطب والهندسات، فلا حاجة إلى علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات، فهناك من يتعب ويخترع وكفى الله المؤمنين شر القتال، ولا حاجة إلى مجددين في اللغة والتربية والإعلام والتاريخ وو … فالعلوم الإنسانية فقدت أهميتها(بنظرنا) وأفقدنا ذلك اهميتنا ..

شباب المجتمع “النامي” ينامون فجراً، بعد سهرات طويلة في المقاهي، تنهك القدرة الإقتصادية والبنية الحيوية (الشباب) لمجتمعنا، وتملئ عقولهم وأوقاتهم بــ”اللاشيء” ..
التفاهة تحيط بنا من كل مكان، في الأحاديث، في الفكر، في أنواع الأطعمة، في أنواع الملابس .. القشور باتت شرنقة مميتة …

ثم بعد كل ذلك، فإننا نشكو الأوضاع السيئة، لنزيدها سوءاً لا لنصلحها، والحكومة هي التي تتحمل كل شيء والمجتمع بريء ضحية مظلوم ..
قامت الدنيا ولم تقعد بسبب عدم تنظيم وزراة الكهرباء (وهذا خطأ محسوب عليها) لجداول التقنين، وتذهب أعمارنا بطولها وعرضها هباءً جراء عدم التنظيم، ولا تقوم لنا شعرة، واذا استمرينا كذلك فلن تقوم لنا قائمة بعد اليوم ..

مجتمعنا ينخر به الجهل نخراً، ويرفع من معدل البطالة، ويزيد من الأمراض، ويدفع المزيد من الشباب إلى الهجرة، ونحن نطعن بجدوى القراءة وندنس الكتاب ونهزئ بالثقافة ..
العنف والصراخ … شاهد السائقين أثناء قيادتهم، الكل ممتلئ حتى الذروة، وبأقل من شعرة ينفجر صراخا وشتماً، التلفاز حقق مهمته بنجاح، أصبحنا كائنات مستهلكة لكل ما نريد ومالا نريد، المهم أننا “مثلهم” …

يبدو أن قلمي جرى أكثر مما يجب في مقدمة أسعى من خلالها أن أدخل إلى الموضوع .. إنها البكالوريا، التي أزعم أنها قادرة (في ظروف معينة) على أن تعري المشهد السابق برمته. ومن دون سابق إنذار، ستجد نفسك أمام مجتمعك الحقيقي وجهاً لوجه، ليس ذلك المجتمع الرائع “بلدة طيبة ورب غفور” لكن مجتمع قهرك وسلبك حريتك، مجتمع بدا لك بكل تناقضاته وامراضه وتخلفه ..

هل المعدلات مرتفعة؟ تقول أنهم يريدون من سوق “الجامعات” الخاصة ان يمشي؟ أسمعك تتحدث عن الوزارة وخططها الفاشلة فيما يتعلق بالتنمية، تتحدث عن المحسوبيات؟ تبكي على العلم المهدورة قيمته؟
ألا تعلم أن الأمر كله بدأ من عندك؟ ومن عندي، ومن عندنا، جميعاً … (لا يعني ذلك غياب الدور الحكومي)

ذكرت أعلاه، كل ما هو سيء في المجتمع، مهملاً كل ما هو جيد، يقولون بان التشخيص نصف العلاج، وأقول بأن التشخيص هو نصف العلاج الأسهل، لا أسهل من أن أنظّر حول قضيةٍ ما، لكن أن أضع حلولاً قابلة للتطبيق، وأن ألتزم بها، وأن أدعو لها، وأن نلمس النتائج فهذا النصف الأصعب، هذا النصف الأعسر.

دعوني أتناول أمراً واحداً مما ورد ذكره للتو، عن التعليم والثقافة سأتحدث، ودون كثير تطويل، دعونا نعدد العوامل التي جعلت من البكالوريا: بكالوريا (بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ عانيت منه أنا وأنت)، الإلتحاق بالتعليم الجامعي وهموم ذلك، وتحديد “المصير” (هذه الكذبة السخفية التي ضحكوا بها علينا)، والمستقبل … دعونا نرى ذلك كله تحت المجهر وكما أراه أنا، إن ما سأقدمه لا يتعدى وجهة نظري الشخصية والتي تمثل جانبا من الحقيقة، بإنتظار إثرائكم للموضوع ومساهماتكم:

يبدأ الأمر كله قبل أن تدخل المدرسة، لن تكون مزوداً بقيمة “حب العلم والمعرفة” ولن يزرع بك أحد “أهمية العلم والمعرفة”، حتى أنك (لربما إلى الآن) لا تدرك تعريف “العلم” والفرق بينه وبين المعارف والثقافة، سيُقتل بك حب الفضول وطرح الأسئلة منذ سني عمرك الأولى، بكل ذلك ستدخل إلى المدرسة – أيها المسكين – وغالباً ما تسير الأمور على ما يرام، ستمضي سنواتك الست الأولى بشكل جيد، ستكون قد نُشأت على نمط التعليم بالتلقين، وحشي رأسك بكل ما لا يلزمك، وبعض ما هو مفيد، وأسس تفكيرك تشوهت نتيجة الأخطاء التعليمية، بعض المشاكل النفسية والتواصلية في تلك الفترة زرعت بذورها (أخبرتني أنك خجول وتخاف التحدث أمام الجمهور ثم تدعي أنك سليم ولست “مجنونا”، إطمئن لم أقصد الجنون، أتحدث عن مشاكل نفسية فحسب)

المرحلة الإعدادية (ثلاث سنوات آخريات) قد يتراجع مستواك قليلاً، لكن لا شيء يدعو للهلع، بعض زلاتك لم تنساها إلى الآن، لكنك تقول “أنها كانت فترة مراهقة”، أنت لا تدري أن مازرع ينبت بالتدريج، لربما قد بدأت تدخن، ولربما “تدينت” لا فرق !! لأنه لا يوجد تغييرات حقيقية جذرية من الأعماق (لا أعمم)، لا بأس عليك إن شاء الله، تجاوزت الكفاءة بكفاءة أو بتعذر … المهم أنت الآن بالثانوية بطريقة ما ..

سواء أدرست بـ “المتفوقين” أم بمدرسة أخرى، فسوف تشعر بنزعة “التكبر” و”الغرور” والمنفخة تجتاحك في فترة ما من عمرك، (أرجح أنها ستستمر معك، أراك بعد سنوات طويلة تشتري سيارة أمريكية فخمة، قال “لأنو فيها وجاهة أكتر”، أحسك بك وأنت تشعر بالغبطة عندما تقودها ويشاهدك أصدقائك القدامى) .. المهم قد تنجو من ذلك، لكن الأكثر إحتمالاً أن تجعل من نفسك “وضيعاً” بحجة التواضع (ذلك الخلق المظلوم)(لا عليك من أي الفئات كنت أنا، أو دعني أخبرك… كنت من أسوأها) … غالباً العاشر سيكون استراحة المحارب، الحادي عشر سيحمل معه دقات ناقوس الخطر، ورهبة نفسية (هنا لم يعد يشغل بالك لذة الرعشة الجنسية، الرهبة النفسية ستحل مكانها هذا العام) (طبعاً أنا لا أعمم ولا اتحدث إلإ عن بعض النماذج، بعض التفاصيل ستختلف بالتأكيد، المهم أن الجنس(كفكرة) حاضرة في هذه الفترة على العموم، وتأتي البكالوريا دون سابق إنذار …

لأول مرة في حياتك (غالباً) أنت امام مرحلة “مصيرية”، و “مستقبلك” ستحدده بيدك، أنت الآن “مسؤول” بكل معنى الكلمة، سوف نمارس جميعنا دوراً هاماً في الضغط النفسي عليك، سوف نطحن نفسيتك، سوف تمتلئ رعبا (هاهاهاها – بس بطريقة شريرة)، معدلات السنوات السابقة ستعدل من عاداتك، قد تزداد شراهة، وقد ينقص وزنك يا مدلل أمك، قد تسهر الليل يا دريّس، وقد تنام النهار بدعوى الملل (أعلم هنا أنك صادق) ….. سوف تصل لفترة لم تعتد تحتمل بها كل هذا، سوف يعطونك مخدراً عاماً، ستتوالى الأيام، وكأطول وأصعب عام في حياتك …. سوف تحصل على رقم مؤلف من ثلاث خانات (غالباً!!) يقولون بأنه يمثل قيمتك ومقدارك ومستوى ذكائك وطموحك وثقافتك وإصرارك وذوقك ودأبك ومكانتك الإجتماعية (لاحقا) ومقدار منفختك … والبعض سيجعله دليلا لا يقبل المجادلة لرضا الله والوالدين، وقد يعبّر لك عن مقدار سخط الله والوالدين … وستعيش كابوساً بعد ذلك يسمى المفاضلة والتسجيل والإختيار بين الكليات ….. ياه ما زال أمامنا حدث طويل …. دعني أكمله لا حقاً … ودعني أؤجل صفعتي المؤلمة لمرة قادمة …..

حتى ذلك الحين …. أقول لك (ولي، ولنا جميعاً) – مبدئياً، ومبدئياً فقط – عوضك على الله …