/ فقه الوجود

مبدأ الفراغ

«أتى شابٌ إلى المُعلّم. سأله: أين الطريق؟
صمتَ المُعلّم لدقائق؛ ثم قال لا طريق!
فاستنار الغلام من ساعته!!»

يتعلّق مبدأ الفراغ بالأسلوب الذي يبدأ به الإنسان طريقه للنضوج والتحرر..
ليست المشكلة بالجهل، المشكلة توهمنا بأننا نعرف.
من يتوهم أنه يعرف، سيدافع عن ما يؤمن أنّه الصواب، بينما من يقرّ بأنه لا يعرف، وبأن كل تلك المعلومات التي حُشيّ بها رأسه، لا تشكّل إجاباته الخاصة، التي وصل إليها مقتنعنا، يمكنه أن يتحرّر وأن ينطلق باحثًا عن الحقيقة التي تحقق له ذاته.
من يظن أنه يملك الإجابات يتخذ في الغالب موقفًا دفاعيًا تجاه ما يسمعه من أفكار وآراء جديدة تخالف موروثه، بينما من يفرّع نفسه من كل شيء، سيكون من السهل والممتع بالنسبة له تقليب الآراء كافة، وتفهّم منطقها، نقدها، والاستفادة منها.

تفريغ النفس من كل شيء هي خطوتنا الأولى، معتقدك عن الله، وكل معتقداتك الدينية الأخرى، كل ما حُمّله عقلك من حمولات فكرية وثقافية مختلفة، وكل ما حُمّلته نفسك من مشاعر ووجدانيات، وفي كلّ ميادين الحياة.
قد يظن البعض بأن فلسفة الفراغ ترادف الإلحاد، لكن الإلحاد هو مجرّد إجابة أخرى، وليست الفراغ الذي نقصده.
المؤمن، المسلم، المسيحي، اليهودي، البوذي، الملحد، العلماني، السنيّ، الشيعي، الخ
كلهم متشابهون عند الفارغ؛ كلهم لديهم إجاباتهم الخاصّة..
الفارغ ليس لديه إجابة، هو يبحث في كل ما يحيط به، منفتح على جميع الآراء بالمقدار ذاته من التساوي والميل والعدل.

هذا عينه هو مبدأ التخلية الذي تتحدث عنه بعض الأدبيات الصوفية (شوّه المبدأ لاحقًا)، أن تتخلى عن كل شيء، عن كل أفكارك وتصوراتك المسبقة والموروثة عن الله والحياة والموت ومعنى الحياة وأسلوب معرفة الصواب، كل ما تحمله عن التاريخ والأيدولوجيات والعلوم والثقافات من أفكار جاهزة معبّأة مسبقًا.
هذا أيضًا هو الشوط الأول من الشهادة، أن تعيش في كنف (لا إله) بحثًا عن (الله).

أمران يشوشان على مبدأ الفراغ.
الأول: أن يكون في أعماقك فكرة تدفعك إلى استخدام الشك كأسلوب لتدعيم الفكرة التي انطلقت منها أصلًا، أي أنك تشك بحثًا عن إجابات تدافع بها عن فكرتك الأولى.
الثاني: أن تحمل همّ الوصول إلى (الجواب)، هذا الهم يولّد العجلة والتشويش، الوصول غير مهم، الرحلة هي الوصول.

“لو أمكن فقط إقناع الناس بتبني إطار فكري مؤقت لا أدري في هذه الأمور، لأمكن علاج تسعة أعشار الشرور في هذا العالم.”
برتراند راسل