/ #مجتمع 

لمَ يجب علينا أيضًا منع الروايات العالمية المتُرجمة؟

نشر الصديق ثمود مقالًا بعنوان “لم يجب علينا حجب الشبكات الإجتماعية مثل الصين“، يذكر فيه أن حجب خدمات الشركات التقنية الكبرى - وإن كان سيجلب التذمر والاحتجاج في البداية - لكنه سيدفع بالمنافسين المحليين إلى الظهور والصعود، ما يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل ومشاريع جانبية تستفيد من الإيكوسيستم الجديد.

في هذه التدوينة أوضّح لماذا يجب علينا أيضًا منع الروايات العالمية المُترجمة في الأسواق المحليّة*؟

الرقابة أولًا

تأتي رقابة الإنترنت في الصين (وغيرها من الدول ذات أنظمة الحكم الشمولية) كإمتداد طبيعي للقيود المفروضة على الحياة بمناشطها السياسية، الثقافية، الاجتماعية وغيرها، بما يحمي حزب الأخ الكبير وسيطرته المطلقة على مفاصل الحكم في البلاد.

فبعد دخول الإنترنت إلى الصين عام 1994 بثلاث سنوات صدرت أولى اللوائح القانونية المتعلقة باستخدام الشبكة والتي نصّت على حظر استخدامها بهدف إلحاق الضرر بمصالح الدولة أو المجتمع، أو الإضرار بالأمن القومي، أو الحاق الأذى بالنظام الاقتصادي والاجتماعي هناك.

وهذه بطبيعة الحال الصيغة القانونية التي يُمنع من خلالها التعاطي بالشأن العام لحماية مصالح الطبقة الحاكمة.

حُجِب فيسبوك في الصين فقط بعد أعمال الشغب في 2009، وذلك بسبب استخدامه من قبل النشطاء كأداة تواصل تواصلهم المصدر

الرقابة (بمنعها وحجبها) تأتي أولًا كجزء من طبيعة النظام السياسي، المنافع الاقتصادية التي يُمكن تحقيقها من خلال قبضة الأخ الأكبر نتائج ثانوية، رغم أهميتها الكبيرة في تبرير استمرار الحكم بأسلوبه الشمولي.

فرص عمل ضائعة

يقول المقال “لو تمّ حجب يوتيوب وفيسبوك وتويتر.. سوف نبحث عن بديل.. هذا الشيء سينتج عنه استثمار وخلق الكثير من الوظائف”.

الشركات التقنية الصينية (لا سيما المذكورة في المقال) معظمها حديثة النشأة نسبيًا، بعضها انطلق عام 2011 (WeChat)، بعضها الآخر في 2009 (Sina Weibo) ولعلّ أقدمها يعود إلى عام 2000 (Baidu)، لذا فإن هذه الشركات أبعد ما تكون عن “النماذج التي حلّت أو يمكن أن تحل مشكلة البطالة”.

حسب الأرقام فإن مُعدّل البطالة في الصين ارتفع من 3.1% عام 2000 إلى 4.1% عام 2015، وهذا لا يعني أن الشركات التقنية ساهمت سلبًا بطبيعة الحال (الأغلب أنها ساهمت إيجابًا) فقط هي محاولة لإعطاء الأمور حجمها، فقوّة الاقتصاد الصيني من ناحية توفر فرص العمل والقدرة الشرائية للفرد هي أكبر من تأريخ الشركات التقنية هناك.

ما أريد قوله أنه لا ينبغي تقديم التوطين المحلي للتقنية في الصين (شبكات التواصل، محركات البحث، تطبيقات الدردشة إلخ) وكأنه أنقذ البلاد من مشاكلها الاقتصادية، وقضى على بطالة الشباب، بل هو امتداد طبيعي لقوّة الاقتصاد نفسه.

الشركات الصينية كمنافس عتيد

تُعتبر الصين ثاني أكبر مستورد للسلع التجارية (وأكبر مُصدّر لها)، ورغم غياب منطق “احجب تربح” عن ساحة الهواتف الذكيّة مثلا، فلا تزال العملاقتين سامسونج وآبل تعانيان من أدائهما المتواضيع هناك، حيث تبلغ حصتيهما مجتمعتين أكثر من 10% بقليل من السوق الصينية التي تُسيطر عليها شركات محليّة مثل Huawei، Oppo، Vivo وغيرها.

ليس فقط على صعيد الهواتف الذكية، فمن المعروف أن اختراق السوق الصينية هو تحدٍ حقيقي أمام جميع الشركات العملاقة.

فكيف استطاعت إذن هذه الشركات تحقيق نتائج كهذه بدون منع المنافسين؟

ريادة تقنية ومنافسة في اقتصاد حرّ

على النقيض، لماذا نجد في قائمة أكبر الاقتصاديات العالمية دولًا مثلا ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، وكندا وهي دول لا تتبع سياسة الصين في حجب الخدمات التقنية؟

لماذا استطاعت ريدهات لينكس الأمريكية تحقيق 2.1 مليار دولار من العائدات لعام 2017 (بزيادة قدرها 20% عن العام الماضي)، بدون حجب ويندوز؟ كيف تستطيع سوزا الألمانية تحقيق نمو في إيراداتها بنسبة 21% لهذا العام لتبلغ 303.4 مليون دولار وهي تعتمد كذلك على بيع حلول لينكس، دون حجب منافستيها مايكروسوفت وريدهات في السوق الألمانية؟ كيف يحقّق محرك البحث دك.دك.غو نموًا سنويًا لافتًا للنظر في ظل وجود غوغل؟ فخلال عامي 2013 و 2015 حقّق الموقع نسبة نمو في الاستخدام بلغت 600% ، كما أعلن يوم 6 شباط الماضي عن تنفيذ أكثر من 15 مليون عملية بحث في يوم واحد.

وبعيدًا عن الشركات الكبرى، وبالحديث عن ريادة الأعمال، يجدر الذكر أنه في حين يبلغ مجموع الشركات الناشئة في الصين (1.4 مليار نسمة) 306 شركة، يُسجّل في ألمانيا وحدها (82 مليون نسمة) 1270 شركة ناشئة.

الفساد الذي نخر عظامنا

المشكلة الاقتصادية في العالم العربي ليس قلّة الموارد المحليّة، أو قوّة المنافسة العالمية، بل السياسة الممنهجة التي تتبعها معظم الأنظمة العربية والتي لا تضع مصلحة المواطن والوطن بعين الاعتبار.

ففي الوقت الذي تبلغ فيه نسبة الفقر 12% تقريبًا في كلٍ من مصر، السعودية، الجزائر ، وسوريا (قبل 2010!)، تُصنّف بعض المصادر (كمجلة فوربس) معظم الحكّام العرب ضمن قائمة أغنى أثرياء العالم.

الفساد ليس مشكلة سياسية لدينا، بل أسلوب في الحكم، يخشى من حجم ودور طبقة وسطى فاعلة

التنمية وليس الحجب

ما نحتاج إليه في عالمنا العربي هو التنمية وليس الحجب، هذا يشمل رفع الدخل الفردي، قدرته الشرائية، جودة ومستوى التعليم العام، جودة الرعاية الطبية المتوفرة، وبالطبع الحريات والحقوق الإنسانية والمدنية.

الأنظمة العربية في العموم تخشى من تحقيق التنمية لشعوبها، ولذا نحن لا نملك اقتصاديات حقيقية بمعنى الكلمة، لأن هذه قد تحقّق نموًا يخلق طبقة وسطى لا يراد لها أن تُوجد أو تنمو.

الحجب قد يأتي (وهل غادرَنا يومًا؟)، فقد لا تتمكّن هذه الدولة أو تلك من شراء أجهزة التنصت المناسبة في حينٍ من الزمان، وعندها قد يكون خيار إنشاء أو تبني بديل محلي يسهل السيطرة عليه خيارًا مطروحًا للدراسة، وقد يسهم هذا بتوظيف المزيد من أعضاء الحزب الحاكم**.. لمَ لا؟ لكن هذا لن يكون وسيلة لتحقيق تنمية حقيقية بأي شكل من الأشكال.

المشكلة مع الفيس بوك وغوغل وغيرهما ليس في “أين تصب عائدتها”، بل في أسلوب وطبيعة سيطرتها على شبكة الويب اليوم، والطريقة التي تتعامل بها مع بيانات المستخدمين. مجيء شركة محليّة تُفكّر بذات الأسلوب وتعمل بنفس الطريقة لن يُغيّر الكثير في واقعنا.

تقنيًا ما نحن بحاجة إليه على الصعيد التطويري: نموذج مفتوح يُعطي للجميع الحق في فهم التقنية، المشاركة في تطويرها، والاستفادة منها، وعلى الصعيد التشغيلي: نموذج لامركزي يُعطي المستخدمين الحق في الحوسبة المنزلية، لا يتعقبهم ولا يتجسس عليهم.

في العموم هناك الكثير من القطاعات التجارية المتضررة نتيجة الانتفاح على السوق العالمي، لذا أُضيف أنّه لا بدّ من وضع حد للروايات العالمية المترجمة، السينما، المسرح، وغيرها من مجالات المنافسة.. علّنا نعود لقراءة سليمان العيسى مُجددًا

* نوع من الخطاب المُبطّن هنا بطبيعة الحال، أي لنحجب هذا أيضًا إن كنا سنحجب ذاك، والمقال يرفض فكرة الحجب نفسها. وجب التنويه. ** 23% من القوى العاملة في شركة Tencent المالكة لتطبيق WeChat (ومعظم خدمات الإنترنت في الصين) من الحزب الحاكم، 60% منهم في المناصب الريادية التقنية في الشركة. المصدر.

-– حقوق الصورة البارزة تعود لـ Steven Lelham