/ مجتمع

لماذا نُنجب الأطفال؟

جلس إليّ إثر عودته من العمل، كانت تبدو عليه أمارات التعب والإرهاق، سألتُه مستفسرًا ومطمئنًا عن أحواله، فشرع يشكي لي أحوال ابنته الصغيرة، التي لم تكمل عامها الأوّل بعد، وكيف أنها لا تتركه ينام ساعة في الليل أو في النهار، إلا وهي على صدره أو على صدر زوجته معظم الوقت، وكيف أنهم قد حرموا الزيارات الأسرية لأجلها، والسهرات العاطفية بوجودها، وبات مصروفها بندًا ضاعف المصروف الشهري…

نظرتُ متأملًا، الشكوى سيتغيّر فحواها مع تقدم ابنته في السنّ، لكنها كشكوى ستبقى موجودة، سأذهب خطوة إلى الأمام مع صديقي هذا (ومع باقي آباء العالم بالمناسبة)، وأقول بأن تربية الطفل “هذه الأيام” معاناة، لكن كل معاناة إن لم يكن عندنا أسباب وجيهة للتعامل معها وتحمّلها، ستغدو بلاءً حقيقيًا.

دخلت هي وبناتها الخمسة إلى مكان عملي.

الولد الأول (البنت الأولى): أتى إلى الحياة لسبب وجيه جدًا؛ طقس اجتماعي لا يجب الجدال به، لا عليك أن تفكّر فيما إن كنت تريده أو لا، هذا خيار يجب على الجميع اختياره.
البنت الثانية: بدنا نجيب أخ أو أخت للأولى، تونسها.
البنت الثالثة: بدنا نجيب أخ للبنتين.
البنت الرابعة: علّ وعسى الله بيطعمنا الصبي.
البنت الخامسة: الله يرزقنا صبي يزين هالبنات.
أتساءل، كيف يكون شعور البنت الثالثة (مثلًا) والسبب الذي أتت لأجله للحياة، أن والداها كان يريدا ذكرًا، لكنهما حصلا على الأنثى، وانتقلا إلى محاولة أخرى.
“يلا ماما يلا، بس لتصيروا حبابين بشتريلكن”
كيف تترجم العبارة السابقة في وعي الطفل؟
أنت لا تستحق الآن، عليك أن تكون كما أقول لك (حباب)، وعندها يمكنني أن أعطيك ما يضمن إستمرار عبوديتك.

كانت تصعد هي وأولادها الأربعة السلالم، بينما تصرخ بهذا، وتزجر ذاك، لم ألحظ فيما إذا كان انتفاخ بطنها الجديد سمنة أم أن هناك مولودٌ خامس، لكن ما أعرفه تمامًا، أنها وصلت إلى حافة الطلاق عدّة مرات مع زوجها، وشجارها المستمر معه، يعلمه كل قاطن هنا، لكن هذا لا يمنعها من إنجاب المزيد، أحيانا تحت طلبه، وأحيانا أخرى، كي تضمن روابط أقوى معه، علّ ذلك يمنع الطلاق، ويحافظ على السترة.

كان يخبرني في كل مرّة أن الولد “لما بيجي بتجي رزقتو معو”، سألتُه مؤخرًا، هل هناك مولود جديد على الطريق؟

امتزجت شكواه بسبابه على الدهر، الأيام، الحكومة، الرواتب، الغلاء، التجار، الأسعار، الخ الشكوى المعروفة..
أخبرته لكن الولد “لما بيجي ما بتجي رزقتو معو؟”
تعمدت تغيير الموضوع على الفور، كي لا أحرجه أكثر من ذلك.

هل يملك مجتمعنا – في معظمه – أسباب أقوى من ذلك للإنجاب، هل الإنجاب فعلًا خيار يناسب 100% من أفراد المجتمع!
لو كان لكل واحدٍ منّا عقله الخاص، خياراته الخاصة، هل كان الكل سيفضّل الإنجاب؟ وهل كان سيفضّل العدد الحالي من أبناءه!