/ كتب قرأتها

لماذا نصلي؟ .. الصلاة بوصفها وسيلة لإعادة بناء العالم

انتهينا في التدوينة السابقة بسؤال : لماذا نصلي؟ بعد أن وعدنا أنفسنا بأن نفكّر من جديد بهذا السؤال ..
في تلك الفترة حينما بدأت أصلي … زارني أحد أقاربي … وعندما علم بأنني صرت أصلي، فاجأني بسؤاله : لماذا تصلي؟؟
للوهلة الأولى شعرت بأني أمام حزورة غريبة،كنت قد بدأت أصلي ولم يكن هناك سبب لذلك حاضر بذهني بوضوح وبقوة، وجاهز لأقدّمه حينما أسأل مثل هذا السؤال … لم أكن قد فكّرت “بمقصد” أو “هدف” من وراء الصلاة، لم أكن أعي تماماً ما هو “الدافع” وراء الصلاة ….
لكنني لربما تساءلت عن سبب سؤاله، فأنا أصلي والحمد لله، والأولى به أن يقنع غيري بأن يبدأ بالصلاة عوضاً عن “مثل هذه التفلسف” والمحاولات “الشريرة” لجعل موقفي ضعيف …
هكذا كان تفكيري …

أذكر تماماً أن قوله تعالى “إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً” حضر إلى ذاكرتي ، فأجبت بأن “الصلاة فرض” … نعم هي فرض، فرض وكفى !!
ثم إن شيئاً عن “التوفيق والرعاية الإلهية” حضر بشكل أو بآخر إلى ذاكرتي، لكن بعد أن خرجت من قاعة الإمتحان!!

لكن مهلاً : ما أهمية الإجابة عن سؤال كهذا؟
الإجابة عن هذا السؤال (لماذا تصلي؟)، سوف تحدد سقفك، والذي بدوره سيحدد مقدار “نموك”وطولك، أو لربما الإجابة عن هذا السؤال ستنسف لك فكرة “السقف” من أساسها، وتطلق لك طموحك وآمالك إلى السماء …
الطريقة التي تنظر بها إلى الصلاة، فكرتك عن الصلاة، هي المسؤولة عن أثر الصلاة في حياتك، وتجلياتها وجدواها ..
ما تتوقعه من الصلاة، سيلعب دور البطولة في ذلك كله …
لا يمكن لمن لديه جواب ضعيف وهزيل حول (لماذا تصلي؟) أن تكون الصلاة هي عماد شخصيته وأداته الأولى في عملية التغيير الشخصي … ومن ثم الوسيلة الأنسب لإعادة بناء العالم !!! نعم لا تستغرب …. الوسيلة الأنسب لإعادة بناء العالم ….

دعونا نبدأ من جديد:
مالذي أجهض فكر النهضة!؟ (يتساءل البعض مالذي جاء بالنهضة إلى هنا؟) مالذي حدث مع النهضة؟ لماذا لم تحدث؟ لقد كان هناك مفكررون … وكان لديهم فكرهم وتنظيرهم حول النهضة، وقد حصلت الصحوة فعلاً، ولكن النهضة لم تحدث … بعد عقود طويلة من كتابات آولئك المفكرين حول النهضة … لم تثمر زراعتهم في نفوسنا كما كان يجب أن يحدث ….
يقول الدكتور العمري “ثلاثة أسباب رئيسية لذلك:
السبب الأول: أن فكر النهضة ركّز – غالباً – على محاولة زرع ما هو إيجابي، وإحياءه من النصوص الدينية، ولكن تجنب رواد هذا الفكر استئصال العوامل السلبية الموجودة، فكانوا كمن يضع بذوره الثمينة دون أن يعزق الأعشاب الضارة.
السبب الثاني: أن فكر النهضة آنذاك كان يعاني من هوة مزدوجة، الاولى بين النخب المثقفة (متعاطي هذا الفكر) وبين الناس خارج هذه النخب، فحتى الطبقة الوسطى والحائزين على تعليم جامعي لم يستطع فكر النهضة التغلل فيها أو حتى الوجود هناك (ولهذا أسبابه المعقدة)، الهوة الثانية بين الفكر والسلوك، أي أن النتاج الفكري للنهضة لم يحاول التوجه – غالباً – إلى تفعيل السلوك بما يتناسب مع هذا الفكر.
السبب الثالث: ان فكر النهضة لم يحاول الدخول إلى مشاكل الناس وهمومها، لم يدخل في رغيف خبزها وعرق مرقها وحليب ودواء أطفالها، الناس في البداية والنهاية تريد أن تعيش، ولا يمكن لومها على ذلك طبعاً، لذا كان لابد لفكر النهضة أن يلتحم بمعاناة الناس وتطلعاتهم … وهذا مالم يحدث، لم يفهم الناس أن حل مشاكلهم حقاً لن يكون إلا عبر تلك النهضة الشاملة … وكان هذا سبباً آخر …

ولكن ماعلاقة كل ذلك بالصلاة؟ ومما نتوقعه من الصلاة؟
“الصلاة هي تلك الحلقة المفقودة التي يمكن لها، لو وظفت في سياقها الأصلي، أن تجسر الهوة المزدوجة، الصلاة من حيث الشكل والمضمون تحتوي على تلك الخاصية التي تجعلها (وسطاً) بين الفكر والسلوك من جهة، وبين النخب المثقفة والطبقة الوسطى(على الأقل) من جهة اخرى.
الناس عموماً لن يهتموا بالنهضة ومفكريها إلا في حالات نادرة، لكنهم يهتمون عموماً بالشعائر، حتى لو أدوها كيفما كان، لكن الصلاة عموماً موجودة في حياتهم أكثر من أي شيء آخر، لذلك لو تمكنا من أن نبعث شحنة النهضة في الصلاة، من أن نملئ الصلاة بمعاني النهضة وقيمها، لو استطعنا – ولو بنسبة ما – أن نجعل من الصلاة بأشكالها وقوالبها تجسيداً لتلك النهضة لاستطعنا أن ننزلها من برجها العاجي، وجعلها أقرب للفعل.

الحديث عن بعث قيم النهضة في الصلاة ليس توظيفاً نفعياً للصلاة من أجل هدف مسبق هو النهضة، لكن البحث كما سنرى لاحقاً تمخض عن (منظومة نهضة) متكاملة ومترابطة وهو أمر يفوق قدرة أي أحد على التصنع، ويدخل في نطاق إعجاز هذا الدين، الذي بذلنا كا ما في وسعنا لخنق طاقاته وتقزيم آفاقه”

نعود مجدداً لنتسائل … لماذا نصلي؟؟ ….
أجوبة المؤسسة الدينية صاحبة الفهم التقليدي:
الصلاة ككفارة للذنوب ..
فكرة اسقاط الفرض ..
فكرة الصلاة من أجل الراحة النفسية ..
فكرة التواصل معه – عز وجل ..
هذه الاجوبة هي التي حددت أثر الصلاة في حياتنا ، وهو أثر معدوم حقيقةً … آن اﻵوان لننطلق إلى آفاق أخرى … تخبرنا بأن الصلاة هي وسيلة لإعادة بناء الفرد ومن ثم العالم .
في التدوينة القادمة إن شاء الله سنناقش هذه الأفكار …