/ فقه الثورة

فنجان قهوة - قصّة قصيرة

أغلق متصفح الشابكة لديه .. وعاد بمقعده المتحرك شيئًا إلى الوراء، شابكًا يديه خلف رأسه .. صار مدمنًا لقراءة المقالات والتحليلات في الفترة الأخيرة .. أقصد منذ بداية الثورة .. مواقع وصحف وشبكات اجتماعية ومدونات .. الكل يحلل ويرصد المؤشرات ويسجّل المواقف ويودع الأماني … زفر زفرةً طويلة .. نزع نظارته السوداء ووضعها على لوحة المفاتيح أمامه وأخذ يدلك عظمة أنفه .. هل كان مهمومًا؟
في نقاشٍ طويل قال له صديقه : غريب! وكأن نصر هذه الثورة ملقىً على عاتقك، لا فائدة من الترويح عنك … مضى على هذا النقاش عشر أيامٍ عجاف ..

مدّ نظره إلى الطاولة الخشبية أمامه، عليها يقبع فنجانٌ من القهوة .. كان فارغًا، باردًا .. وفي قاعه ترسّب بنٌّ أسود ..
أخذ يفكّر بمنظر الفنجان .. الفارغ .. البارد .. والأسود ..
<< عندما يمتلئ قلبك بالهم، فهذا يعني أن مخزونك من الامل والتفاؤل قد نفد>>
معلقةٌ على الجدار منذ شهرين .. قرأها مرة .. أعجبته، فقام بطباعتها يومئذ ..
‘أمل’ .. فكّر في نفسه : ‘من أين يأتي الأمل’ للمرة الألف قالها … كان يبدو أن كل شيءٍ سيتكرر دونما نهاية .. المظاهرات وحشدها .. والقمع وأدواته .. ذات المشهد يتكرر لخمسة أشهرٍ .. جعلته يشعر حقًا بأن قلبه قد ‘فرغ’ ..
حياته ذاتها أصبحت ‘فارغة’ من كل شيءٍ تقريبًا، قبل الثورة كان قارئًا جيدًا .. لم يكن يشعر بالساعات وهي تمضي عندما كان يتذوق كتابًا جيدًا .. لطالما حدّث أصدقاءه عن الإرتقاء بالمعرفة والاستمتاع بها وتشكيلها للفعل الثوري .. لكن عندما حدثت الثورة .. غابت عنه ..
صحيحٌ أنه لم ينشر كتاباته بعد .. ولم يحدّث بها أحد، إلا أنه كان قد بدأ بالكتابة .. كان ذلك قبل بداية الثورة .. نسي أمر الكتابة اليوم .. من جملة الأشياء التي نسيها ..
ومع حلول أذار، وقبيل الثورة، ترقّى في وظيفته الجديدة، حيث أثبت كفاءته وخبرته في مدّة وجيزة، البارحة قال له رئيسه في العمل أن عليه الإلتزام بالعمل أو الاستقالة .. ‘تبًا، لم لا تقولها لبشار اللعين’ .. قال في نفسه آنذاك ..

طال نظره الفنجان ثانية .. ‘ربما حياتي باتت فارغة بعض الشيء’ تنهد بيأس .. ‘لكنها بالتأكيد ليست باردة’ طمأن نفسه، ربما كان يقصد سرعة غضبه وإنفعاله مؤخرًا ..
<<عندما تغضب، تذكّر بأن عواطفك ليست ملتهبة، تلك هي أعصابك، أما عواطفك فباردة، وهذا سبب غضبك>>
كأنّ وحيًا نفث في روعه تلك العبارة التي كان قد قرأها في كتابٍ ما، ربما كانت رواية، لا يهم .. رغم أنه لا يتمتع بذاكرةٍ جيدة .. لكن لا تعدم الذاكرة أن تفاجئنا أحيانًا ..
وكما انه لا ينكر سرعة إنفعاله، فربما لا يقدر على الإفلات من حقيقة أن العواطف الطيبة لم تعد تغمره، ربما ليس متأكدًا من الربط بينهما، لكن شيئًا مثل الحب، الامتنان، المودة، السعادة .. صارت قاموسًا قديمًا ..
لقد جعلته الثورة يشعر بأن الثائر الجيد يتخلى عن ذلك كله، ويغرق في سيل ‘أخبار اللحظة’ وتحليلاتها الفورية، بإنفعال وإحباط وتشاؤم .. لا، لم يقل له أحد ذلك أبدًا .. لكنها فكرة ما كانت بالتأكيد تقبع داخل رأسه .. ولو قالها له أحد لعارضها .. رغم أنه يعيشها يوميًا!
لم يعد يثير حماسه شيء هين، صديقه أخبره بأن شيئًا من الضحك والابتسامة ليس خيانة لدماء الشهداء، قال له ذات مرة بأن واجبنا تجاه الشهداء أن نكمل الكفاح في القضية التي ماتوا من أجلها لا أن نميت أنفسنا همًا وكدرًا عليهم ..
اعترف أخيرًا بأن عاطفته ذبلت فعلًا، وأن انفعاله واحباطه ناتج عن ذلك، تذكر كلمة صديقه ‘هذا كله يقصّر من النفس الثوري، ويقلل من أمده، من تكون حياته كذلك في ظل الثورة يصبح متعجلًا لإنتهائها .. والتعجل رجس من عمل الشيطان .. أو كما قال له ..

ألقى نظرةً متعمّدة -هذه المرة- على فنجان القهوة، لم يكن يومًا يتخيل أنه سيصبح قارئ فنجان، وعلى الرغم من هذا هو فنجانه الأول .. إلا أنه يشعر بالإحترافية ..
‘بنٌ أسود’ .. فكّر .. ‘تشاؤمي وسوداويتي’ .. ‘قلقي .. بل واكتائبي أحيانًا’ أردف ..
صحيح أنه لم يكن يومًا من ‘المتفائلين’ .. إلا أنه أيضًا لم يكن متشائمًا كما هو اليوم .. شعر وكأنه قد انتسب لحزب المتشائمين الجدد .. إنها الثورة ؟ … ربما ..

فضّ شباك يديه وأمسك بطرف المكتب، وشدّ نفسه إلى طاولة العمل، وضع نظارته على عينيه، ثم تناول ورقةً بيضاء، وقلمًا، وكتب على رأس الصفحة :
<<ما هي الدروس التي تعملتها من الثورة السورة؟>>
طفق يكتب مباشرة ‘تعلمت بأنه لا شيء يقف أمام إرادة الشعب، لا القمع ولا الجيش، ولا تواطئ اﻵخرين، وبأن الشعب إذا قرر النهوض فإنه ناهضٌ لا محالة. تعلمت بأن اﻵلام تلم الشمل وتوحد ..’
توقف عن الكتابة فجأة .. نظر في الورقة .. فكّر قليلًا ..
هل هذا فعلا ما تعلمه من الثورة السورية، ألم يكن يعلم وقد قرأ في ذلك الكثير، ان إرادة الشعب لا بت أن تتحرك، وأنها متى تحركت تحققت …
مزّق الورقة، وتناول أخرى، وكتب على رأسها :
<<بصراحة .. ما هي الأشياء التي تعلمتها واكتسبتها من مدرسة الثورة؟ >>
نظر في الفنجان أمامه، وأعاد النظر في الورقة .. ثم كتب
‘في مدرسة الثورة أصبحت فارغًا، باردًا، وأسود ..
صعقته الإجابة، بسبب صراحتها الشديدة .. فهذا هو ‘حرفيًا’ أثر الثورة عليه ..

نور المعرفة أشرق في داخله .. ‘ليس ذنب الثورة’ قال في نفسه، ‘فآخرون تعلموا ماكان يجب عليهم أن يتعلموه من مدرسة الثورة .. تعلموا كيف يملؤون حياتهم بكل ماهو نافع، أصحبت مظاهراتهم اليومية مذّكرًا قويًا .. بأن الثورة بضع وسبعون شعبة، أدناها إماطة الحاكم من الطريق، وأعلاها بناء حضارة  التوحيد المنشودة’ ..
تذكّر كيف بدأ بعض أصدقاءه يهتم بقراءة كتب الفكر والسياسة منذ بداية الثورة .. كان ينظر إليه بشيء من الإستخفاف ..
‘بعضهم علمته الثورة الأمل واليقين بنصر الله، وأثر ذلك مرئي في كلامهم وأفعالهم’ .. تكلم بصوت مسموع .. ‘ … ربما تذكّر بأن الأمل لا يكون عندما تسير الأمور بوضوح نحو النصر، عندها لا فضل لأحد بأمله .. فهو تحصيل حاصل ..
بل الامل -إذا كان- يكون عندما تكون الامور ضبابية راكدة، ولا بشائر أو مؤشرات تدل على النصر … ‘عندها فتّش عن الامل’ تذكر كلمة صديقه الرنانة ..

أرخى نظره إلى النافذة .. ‘ألا يفترض بأن الثورة هي الفرصة التاريخية للتغيير الشخصي؟’ .. سأل نفسه .. أو أن نفسه سألته .. ‘كيف وصلتُ إلى هنا؟’ .. قال ذلك وبريق أصيل يشع من عينيه .. ويسقط على شاشة الحاسوب .. إنها صفحة الفيسبوك اللعينة .. أغلقها .. ثم طلب فنجان قهوة …. ممتلئ، ساخن، ومحلّى بالحليب ..