/ الدين السائد

محاولة لفهم دور الشعائر - الصيام

في هذه التدوينة سأجمع شتات بعض الأفكار والملاحظات لديّ، والتي أسعى من خلالها لبناء تصور آخر حول دور الشعائر في الإسلام، أجمعها هنا كي أحظى بفرصة لتنظيم وترتيب أفكاري، عرضها على الملأ، ونقاشها مع المهتمين.

– كل المحاولات والجهود الرامية للنهوض بالمجتمعات العربية عن طريق (الإسلام) لا أرى أنها تتبع النهج الذي اتبعه الإسلام عينه للنهوض بالمجتمع الأول.
الأمر لا يحتاج إلى براهين طويلة، الخطة التي سار عليها القرآن شبه واضحة، على الأقل في خطوطها العريضة، وهي الخطوط التي لا نزل نخالفها في كل توجهاتنا.
كلنا يعلم بأن الشعائر الدينية رهينة العهد المدني لا المكي (الصلاة فقط فرضت في آخر العهد المكي)، بالنسبة لي يشكّل هذا الأمر صدمة معرفيّة، إن المرحلة التأسيسّة للمجتمع الجديد كانت خالية تماما من الشعائر الدينية (وكذلك الأمر مع الأحكام الشرعية)، بينما تقدم هذه الشعائر اليوم على أنها المحتوى الأول، الأهم، والأخير الذي يمكن له أن يشكل رافعة تأسيسية للفرد والمجتمع المسلم، بعبارة أخرى، حديث المنابر الدينية المختلفة اليوم عن الشعائر، وتقديمها على أنها الأساليب الربانية لبناء وتأسيس شخصية الفرد المسلم ومن ثم المجتمع، والدور الذي يعلقونه على هذه الشعائر في تحسين وتنمية المجتمعات لا أساس تاريخي له عند النظر للأسلوب والخطة التي سار عليها القران، والتي لم يأبه معها طيلة سنوات التأسيس في مكة لأي دور شعائري!
إذا مالذي كان يؤسس لشخصيات المجتمع الأول ويبلورها؟
هذا بحث آخر
لكن الذي أدركه تماما، أن الشعائر كانت خارج هذه المعادلة بالمرة.

– الشعائر الدينية (بما فيها الصيام) لم يقاربها القران وفق ثنائية (ثواب\عقاب)، (حسنات\سيئات)، لا يوجد في القران أن من يصوم سيأخذ الحسنات الكثيرة، وأن من يفطر سيدخل إلى جهنم، الأسلوب الذي قارب به القرآن الشعائر أسلوب يعتمد على تبيان المنافع والترغيب لا غير.
وهذا في الصيام أوضح، فالنقرأ آيات الصيام من سورة البقرة:

  • 183 – يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون*
  • 184- أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون*
  • 185- شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون*

تقول الآيات إذًا بأن الله كتب علينا الصيام، لتأتي الاية الثانية، لتقول بأن هذا الصيام هو أيام معدودات، وأنه يمكن للمريض والمسافر أن يفطروا، مقابل أيام أخرى يصمونها لاحقًا، أما مربط الفرس فبقوله (وعلى الذين يطيقونه) فدية طعام مسكين.
المؤسسة تقول: أي على الذين لا يطيقونه أن يفدوا صيامهم بطعام مسكين.
والاية تقول: على الذين يطيقون صيامه، (لكنهم لا يرغبون بالصيام لسبب أو لآخر)، فدية طعام مسكين!
هناك تخريج آخر للمؤسسة الدينية تخرج به الصيام من دائرة الإختيار إلى دائرة الإجبار (كما تفعل مع كل الشعائر الأخرى) بقولهم أن الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) نسخت بالآية التي تليها (شهر رمضان الذي أنزل فيه القران).
حسنًا، بعبارة أخرى تقرّ المؤسسة قراءتنا للاختيارية التي تتحدث عنها السورة بمنطق (وعلى الذين يطيقونه) لكنها تفرغها من معناها وفق آلية النسخ، ومع اقتناعا السابق بأن النسخ لا يكون ضمن شريعة النبي الواحد بل ضمن شرائع الأنبياء المتعاقبة، تعود الآية (ووفق قراءة المؤسسة عينها) لتقرّ باختيارية الصيام.

قد يتسائل البعض : هل يمكن أن تحتمل اللفظة (يطيقونه) المعنى المعاكس؟
لغويا لا
قرآنيا ايضا لا
يقول النص القرءاني:* ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.*

  • وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده*.
    فعندما كان المعنى نفي الطاقة، استخدمت أداة النفي بشكل صريح.

ماذا عن (كتب عليكم).
نعم كتب، ولكن آلية الكتابة و أسلوبها تحمل التخيير، وهذا ما وضحته الاية.
ثم ان استخدام الكتابة في المصحف يوضح ذلك:

  • – يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم*
    الاية هنا تقول أنه (كتب علينا) القصاص، ثم تتحدث عن العفو، وفي موضع اخر يقر النص القرءاني ان العفو أقرب للتقوى لا القصاص.
    أي ان القرءان يعترف بما هو أفضل مما كتبه ويتيح الخيار بتركه، بل ويرغب بذلك
  • – كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين*
    فهل يقول أحد بأنه يأثم من لا يكتب وصيةً من بعده؟
    فالصيام اختياري اذا، كباقي الشعائر، وفق آية (وعلى الذين يطيقونه)، ودون تعارض مع (الكتابة)

– حسنًا أعود للمنهج والأسلوب الذي سار عليه القرآن في خطته للنهوض بالمجتمع..
عندما نقرأ آيات الصوم نجد أن الله شرعه كمحاولة ليكون معينًا على التقوى، والتقوى في لبابها (كف الأذى)، لقوله تعالى : وتعانوا على البرّ والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. فالتقوى هي كف العدوان والأذى… بعبارة أخرى التقوى هي آلية لإدارة القوة تجنبًا لإستخدامها في غير موضعها (مفهوم إن الله لا يحب المعتدين).
ومن هنا نفهم خطة القرآن في التشريع، إذ فرض الصيام والجهاد في نفس العام (العام الثاني للهجرة)، عندما بدأت أسباب القوة والتمكين تتجمع بيد المجتمع الإسلامي الأول، عندها كان لا بد من التذكير بالحفاظ على الإستخدام النظيف لهذه القوة، ان صح التعبير.

يقول المؤرخون بأن القوة لا تعرف الزهد عبر التاريخ، أي أنها تسعى لتحقيق المزيد من المكاسب دومًا، ولو على حساب (الحق)، التقوى تأتي هنا لفرملة هذا التوسع المستمر (الأمر الذي لم يتحقق طيلة التاريخ الاسلامي!) والصيام هو إحدى الآليات في (إضعاف) هذه القوة المتنامية ووضع حدود لها.

فلسفة الصيام في القران لم تتحدث لا عن الصبر، ولا عن تنمية النفس، ولا عن الارتقاء الروحي، هي آلية فرضت على (الجماعة) التي تكتسب أسباب القوة والتمكين، لضبطها وضمان عدم الاعتداء على الآخرين من خلالها.

– ربما بعض المتصوفة وحدهم من امتلك جرأة الحديث عن ما بات يعرف عند مخالفيهم من باقي التيارات بـ “ارتفاع أو إسقاط التكاليف”، والتي تعني بأن الشعائر الإسلامية (ومختلف التكاليف الأخرى) إنما وضعت لأجل إيصال المرء إلى الله، فإن وصل، فقد زالت الحاجة إليها (وفق مقولة* لا هجرة بعد الفتح*، بمعنى لا عبادة بعد الوصول، ووفق قولهم: اعرف الله وكن كيفما شئت)

ولست مع منطق الوصول من عدمه، وإنما مع منطق التعامل مع الشعائر على أنها وسائل لها غايات معينة، قد يتحقق وقد لا يتحقق المقصود منها، مما يجعلها عرضة للأخذ والترك.

**المشكلة باختصار أننا نحاول أن نحصل من الشعائر على ما لا يحصل عليه منها!
هذه هي باختصار..
**