لماذا تشكّل شركة بحجم فيس بوك أو غوغل خطرًا على حرية الإنترنت؟

هل يُمكن أن تُحكم الإنترنت من قبل نظام السلطة الواحدة؟

قرأتُ البارحة المقال الذي كتبه أحمد الخطيب في ساسة بوست بعنوان «الـماتريكس الذي يجمعنا.. فيس بوك يبتلع الإنترنت»، يتحدّث المقال عن الخطوات التي تتخذها الفيس بوك للسير قدمًا إلى الأمام لتصبح منصتها هي «الإنترنت» بطريقة أو بأخرى، بحيث نقرأ المقالات عبر Instant Articles، نشاهد فيس بوك ڤيديو، نجري تصويتا، نتابع أخبارنا الشخصية، نتحدّث إلى بعض، نشتري من الإنترنت، نحضر حدثًا كل ذلك عبر الفيس بوك! دون الخروج من تلك الصفحة الزرقاء.

لكن ما المشكلة في ذلك؟ ما مشكلتنا إذا كانت شركة مثل فيس بوك أو غوغل تسعى لابتلاع السوق وتحقيق أرباح خيالية؟

تبدأ المشكلة من «خوارزمية الفيس بوك»، أي الآلية التي يعمل الموقع وفقها ليقرّر عنك المنشورات والأخبار التي يجب أن تراها وتلك التي لن تراها رغم أنّك سجلت إعجابك مسبقًا بالصفحات وأبديت اهتمامًا لمتابعة أخبارهم. بعبارة أخرى الخوارزمية هي أداة سلطة تعمل على مراقبة سلوكك واتخاذ القرارات بالنيابة عنك بناءًا على دراستها لك بغرض تحقيق هدف واحد؛ وهو بقاءك أطول وقت ممكن مع الفيس بوك كي تحقق الشركة أرقام عوائد متزايدة.

tumblr_o4ep7h5uC51rxo7neo1_r1_1280

تتفاقم المشكلة مع إزدياد حجم وهمينة الفيس بوك، إما بالوقت الذي نقضيه داخل الموقع الأزرق، أو بتوسّع الشركة واستخدامنا لخدماتها الأخرى (مثل الڤيديو، Instant Articles، المكالمات الصوتية، الواتساب إلخ)، وما المشكلة في ذلك؟
هذا يعني ببساطة أن الإنترنت لن يمكنه أن يكون ديمقراطيًا (وهو ليس كذلك اليوم).

إما أن تمتلك الشبكة بضعة شركات رأسمالية كبرى وتتحكّم بها، وإما أن يملك جميع المستخدمون (وبالمقدار ذاته) التحكّم بالشبكة ويملكون زمام أمورهم.

عندما يصبح الإنترنت مبتلعًا من قبل الفيس بوك، سيمتلك الفيس بوك أداة سلطة غير عادلة، سيملك سلطة هائلة على المستخدمين؛ ثقافتهم – آرائهم السياسية توجهاتهم اعتقاداتهم سلوكهم، سيملك إمكانية للتدخل في صياغة كل ما سبق، وليقرّر ما الذي يمكنه/يجب أن ينتشر وما الذي لا يستحق فرصة الوصول للمستخدمين.

سيمكن للفيس بوك أن يُحدّد التوجهات في الثقافة والفن والرأي والسياسة، وكل شيء آخر.

ما الذي يختلف به هذا عن العيش في دولة أحادية يحكمها الحزب الواحد؟

في دولة مثل سوريا كنا ندخل إلى دور حضانة لنجد منظمة “طلائع البعث” تنتظرنا، وهي المنظمة التي تشرف على الإدخال input في خط إنتاج “المواطن السوري الصالح”، وهذا ما تنصّ عليه حرفيًا أدبياتها «تحقيق اهداف الثورة في التغيير الاجتماعي واستجابة للتوجهات النظرية لحزب البعث نحو تعبئة الجماهير والأجيال الصاعدة»! وهكذا تخضع المناهج التعليمية والعملية التربوية للإشراف والأدلجة البعثية.

المرحلة التي تليها هي مرحلة «شبيبة الثورة» والتي تتابع سير العمل وتعزيز اللون الواحد والفكر الواحد في أجيال الشباب، ومع دخول الطالب إلى المرحلة الجامعية يكون «إتحاد طلبة سوريا» في انتظاره ليضع الرتوش النهائية، وأما بعد التخرج فتنحصر أدوار النقابات والاتحادات بضمان أن كل شيء يسير كما تمت برمجته.

خارج الصفوف ومقاعد الدراسة، هناك إعلام النظام ينتظرك، التلفزيون الرسمي، الإذاعة الرسمية، الجريدة الرسمية، خطيب الجمعة الرسمي…. أينما اتجهت لا يجب أن تجد أو تسمع سوى ما يريده البعث، هل تريد أن تجري اتصالًا؟ الشركة السورية للاتصالات تقدّم لك الخدمة.. هل ترغب بالاشتراك بالإنترنت؟ الجمعية السورية للمعلوماتية ترحب بك إلخ

هذه هي المشكلة بعينها ورجلها، وجود نظام واحد مركزي يحاول ابتلاع كل شيء، كل الوسائل، ومن ثم يستخدمها لفرض هيمنته الخاصة، وللصدفة الدافع واحد؛ امتلاك سلطة على الناس تعطي امتيازات مادية ومعنوية لا حدود لها.