/ مجتمع

تزويرا... وان كان الخصف من ورق الجنة

يبتلى وعينا باستمرار بدرجات متفاوتة من أشكال الزيف، ومع تقدم الفهم والادراك يزداد هذا الزيف دهاء ويصبح أكثر عمقا وضمورا،مما يتطلب المزيد من اليقظة الذهنية والانتباه العقلي، وأودّ في هذه التدوينة الإشارة إلى ثلاث من الأشكال التي يزور بها الزيف نفسه باسم الوعي وعنواينه، والتي كنتُ قد لاحظتها هنا وهناك…

(1) الهروب من حلّ المشاكل تحت مسمى (عيش اللحظة)
عيش اللحظة واحدة من العناوين المهمة للوعي الناضج، فهو وعي لا يبقى مأسورا في الماضي، ولا يميت حاضره بغية لحظة قادمة موهومة.
لكن هذا لا يرتبط بعدم دراسة تاريخنا الشخصي بغية فهم أنفسنا، نفسيتنا، منظومتنا الداخلية، كيف تشكل وعينا، ماهي المنعطفات التي غيرت في تشكيلنا، من هم الأشخاص وما هي الافكار التي تسللت إلينا على شكل برمجة مضمرة.. وما يصح في دراسة التاريخ الشخصي يصحّ كذلك في دراسة تاريخ الأمم!
عندما نركز على أن لا نكون حبيسي الماضي، فنحن نتحدث عن شخص (مأسور) و (مكبل) بالماضي، يعطي للأموات سلطة تتجاوز سلطته على ذاته، جلّ تفكيره ينحصر في سياقات ما جرى وكيف كان!

وفي المقابل فإن الدعوى لترك المستقبل وعيش اللحظة تركز على الابعتاد عن نمط تفكير (يبقى) محصورا في (الإعداد) لمستقبل ما، يحلم في أن يعيشيه، مضيعا فرصة عيش الحاضر، المشكلة أنه مستقبل لا يمكن ادراكه، فدائما هناك هدف آخر جديد..
وهذا لا يرتبط بتجريم (التفكير) في المستقبل، لا يمكن أن يتسلل الماء إلى سفينتك رويدا رويدا، وتعنّف كل مَن يحدّثك عن ذلك، بدعوى (عيش اللحظة)!
لا تهرب من حل مشاكلك التي تتراكم شيئا شيئا في الحاضر، لتنفجر في اللحظة.. والأهم أن لا تبرر ذلك بمانشيط (عيش اللحظة)!

(2) تبرير الشح، بدعوى (الحب غير المشروط):
هذه طامة أخرى، يمكن أن تسمعها اليوم هنا أو هناك (بوعي أو بدونه)، في علاقة تجمع بين شريكين، أو بين صديقين، يبدي أحدهما تفاعلا ضعيفا في العلاقة، ولا يكلّف نفسه شيئا يذكر في البذل والتقديم للآخر (تفهما، محبة، اهتماما، الخ)..
الجميل الذي يجعلني أبتسم أحيانا! أنك ما ان تقترب من هذا الشخص كي توجه إليه نصيحة (ان كان صديقك)، أو ربما لوما عذبا (ان كان شريكك)، حتى يشرع ليلقنك محاضرة عن أهمية العطاء المجاني، والحب غير المشروط، وتقبّل الآخر في العلاقة كما هو، دون محاولة تغييره، وفرض أمنياتك عليه!

مرة أخرى: اللاتفاعل يقتل الروحانية في العلاقة، وهو قتل قد لا يكون قابلا للردم أحيانا.

(3)  تصفية النماذج الفردية بدعوى (حاجة المجتمع للعمل):
كثيرا ما نندب معاناتنا من شح توفر النماذج الفردية / القدوات / القادات، في كل الميادين، الفكرية، الطبية، الاجتماعية، العسكرية، السياسية، الشبابية، الفنية الخ، القادرة على إلهام الآخرين، وتقديم ما هو مختلف وفعّال حقا..
الغريب أن بعضنا ما ان يجد أحدهم يعمل على نفسه هنا أو هناك، ويرغب بالانعزال عن كل العمل الجماعي والميداني الحالي و التشويشات الآنية التي تفرزها الاحداث المتلاحقة، للتركيز على تكوين فردانيته ونموذجه الخاص، نبدأ بندب عزوفنا عن العمل، وتخلينا عن واجب العمل الجماعي، وايقاظ المجتمع، وحاجة الاخرين الماسة لنا!