/ تقنية

غوغل تسعى للإستحواذ عليك!

كشف دخول ثوار إدلب لمباني المخابرات في المدينة وعثورهم على ملفات أمنية بداخلها، صحة ما نعرفه كسوريون عن اهتمام نظام الأسد بجمع وفهرسة وأرشفة أكبر كم ممكن من المعلومات عن المواطنين، لديك مثلًا أسماء الخطباء الذين لم يذكروا الرئيس في نهاية خطبهم، او الذين انتقدوا مسلسل بعينه، إضافة إلى سجل بأسماء المواطنين الذين يرتادون المساجد في صلاة الفجر، ولا يذكر اسم مواطن ما؛ وإلا ويُلحق بتفاصيل بياناته الشخصية و أسماء أقاربه ممن كان لهم نشاط سياسي أو معارض معين، وصلة القربى بهم، و”مدى تأثره بهم”، وثقافته وتوجهه السياسي!

وكما هو معلوم يعتمد النظام في جمعه لهذه المعلومات على أعين له، يراقبون ويسجلون كل ما يطلبه من بيانات، إضافة إلى أسلوب آخر طريف (لستُ أنا :P) يتمثل في توزيع بطاقات على المواطنين (صفراء اللون) مقسمة إلى جداول ويطلب منهم أن يقوموا بملئها ذاتيًا بالمعلومات التي يرغب بها (!) تستخدم هذه الطريقة عادة لتوثيق الروابط الأسرية بشكل دوري، وما يطرأ عليها من تغيير (زواج، طلاق، ولادة، وفاة، الخ)،** إذ تعتبر المعلومات الكاملة عن المواطنين المصباح الكاشف الذي لا يمكن لأي سلطة أن تحكم بدونه**، ربما أتحدث عن ذلك لاحقًا لأنه يوضح لنا الكثير مما يجري حولنا، لكني أريد أن أطرح اليوم سؤالا مهمًا يمهد لما أريد الحديث عنه: لماذا تبدي السلطات إهتمامًا كبيرًا بمعرفة الروابط الأسرية والعائلية والشخصية للأفراد الذين تحكمهم؟ ولماذا يتم تحديث تلك البيانات بشكل دوري؟

السبب يعود إلى ما يعرف بالهندسة الاجتماعية، فالحصول على كامل تفاصيل شبكة اجتماعية في منطقة ما، يسهل الوصول إلى أحد عقدها بشكل كبير، في المثل الشعبي يقال “طعمي التسعة لتاكل العشرة”، وإذ أردتُ إعادة صياغة المثل ليعبّر عن العقلية الأمنية أقول: اجمع بيانات التسعة لتصل إلى العاشر، بعبارة أخرى طالما أن معظم الناس في المجتمع تعيش حياة عادية للغاية، متشابهة مع كل الأفراد الآخرين، ودون أي نشاطات تمس السلطات والمصالح الحاكمة، لذا لا يشعرون بأي أهمية تذكر تجاه معلوماتهم الشخصية وخصوصيات حياتهم، تستفيد السلطات من هذه اللامبالاة، إضافة لما سبق وبنته في المجتمع من خوف وخضوع، في جمع النسخة الكاملة من البيانات، حينها قد يكون من الصعب الوصول إلى الفرد (س) وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان مثلًا، لكن من السهل الوصول إليه وإختراقه من خلال شبكة علاقاته المكشوفة.

أذكر قصة العثور على الرئيس العراقي السابق صدام حسين كمثال، إذ كان من الصعب للغاية معرفة أين يختبئ صدام بشكل مباشر، لكن معلومة واحدة كانت مهمة للغاية، الرجل السمين مرافق صدام حسين لا يزال معه، إلا أن الوصول لهذا الرجل لا يزال صعبًا، هنا يأتي دور خبراء الهندسة الاجتماعية لإطالة السلسلة من الرجل السمين إلى قريبته ثم إلى صديقها، وهكذا حتى الوصول إلى عقدة يسهل اختراقها، ثم العودة بشكل عكسي متدرج لاختراق موقع صدام والعثور عليه، على مثل هذه التكيتكات تعتمد الهندسة الاجتماعية.

لكن ما علاقة غوغل بكل ما سبق؟!

البطاقات الصفراء وأشباهها في كل دول العالم تقدم المعلومات لحكومة كل بلد على حدى، إضافةً إلى تفاوت الحكومات في كم، عمق، وشمول البيانات التي تجمعها عن مواطنيها، لكن ماذا عن حكومة العالم؟ ماذا عن السلطة التي تسعى لأن تكون شمولية على أرجاء المعمورة، دعنا نسميها حسب ظاهرها، حكومة الولايات المتحدة!

خدمات الشبكات الاجتماعية (مثل فيس بوك، تويتر، غوغل+ وغيرها) تمثل بطاقات صفراء معبئة وجاهزة للاستلام! كل ما علينا فعله الآن هو الاهتمام الواعي بجمع تفاصيل جديدة باستمرار والسيطرة (القانونية أحيانًا) على كم البيانات تلك، أو التجسس باستخدام أبواب خلفية (prism مثلًأ)، ما سنحصل عليه في نهاية المطاف خدمات اجتماعية تجمع بشكل متعمد البيانات الدقيقة عن مستخدميها بغرض بيعها لشركات الإعلان وأجهزة الإستخبارات، إنها تجارة تدّر المليارات اليوم، مفترضين أن ذلك لم يكن بالحسبان لحظة إنشائها، لكنها انتهت إليه.

كل الصلات الاجتماعية التي تحيط بك إضافة إلى اهتماماتك وتفضيلاتك، مزاجك، توجهك الفكري والديني، ونشاطاتك، موقعك الجغرافي وغيرها الكثير، تسجله يومًا بيوم وترسله كأضابير موثقة إلى السلطات العالمية!

أحببت أن أوضح النقاط السابقة تعقيبًا عن تقارير تتحدث عن نية غوغل الاستحواذ على تويتر، لقد فشلت غوغل عدّة مرات في بناء شبكة اجتماعية ناجحة (بدأت مع Buzz ثم Wave و Orkut، كلها متوقفة اليوم) وأخيرًا Goolge+ والتي حاولت تنشيطها وفرضها على الآخرين أكثر من أي وقتٍ مضى، دون أن يغيّر ذلك شيئًا من واقع “مدينة الأشباح” كما يطلق عليها.
بالمقارنة مع غيره من وسائل التواصل الاجتماعي يمكن ملاحظة أن تويتر بالكاد يوفر بيئة أكثر خصوصية من منافسيه، إلا أنه باستحواذ غوغل عليه  لا أظنه سيبقى كذلك، مما قد يضطرني للتخلي عن آخر شبكة اجتماعية أستخدمها – وحينها لن أكون متأسفًا لذلك.

سأكتفي بهذا اليوم، على أن أعود للموضوع لاحقًا.