/ طريفياتي

سيدتي الفاضلة... تحيّة عميقة..

وبعد

لا نزال نرتقي صعدًا في سماء علاقتنا، حينًا بعد آخر… أو أننا ربما نغوص أغوارًا في أعماق وجودنا، لكن مهلًا؛ فما الفرق؟ إنه لا فرق يذكر حقيقةً بين الصعود والهبوط، طالما أنك الرفيقة، لِمَ تهمني الوجهة أو المسار، وأنت إلى جانبي في الرحلة، أيًا كانت..
لذا دعينا نتجاوز الإتجاه والوجهة …
لكن رغم بساطة هذا التجاوز عندنا، فإنه لا بدّ مهم للغاية عند مَن تبقى من عشّاق في هذا العالم الصغير، فلا يعقل أن تكون التوجهات الدينية أو الوطنية أو الأخلاقية أو الفلسفية مفتوحةً على كل الاحتمالات عندهم، دون أن يؤثّر ذلك على العلاقة واستمرارها..

ونحن معًا في هذا الدرب، أيًا كانت الوجهة، لأن الحب قد نسج بيننا وشائج لا انفصام لها، فبتنا كتوأمين سياميين، معًا دومًا، بيد أننا مختارين غير مضطرين..
فسؤال الصحبة، جوابه الحب، وسؤال الحب، جوابه الاختيار، فما جواب سؤال الاختيار؟

سأكذب إن قلت أنه محض معايير فلسفيّة، تجسدت في شخصك، فاخترتك من فوري،.. كما لا يصحّ البتة في المقابل وأنا في حضرة الله إدعائي بأن الجواب في قلبي الذي ذاق طعمك فغرف وغرق..
بل هو مزيج متوازنٌ للغاية، بين هذا وذلك
إنه الرضى!

والرضى خلجة من خلجات الفؤاد، وحكمة من حكم العقل، وراحة من رياحين الروح
ولقد نرى تقلّب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها
القبول أو الاختيار جوابه في الرضى إذًا

لقد رضيتُ بك، ورضيت بي… والرضا لا يأتي من قلّة بل من قناعة، ولا يأتي ليجمّل حظًا عاثرًا بل ليبارك حظًا وافرًا، ولا يأتي من عجز بل من مقدرة..
فغناك هو ما خلق رضائي وليس قلة معانيك

هذا المعنى غاب عن أذهان الآخرين، فظنوا أن الرضا يعني تقبّل القليل على قلته، بل هو قبول الكثير لفائضه، والرضا مع هذا ونفي ذاك، لا يتطلب توطيدً للنفس وضبطًا لها كي تتقبل القليل، بل يتطلب فسحًا سماويةً فيها، تجعلها قادرة على قبول الكثير وفيضه..
إن من رضيّ بالله ربًا، لم يرضاه على مضض، أو من قلة، وكذا من رضي بمحمدٍ نبيًا، لم يرضه إلا لأنه حقق له كامل ما يمكن لنبي أن يفعل، وهو بعينه المعنى في رضا الإسلام دينًا..

سيثور الحمقى عليّ دون أن يفهموا شيئًا، يقولون وأي جدارة تلك في الرضا بالكثير، في قبول الأسمى، بل الجدارة عندهم – كل الجدارة – في أن يقبل المرء القليل ويرضّي نفسه به، وبه يعيش..
ما لن ينتبه له هؤلاء أن الكثرة التي نتحدث عنها، تحتاجنا أكثر مما نحتاجها، هي مكافأة لا هدية..
الكثرة التي ذكرتها تحتاج إلى عيونٍ خاصة حتى تراها، فهي مخبأةُ ودفينة، مستورةُ بأسترة الوجود، لا تتكشف إلا لكل صوفيّ فيسلوف متأمل..
شرط الكثرة عيون تلحظها، لا أيدٍ تستقبلها..
شرط الكثرة وجدان يخلقها وينميها، لا حواسّ بليدة تستنزفها
الرضا عندهم مفهوم ميّت، يميت الأحياء، ويفني الأموات
والرضا عندي مفهوم حيّ، يحيّ الأموات، ويبعث من فنى

وهكذا كان، وهكذا كان يجب أن يكون، كنتِ أن لاحظتي الوفرة فيّ، مما لم يرعها أحد، وكنتُ أن لحظت الوفرة فيك مما لم يلحظها أحد، فكيف لا ترضين فيّ وكيف لا أرضى فيك..
وما هي إلا هنيهة زمن، حتى رحتي تخلقي فيضي، وأخلق فيضك، فيكف لا نرضى؟! … كيف!

فهمهم المنكوص للرضا أحال الحبّ إلى أي شيئٍ آخر…. شيءٌ ما…. شيءٌ يشبه أي شيء، لكنه لا يشبه الحبّ..
منهم من حاول أن يترضى بالقليل، وقلبه متقلب، ينظر حينًا إلى هناك، وحينًا إلى هنا، تارة يشعر بحظٍ بخس، وتارة يقول الحمد لله، وهو على تلك الحال، يعيش حياته ضمن قلبه، متقلبٌ أبد الدهر
ومنهم من حاول البحث عن الكثير، الكثير الجاهز، الكثير الذي تتوق الايدي لاستقباله، “هناك أفضل.. قد يكون هناك أكثر”، يعيش حياته ضمن عقله، باحثًا عن الأكثر
وأيٌ منهم –  التعساء والبائسون – ما عرفوا الرضا الحقيقي، الرضا الاعمق، فما ارتاحوا مع قرارهم واختيارهم، فعجز اختيارهم عن توليد حبٍ صافٍ عذبٍ حقيقي، فملوا الصحبة، وخافوا الوجهة، لذا بقيوا في مكانهم، متخوفين من أي رحلة قد تطرق أبوابهم..

أين هي حقيبتك حنين؟ ضعيها على كتفيك… ما رأيك بالتوجه جنوبًا؟