/ مجتمع

لزوم ما لا يلزم؛ أو خمسة أسباب تدفعك لتأجيل الإنجاب

تناقشتُ وعمي (والد زوجتي) مؤخرًا حول موضوع الإنجاب.. لقد مضى عام ونصف تقريبًا على زواجنا – أنا وحنين – دون إنجاب؛ برغبةٍ وإرادةٍ منّا! وهذا يخالف المعروف والسائد في الزيجات السوريّة، والذي عادةً ما تُكلّل فيه ذكرى الزواج الأولى بطفلٍ وليد..

بدأ عمي النقاش بالآية “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم”.. معرجًا على حديث رزقة الطفل التي تُكتب وعمره أربعين يومًا، وبضعة مقولات دينية أخرى..

[![mural-of-children](https://blog.tareef.me/content/images/2016/05/mural-of-children-1024x681.jpg)](https://blog.tareef.me/content/images/2016/05/mural-of-children.jpg)
المصدر؛ publicdomainpictures.net
فكيف كان ردّي؟ أولًا النصّ السابق **ينهى عن القتل بدافع الفقر**، ومهما حاولنا مطّه لن ينفع أكثر من ذلك.. لو كان النصّ يقول أنجبوا الأولاد ولا تخشوا الإملاق نحن نرزقهم وإياكم.. لكنّا اعتبرناه موضعًا ذو صلّة، لكن بصيغته الحالية فهو يضيف تعزيزًا بحالة خاصة لأمر النهي عن القتل عمومًا. أما رزقة الطفل التي تُكتب.. فحسنًا لا أحد يقول بأنّ إنجاب طفل يعني موته جوعًا أو بردًا (هذا يحدث لكن لنركّز على الحالة العامة)، الطفل له رزقة، وهو سيأكل وسيشرب، ولن يموت عَوزًا.. **ولكن ما مقدار هذه الرزقة**؟ هل تكفيه ليعيش حياةً كريمة؟ أم ليعيش حياة الكفاف؟ هل تؤهله للحصول على الرعاية الطبية الملائمة والتعليم المناسب؟ أم تضعه في بيئة تعجّ بالأمراض والتخلف؟ في كلتا الحالتين الرزقة موجودة ولا أحد ينفي وجودها ولكن خلافنا دومًا حول المستوى والجودة.. لذا فحديث رزقة الطفل التي تُكتب وعمره أربعين يومًا لا يُقدّم شيئًا أكثر من ذلك ولا يمكن اعتباره ذو صلّة تدعم الرأي المُشجّع على الإنجاب.

ثم لمن يرغب بمناقشة الأمور من منطلق النصوص الدينية، أقول له: النصوص لم تُشجع على الإنجاب بل وأكثر من ذلك فقط كانت تنبّه من مراكمة الأولاد دون وعي: ألهاكم التكاثر، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير، يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم. وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة. واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة…

الناس ينجبون كي تكون عندهم
ذريعة للاستسلام للقهر .. عندها يصير بوسعهم أن يقولوا: لولا أطفالنا لكنا
قد فعلنا كذا وكذا

— أحمد خالد توفيق (@ahmedkhaledtwfi) May 24, 2016

خمسة أسباب تدفعكم لتأجيل الإنجاب

في الحقيقة لا أتبنى دعوةً عامة لعدم الإنجاب، ولا أدّعي بأن نصًا دينيًا أو غيره يُشجّع على ذلك ولكنّي أشجع على تأخير الإنجاب لعامين أو ثلاثة على الأقل.. لماذا؟

ستُسهم هذه الفترة ببناء علاقة أقوى مع الشريك؛ لا تجعلوا مشروعكم المشترك الأوّل (وغالبًا الوحيد :-/) إنجاب طفل والاهتمام به! يمكنكم أن تبدؤوا الاهتمام بأنفسكم… بناء اهتمامات مشتركة، مشاريع مشتركة، نقاشات مشتركة، أهداف مشتركة.. أمضوا الوقت سويًا في التواصل وتعميق المودة والرابط بينكما، هناك الكثير من الأفكار التي يُمكن لكما أن تتفقوا للعمل عليها معًا وإنجازها.. ليكن لكما نجاحات مشتركة.. لحظات معًا أعمق أثرًا من تحفيض ولد صغير بينما الآخر يُمسك قدميه! ?

لماذا يرغب البعض بالجلوس مع أصدقائه أكثر من زوجته؟ لماذا يشعر البعض بأن صديقه أقرب له من زوجته؟ أحد الأسباب يعود إلى أنه مع صديقك/تك أنتما محور الاهتمام في العلاقة.. بينما مع زوجك/تك غالبًا ما يأخذ الأطفال النصيب الأكبر من الاهتمام.

ستسمح مثل هذه الفكرة بالزواج المُبكّر لمن يرغب ذلك دون تحمل نفقات الأطفال الجُدد. لقد تزوجت وعمري 25 سنة، وبتعاوننا معًا في التكاليف المالية نجحنا في الاستقلال المادي منذ اللحظة الأولى.. إنجاب الأطفال في العام الأول أو الثاني من الزواج سيقضي عمليًا على رغبة البعض بالزواج المبكّر، لنكن واقعيين لا يمكن لشاب اليوم قبل سنّ الثلاثين تحمّل تكاليف أسرة من ثلاث أو أربع أشخاص وضمان المستوى اللائق لهم.

سيُحسّن تأخير الإنجاب الوضع الاقتصادي للأسرة، وبدلًا من وضع الوفرة المالية التي تبدأ بالتشكّل كمصاريف للطفل الأول، يمكن استثمارها في مشروع جانبي، أو ماشابه، وهكذا خلال ثلاث أو أربع سنوات سيكون لدى الأسرة مناعة مالية تحميها من الهزات الاقتصادية والطوارئ التي أصبحت ظروفًا يومية بالنسبة للسوريين اليوم!

أيضًا في حال عدم الوفاق ووقوع الطلاق خلال هذه الفترة ستكون الخسائر الاجتماعية محدودة للغاية مع عدم وجود أطفال والالتزامات التي تترتب على ذلك.. هناك الكثير من العلاقات الفاشلة التي يقف الأطفال حائلًا دون انفصالها، ويعيش كل من الأب، الأم، والأطفال أنفسهم بجو سيء للغاية.

ستُتيح هذه الفترة اختبار “الرغبة في الإنجاب” لدى كلا الطرفين، هذا يشبه نصيحة تأجيل شراء أي شيء ترغب به وتتشوق لامتلاكه لفترة أسبوع أو شهر، كي تختبر رغبتك العميقة والفعلية تجاهه، كثيرًا ما ننصح بذلك في تاء مبسوطة، وكثيرًا جدًا ما تكشف هذه النصيحة أن رغبتنا الشديدة لامتلاك شيء ما وحلمنا بأن نمسكه بين أيدينا تختفي كليًا في حال تأجيل القرار لفترة بسيطة!

لماذا؟ لأنها ببساطة رغبة عاطفية سطحية وليست عميقة.. رغم قوّة المشاعر التي تغمرنا في اللحظة الأولى لتفكيرنا بها. لا أقول بأن الرغبة بالإنجاب لدى كل إثنين هي كذلك حتمًا، فقط أقول اسمحوا باختبار رغبتكم هذه والتحقق منها لا غير

رغم أن الإنجاب يُمثّل بدهية في الزواج العربي.. لكن حان الوقت الملائم لمناقشتها في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والشخصية الحدّية لآلاف الشبان والشابات السوريين اليوم… ما رأيكم؟