/ كتب قرأتها

إعمال العقل .. الحاضر الغائب

كتاب إعمال العقل للدكتور لؤي صافي من النوع الذي يحتاج حتمًا الى قراءة ثانية (وربما ثالثة) لفهم أفكاره واستيعابها بشكلٍ مرضي، والتمكّن منها، ورغم أن الكتاب من النوع الثقيل والدسم ولن تكون مهمة قرائته للمرة الاولى سهلة أبدًا إلا أن هذا العمل الفكري يعتبر من أهم ما قرأت من كتب تهدف الى إعادة الفعالية للعقل المسلم، مع كتاب البوصلة القرآنية.
وكنت قد قرأته منذ عامين تقريبًا، وأعدت قرائته الأسبوع الفائت، مستشعرًا صدق العقّاد عندما قال ‘أن تقرأ كتابًا جيدًا ثلاث مرات، خير لك من أن تقرأ ثلاثة كتب جيدة’.
يقوم الكتاب على مبدأ أساسي في تفسير الواقع المتردي الذي نعاني منه فيقول المؤلف ‘إن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تتابع اليوم على أمتنا وتحيق بها من كل جانب هي في جوهرها أزمة عقل مستقيل تصلبت منهجيات تفكيره وفقد القدرة على الفعل والتأثير’.
لذلك فإن المهمة الأساسية للكتاب هي في ‘تحديد أسس التفكير السليم التي يمكن من خلالها إعمال العقل لفهم ثوابت الواقع الطبيعي والاجتماعي ومتغيراته، ثم توظيف الفهم المتحصل لتطوير الحياة الإنسانية’.
وعلى هذا الأساس يستعرض المؤلف في فصول كتابه الستة أربعة إشكاليات أساسية، أحاول هنا أن أختصر بعرضها.

الإشكالية الأولى وهي كامنة في العقل الوضعي [دعونا نسمّه تقريبًا : العقل الغربي] والذي تمثله الكثير من الكتّاب والمفكرين العرب، أمثال حسين مروة والطيب التزيني وحسن حنفي ومحمد عابد الجابري وغيرهم، وتعاني الجهود الموسوعية التي قدمها هذا العقل في نقد التراث العربي ومحاولة تملس طرق إعادة تفعيله (رغم القدرات التحليلية المتميزة لأصحابها) من خلل خطير وهو تبنيها لأحكام عقلية مكتسبة عبر تجربة تاريخية لثقافة مغايرة، ومن هذه الأحكام رفض مصدرية الوحي في تشكيل العقل ومعارفه واختزال الحقائق في شكلها الحسي فقط! في تجاهل كامل لحقيقة ان جميع الحضارات دون استثناء تعود في جذورها الى حركة اصلاح ديني.
ويقتبس المؤلف من الكتّاب السابق ذكرهم آرائهم في هذا الموضوع ويسوق حججهم ثم يناقشها بطريقة علمية محكمة، وبعقل منطقي، تشدّك دقته وقدراته ويخلص الى ان ‘العقل يحتاج بالضرورة الى اعتماد أحكام متعالية عن التجربة الحسية وأحكام قيمية معيارية لتوجيه الفعل والتعامل مع محطيه … ثم لنفرض ان تقمص العقل الوضعي الغربي رغم اقتصاره على الأحكام الحسية وتبنيه رؤية للوجود تناقض الرؤية القرآنية، مممكن، فإن العقل المراد تقمصه هو العقل الغربي لحظة أفوله وذبوله، وليس ذاك الذي صنع الحضارة الغربية الحديثة، انه العقل الذي يعمل معول تدمير في جسد الحضارة الغربية ويولد الفضائح والأزمات الاجتماعية والانحلال الأخلاقي والجنسي’.

الإشكالية الثانية وهي متمثلة في العقل التراثي [العقل السائد حاليًا، والمبني على اسس دينية تقليدية]، حيث نجد الجدل الطويل والعقيم حول تعارض العقل مع الوحي، وعلى أيهما يكون المعتمد والاطمئنان، وأيهما له الأفضيلة عند تعارض أحكامهما (وهو بالمناسبة ليس جدلا عقيما، بل ومعقمًا) والذي انتهى أخيرًا على يد الإمام الغزالي الذي أنكر قانون السببية في الكون، واستفتح مرحلة استقالة العقل المسلم بشكل رسمي.
ويعرض المؤلف لنصوص للغزالي وابن تيمية توضح الموقفين البارزين تاراثيا من العقل والسائدين حاليا في الساحة الاسلامية، ويبدأ النقاش من توضيح بنية العقل ويقول بأن مكمن الخلل في عدم فهم هذه البنية فهمًا دقيقًا، ويعرض آراءًا جديدة متميزة في هذا السياق، ويخلص الى ان ‘العقل في حقيقته قدرة الوعي الإنساني على تنظيم المعطيات الوجودية المختلفة وفق نظم مفاهيمية’ لذا فإن التعارض بين أحكام العقل (النظم المفاهيمية) و حقائق الوحي ممكن في حالة واحدة : وهي ان هذا العقل لم يكتسب (معطياته الوجودية) من الوحي، وإلا فكيف ‘تتعارض المفاهيم والتصورات المستمدة من مصدر معرفي مع المعطيات المعرفية لذلك المصدر’، أي يمكن للعقل الاغريقي القديم او العقل الوضعي الغربي الحالي ان يتناقضا مع القرآن لعدم استمدادهما المعطيات الوجودية من الوحي بل من مصادر اخرى، أما العقل الذي صنع في وفق المنظومة المعرفية للقرآن كيف له ان يصدر احكامًا تتعارض مع مصدره المعرفي!

الإشكالية الثالثة ناتجة عن التي قبلها، فبعد ان حسم العقل التراثي معركته مع العقل لصالح استقالته، فالعقل كما يرى ابن تيمية مثلا ‘متولّ ولى الرسول ثم عزل نفسه’ او قول الغزالي بأن ‘العلوم العقلية كالطب والهندسة والحساب لا يحث الشرع عليها ولا يندب لها، فهي بين ظنون كاذبة لائقة، وان بعض الظن اثم، وبين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع’ [!!!]
هكذا استقال العقل المسلم، فنتج عن ذلك تكساله لقرون عن استنباط المقاصد العامة و القواعد الكلية التي بثها الله في القرآن الكريم، وحدد بها أسس تفكير المسلم لمواجهة التحديات التي تستجد له في كل وقت وحين (والتي سمّاها المؤلف : الرؤية القرآنية)، واستبدل بها منهجية نصوصية تبحث في آحاد القرآن وأحاديث الرسول عن أحكام جاهزة للتحديات المستجدة وكان ذلك ابتداءا على يد الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة.
ويعرض الدكتور صافي لنماذج عديدة من فقه الصحابه رضوان الله عليهم في فهمهم للقرآن وتطبيقهم لقواعده الكلية وجعل السنة في ذلك تبعا للقرآن ونموذجًا تطبيقا لها، وان انتهى الامر بمخالفتهم لاجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تبدل معطيات الحال (الزمنية والمكانية وغيرها).
كما عرض للكيفية التي انتهى اليها حال الفكر والفقه الاسلامي ذو النظرة التجزيئية وناقش معطياتها وفنّد حججها.
وأتبع هذه الاشكالية بحلها عن طريق تبني ما أسماه ‘منهجية القواعد القياسية’ في استخراج الرؤية القرآنية من كتاب الله، ثم الاستنارة بفهم الرسول وتطبيقه لها، وإعادة تطبيقها على واقعنا لانتاج فقه وفكر قرآنيين قادرين على حل المشاكل التي نعاني منها.

الإشكالية الرابعة ناتجة عن تعامل العقل الغربي مع نظام الطبيعة من جهة ومع نظام المجتمع من جهة أخرى، حيث يرى المؤلف ان اختزال المعرفة في العقل الوضعي الى معرفة حسية خلّف تشوهات عديدة في تفسير الطبيعة والمجتمع مما انعكس بالتالي سلبًا على التعامل معهم ومحاولة حل مشاكلهم. ويوضح هذه التشوهات والآثار ويفندها ويقترح -كعادته- منهجيات بديلة، معتمدة أساسًا على الرؤية القرآنية للطبيعة والمجتمع.
أعجبني سرد المؤلف لأفكاره عن طريق طرح الأسئلة ومناقشة الحجج والأفكار.

‘ان العقل العربي المعاصر هو امتداد للعقل الذي أفرزته ثقافة الانحطاط في القرون المتأخرة، ونتاج لجهود المؤسسات التعليمية والتثقيفية التي ارتأت ان تعيد بناء العقل العربي المعاصر عبر استرجاع غير منهجي للتراث العربي التليد او استعارة غير نقدية للثقافة الغربية السائدة’