/ كتب قرأتها

ملخص كتاب (الإيمان والحياة) للدكتور القرضاوي

حمل نسخة من الملخص بإمتداد (odt) مضغوطة بإمتداد (7z) لمستخدمي المصادر المفتوحة … من هنا
حمل نسخة من الملخص بإمتداد (doc) مضغوطة بإمتداد (zip) لمستخدمي البرامج الإحتكارية … من هنا

يبدأ العلّامة الدكتور – حفظه الله – كتابه بمقدمة يقول فيها إن “قضية الإيمان هي أعظم “قضية مصيرية” بالنظر إلى الإنسان. إنها سعادة الأبد أو شقوته، إنها لجنة أبداً أو لنار أبداً، فكان لزاماً على كل ذي عقل أن يفكر فيها ويطمئن إلى حقيقتها.” ويضيف منبهاً “إن الذي يؤمن بالله والدار الآخرة لا يخاطر بدنياه الفإنية ليربح اخوته الباقية … كلا، إنه بإيمانه يربح الحياتين معاً، ويفوز بالحسنيين في الدنيا والآخرة جميعاً”.
“إن العبادات التي فرضها الدين إنما هي وسائل لتزكية نفس المؤمن وترقية روحه، وما أقل ما يبذل فيها من جهد، إلى جنب ما يكسب وراءها من خير.
وإن المحرمات التي حظرها عليه الدين، إنما صان بتحريمها عقله وخلقه ونفسه وماله وعرضه ونسله … والدين إذا حرم على الناس شيئاً عوَّضهم ما هو خير منه، مما لا يشتمل على مفسدة الشيء المحرم”.
ويثبت حقيقة هامة خطيرة “فقد أثبت التاريخ والاستقراء لحياة البشر أن الدين ضرورة لا غنى عنها: ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد، وتزكو نفسه. وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك ويرتفع ويرقى”.
ويضيف ” (العلم) المادي وإن امتد رواقه، واتسعت ميادينه، ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس … إن العلم هيأ للإنسان الحديث وسائل الحياة، ولكنه لم يهده إلى غاياتها … ذلك أن هذه ليست وظيفة العلم وليست من اختصاصه. وإنما ذلك من اختصاص الدين”، ويلفت المؤلف إنتباهنا إلى نقطة هامة بقوله “ونحن حين نتحدث .عن ثمرات الإيمان وآثاره في النفس والحياة إنما نعني الإيمان القوي الدافق ..الإيمان الذي كلما زاد عمقه في القلوب، وسلطانه على النفوس، ازداد أثره المبارك في حياة الأفراد والجماعات.”، ونقطة أخرى، عندما قال: إن “مفتاح الشخصية الإسلامية والعربية على وجه خاص هو الدين، هو الإيمان، هو عقيدة الإسلام.
ومهما نحاول أن نذكي هذه الشخصية، وأن نفجر طاقاتها المكنونة بغير مفتاحها الأصيل -وهو الدين والإيمان- فإننا نحاول عبثاً، كمن يبنى على الماء أو يكتب في الهواء”.
في الباب الأول من الكتاب بعنوان (الإيمان الذي نعنيه) يجاوب فضيلة الشيخ عن سؤال جوهري “ما الإيمان الذي نعنيه في هذه الدراسة، ونحاول تجلية أثره في النفس والحياة؟”
ويجيب قائلاً “إن الإيمان في حقيقته ليس مجرد عمل لساني ولا عمل بدني، ولا عمل ذهني.
إن الإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بجوانبها، كلها من إدراك وإرادة ووجدان.فلا بد من إدراك ذهني تنكشف به حقائق الوجود على ما هي عليه في الواقع، ولابد أن يبلغ هذا الإدراك العقلي حد الجزم الموقن، الذي لا يزلزله شك،ولابد أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي، وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لحكم من آمن به مع الرضا والتسليم،ولابد أن يتبع تلك المعرفة، وهذا الإذعان حرارة وجدانية قلبية، تبعث على العمل بمقتضيات العقيدة”.
ثم يعبّر عن محتوى الإيمان الذي يعنيه في دراسته هذه فيقول بأنه إيمان ديني، يتجسد في خاتمة العقائد السماوية. عقيدة الإسلام بعناصرها الأساسية: الإيمان بالله، الإيمان بالنبوات، الإيمان الآخرة.
ويبدأ بالعنصر الأول ليتحدث عن وجود الله وعن وحدانيته وعن كماله سبحانه، ويتناول ذلك تفصيلاً وشرحاً وبياناً، وينتقل إلى العنصر الثاني: الإيمان بالنبوات، ليقول “والإيمان بالنبوة ليس بالأمر العجيب بعد الإيمان بكمال الله وحكمته ورحمته ورعايته للكون وتدبيره للعالم، وتكريمه للإنسان، بل هذا الإيمان فرع عن ذلك ولابد، فما كان الله ليخلق الإنسان، ويسخر له ما في الكون جميعاً، ثم يتركه يتخبط على غير هدى، بل كان من تمام الحكمة أن يهديه سبيل الآخرة كما هداه سبيل الحياة الدنيا، وأن يهيئ له زاده الروحي، كما هيأ له زاده المادي، وأن ينـزل الوحي من السماء ليحيي به القلوب والعقول، كما أنزل من السماء ماء لتحيا به الأرض بعد موتها”.
ويتحدث هنا عن مراتب الهداية فهناك الهداية الفطرية الكونية، وهداية مرتبة الحواس، وهداية العقل بملكاته وقواه المختلفة، وأعلاها هداية الوحي.
ويختم بعنصر الإيمان بالآخرة ويعرض البراهين ويطيل ويفصّل.
الفصل الثاني يتحدث عن مزايا العقيدة الإسلامية، فهي عقيدة واضحة ثابتة مبرهنة وسطية وفوق كل ذلك فهي عقيدة الفطرة.
هي عقيدة وسط بين الملحدون والذين يثبيتون للعالم أكثر من إليه، عقيدة وسط ليس فيها غلو التجريد وإنحراف التسبيه، وسط بين الذي يأخذ عقائد الآباء بالوراثة وبين الذين يريدون معرفة كنه الألوهية، وسط في علاقتها بالعقائد الأخرى: لا تقبل الذوبان في غيرها(بل تدعو إلى الثبات عليها والدعوة إليها دون إكراه) ولا تقبل التهاون في موادة من يحاربونها، ويسترسل في تعداد وجه وسطية هذه العقيدة لينفذ من هذا كله إلى :
(الباب الثاني : أثر الإيمان في حياة الفرد ) : فالفصل الأول يتحدث عن (الإيمان وكرامة الإنسان)
والفصل الثاني بعنوان (الإيمان والسعادة) فيتحدث المؤلف ويشرح ليخلص إلى أن “السعادة إذن ليست في وفرة المال، ولا سطوة الجاه، ولا آثرة الولد، ولا نيل المنفعة، ولا في العلو المادي … السعادة شيء معنوي لا يرى بالعين، ولا يقاس بالكم … السعادة شيء يشعر به الإنسان بين جوانحه .. صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير، لسعادة شيء ينبع من داخل الإنسان ولا يستورد من خارجه”
فالسعادة في الإيمان، والإيمان في القلب، ولا سلطان لأحد غير الله على القلب.
وينبه – حفظه الله – قائلاً “ولا نجحد أن للجانب المادي مكاناً في تحقيق السعادة، آيف؟ وقد قال رسول الإسلام: “من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح،والمركب الصالح” بيد أنه ليس المكان الأول ولا الأفسح، والمدار فيه على الكيف لا على الكم، فحسب الإنسان أن يسلم من المنغصات المادية التي يضيق بها الصدر، وما أصدق وأروع
الحديث النبوي “من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”، وإذا آانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية، والقلب الإنساني، فإن الإيمان بالله وبالدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها، وهواؤها وضياؤها.
لقد فجر الإيمان في قلب الإنسان ينابيع للسعادة، لا يمكن أن تغيض، ولا أن تتحقق السعادة بغيرها. تلك هي ينابيع السكينة، والأمن، والأمل، والرضا،والحب”
الفصل الثالث (سكينة النفس) :
يقول أحد الحكماء “خل يا رب نعم الحياة الدنيا تحت أقدام الحمقى، وأعطني قلباً غير مضطرب!”
فلا سعادة بلا سكينة ولا سكينة بلا إيمان صادق عميق، وفي هذا يقول الدكتور القرضاوي “إن هذه السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان، وشجرة التوحيد الطيبة، التي تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.
فهي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض، ليثبتوا إذا اضطرب الناس، ويرضوا إذا سخط الناس، ويوقنوا إذا شك الناس، ويصبروا إذا جزع الناس، ويحلموا إذا طاش الناس.”
ويبدأ بعدها بتعداد وشرح (أسباب السكينة لدى المؤمن) :
1- استجابة المؤمن لنداء الفطرة : فالمؤمن يعيش مع فطرته في سلام ووئام، لا في حرب وخصام. فإذا لم يجد الإنسان ربه -وهو أقرب إليه من حبل الوريد- فما أشقى حياته، وما أتعس حظه، وما أخيب سعيه!
إنه لن يجد السعادة، ولن يجد السكينة، ولن يجد الحقيقة … لن يجد نفسه ذاتها. (كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر 19)
فتصور إنساناً يعيش دون أن يجد نفسه، وهو في رأي نفسه، وفي نظر الناس بشر عاقل، سميع بصير، بل لعله جامعي مثقف، ولعله -فوق ذلك- “دكتور” كبير في العلوم والآداب!”
“وقد يتراكم على هذه الفطرة صدأ الشبهات أو غبار الشهوات. بيد أن هذه الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت،فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا قبل له به، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس، داعياً ربه، منيباً إليه.هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، قال أحد كبار المؤرخين: “لقد وجدت في التاريخ مدن بلا قصور ولا مصانع ولا حصون، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد”.
“والانحراف الكبير الذي أصاب البشرية في تاريخها الطويل، لم يكن بإنكار وجود الله والعبودية له، إنما كان بتوجيه العبادة لغيره، أو إشراك آلهة أخرى معه من مخلوقات الأرض أو السماء. ومن هنا عنى كتاب الله الخالد – القرآن الكريم – في الدرجة الأولى- بالدعوة إلى توحيد الله ”
“وإني آسي أشد الأسى لأولئك المساكين الذين صادروا فطرتهم وغلظ حجابهم، آسي لهم لأنهم دخلوا الحياة ثم خرجوا منها، ولم ينعموا بأطيب ما فيها وأعظم ما فيها وهو الإيمان. لقد خسر المساكين أنفسهم، خسروا وجودهم، خسروا الحياة وما بعد الحياة، خسروا الخلود، خسروا كل شيء، لأنهم خسروا الإيمان، وما أصدق ما ورد في بعض الآثار الإلهية عن الله تعالى أنه يقول لعبده: “عبدي اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء”.
“والفطرة ليست تفكيراً خالصاً، ولا شعوراً محضاً، إنها مزيج من التفكير والشعور، والدين قد جاء يخاطب الفطرة آلها. يخاطب التفكير والشعور معاً.”
2- اهتداء المؤمن إلى سر وجوده : “إن في أعماق كل إنسان أصواتا خفية تناديه، وأسئلة تلح عليه منتظرة الجواب الذي يذهب به القلق، وتطمئن به النفس. ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟
هذه الأسئلة التي ألحت على الإنسان من يوم خلق، وستظل تلح عليه إلى أن تطوى صفحة الحياة، لم تجد -ولن تجد- لها أجوبة شافية إلا في الدين.”
فالعقل وحده غير قادر على الإهتداء إلى سر ذلك كله لوحده، قال الفخر الرازي (في كتابه “أقسام اللذات”) بعد أن حصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وطاف بدائرة المعارف الفلسفية والكلامية لعصره: “لقد
تأملت الكتب الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلاً. ولا تشفي عليلاً. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي”.
لقد “أفلست الفلسفات البشرية أن تمنح القلب الإنساني طمأنينته التي هي أول عنصر لسعادته، ومحال أن يسعد إنسان يؤرق الشك ليله، ويكدر القلق نهاره.”
(فتوكل على الله، إنك على الحق المبين) (النمل: 79)
والحق المبين هو الذي اتضحت أعلامه واستبان طريقه، وزال عنه الغموض واللبس والاختلاف والريب.
وشعور الإنسان واعتقاده أنه (على الحق المبين) وأنه (على صراط مستقيم) شعور لا يظفر به غير المؤمن بوحي الله وهداه.
أما الذي شرد من هدى الله ورسالاته، فهو (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى: ائتنا، قل: إن هدى الله هو الهدى) (الأنعام: 71)
إن الوحي وحده هو السبيل الفذة للوصول إلى اليقين في قضايا الوجود الكبرى. وبغير الوحي لن يكون يقين، وبغير اليقين لن تكون سكينة، وبغير السكينة لن تكون سعادة.”
3- نجاة المؤمن من عذاب الحيرة والشك : وبهذا الإيمان البسيط العميق الذي جاء به الوحي، وأيده العقل، واقتضته الفطرة، وشهد له كل سطر، بل كل كلمة في كتاب الوجود المفتوح – سلم المؤمن من الشك والاضطراب، واستراح من البلبلة والحيرة، الذهنية والنفسية، التي يتجرع غصصها الجاحدون المرتابون.
بهذا الإيمان الواضح المريح، حل المؤمن ألغاز الوجود الكبرى، حين عرف مبدأه ومصيره، وغايته ومهمته، بل عرف مبدأ الوجود كله ومنتهاه وغايته وهدفه. فانحلت عقد الشك من نفسه، وزالت علامات الاستفهام الكبيرة من حياته.
4- وضوح الغاية والطريق عند المؤمن : غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى، هذه تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه،وقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، لا يبالي معه برضى الناس أو سخطهم، كما جعل المؤمن همومه هماً واحداً، هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى ، وما أعظم الفرق بين رجلين، أحدهما عرف الغاية، وعرف الطريق إليها، فاطمأن واستراح، وآخر ضال، يخبط في عماية، ويمشي إلى غير غاية، لا يدرى إلام المسير؟ ولا أين المصير؟
واستهان المؤمن في سبيل هذه الغاية بكل صعب، واستعذب كل عذاب، واسترخص كل تضحية، بل قدمها راضياً مستبشراً، المقياس الخلقي عند المؤمن واضح ثابت ينحصر في رضى ربه وطاعة أمره، واجتناب نهيه، معتقداً أن في ذلك سعادة أولاه وأخراه، وخيره وخير البشرية جميعاً.
إنها العبودية لله التي تعني: التحرر من التبعية لكل من سواه وما سواه، فلا خضوع لمخلوق في الأرض أو في السماء، العبودية هي الانقياد لحكمه سبحانه، مع رضا النفس، وتسليم القلب، دون أدنى حرج أو ارتياب، لثقته بأن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه وأنه تعالى أرحم به من أمه وأبيه، وأنه سبحانه أعلم بما يصلحه ويزكيه.
والمؤمن الصادق هو الذي عرف لهذه العبودية حقها، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وحطم الأصنام كلها من قلبه، ورفض الطواغيت كلها من حياته، ولم يرض غير الله رباً، ولم يتخذ غير الله ولياً؛ ولم يبتغ غير الله حكما؛ اتضحت لعين بصيرته الوجهة؛ واستقام أمامها الطريق؛ لا لبس ولا غموض؛ ولا عوج ولا أمت.
5- أنس المؤمن بالوجود كله : والمؤمن يعيش موصولاً بالوجود كله، ويحيا في أنس به، وشعور عميق بالتناسق معه، والارتباط به، فليس هذا الكون عدواً له، ولا غريباً عنه، إنه مجال تفكره واعتباره، ومسرح نظره وتأملاته، ومظهر نعم الله وآثار رحمته.
هذا الكون الكبير كله يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن، ويسبح بحمد الله كما يسبح المؤمن.
والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه، وإلى صديق يؤنسه في وحشته..
وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود، تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته، وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه.
سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) (الزمر: 22) فقال: “إن النور إذا دخل في القلب اتسع وانفسح”.
فالقلب يتسع وينفسح وينشرح بنور الإيمان واليقين، كما يضيق وينكمش بظلمة الإلحاد والشك والنفاق: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) (الأنعام: 125).
هذه هي أسباب السكينة عند المؤمن، وينقلنا بعدها الدكتور يوسف للحديث عن (المؤمن يعيش في معية الله) :
والمؤمن لا يعتريه ذلك المرض النفسي الوبيل، الذي يفتك بالمحرومين من الإيمان، ذلك هو مرض الشعور بالوحدة المقلقة، فيحس صاحبه أن الدنيا مقفلة عليه، وأنه يعيش فريداً منعزلاً؛ كأنه بقية غرقى سفينة ابتلعها اليم، ورمت به الأمواج في جزيرة صغيرة موحشة يسكنها وحده، لا يرى إلا زرقة البحر وزرقة السماء، ولا يسمع إلا صفير الرياح، وهدير الأمواج.
وقد مثل بعضهم حالة هذا المريض بإنسان قد سجن في غرفة جميع جدرانها مراء (مرايا) فأينما ينظر لا يجد إلا نفسه، وأن هذه الغرفة التي سجن فيها لا أبواب لها، ولا منافذ بها، فأين السبيل إلى الهرب منها؟
ولم يدخر الأطباء وعلماء النفس وسعاً في البحث عن علاج ناجع لهذا المرض، وبذلوا في ذلك جهوداً جمة، وأجروا تجارب كثيرة، وحاولوا محاولات مخلصة حتى انتهى رأي المنصفين منهم أخيراً إلى أن العلاج الأمثل لهذا المرض هو اللجوء إلى الدين، والاعتصام بعروة الإيمان الوثقى، وإشعار المريض بمعية الله والأنس به.
فهذا الإيمان القوي هو خير دواء لعلاج هذا المرض الخطير، كما أنه خير وقاية من شره.
قال الدكتور «فرانك لوباخ» العالم النفسي الألماني: مهما بلغ شعورك بوحدة نفسك فاعلم أنك لست بمفردك أبداً. فإذا كنت على جانب من الطريق فسر وأنت على يقين من أن الله يسير على الجانب الآخر (من مقال للأستاذ عبد الرزاق نوفل).
واعتقاد المسلم أكبر من هذا وأعمق. إنه يؤمن أن الله معه حيثما كان، وليس على الجانب الآخر من الطريق، ويقول أديب غربي من كلمة يستقبل بها عاماً جديداً: قلت للرجل الواقف على باب العام: أعطني نوراً أستضيء به في ظلمات الطريق، قال: ضع يدك في يد الله فإنه يهديك سواء السبيل.
إن شعور المؤمن بأن يد الله في يده، وأن عنايته تسير بجانبه، وأنه ملحوظ بعينه التي لا تنام، وأنه معه حيث كان، يطرد عنه شبح الوحدة المخيف، ويزيح عن نفسه كابوسها المزعج.
مازلنا في السكينة وحديثنا الآن عن (المؤمن يعيش في صحبة النبيين والصديقين):
والمؤمن لا يشعر أنه في عزلة عن إخوانه المؤمنين. إنهم، إن لم يكونوا معه في عمله أو مسجده أو داره – يعيشون دائماً في ضميره، ويحيون في فكره ووجدانه، فهو إذا صلى -ولو منفرداً- تحدث باسمهم (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة: 5) وإذا دعا دعا باسمهم (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة: 6) وإذا ذكر نفسه ذكرهم “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين” وإنه لأوسع مدى من أن يعيش مع مؤمني عصره وحدهم، بل انه ليتخطى الأجيال، ويخترق العصور والمسافات، ويحيا مع المؤمنين وإن باعدت بينه وبينهم السنون والأعوام، ويقول ما قال الصالحون: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (الحشر: 10).
(الصلاة والدعاء من بواعث السكينة):
ومن أسباب السكينة النفسية التي حرمها الماديون، ونعم بها المؤمنون، ما يناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء.
فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه، ليقف بين يدي ربه ومولاه ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه: داعياً راغباً ضارعاً.
وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس، ومدد للهزيمة، وطمأنينة للروح.
لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها كوارثها وآلامها،
ويقول ديل كارنيجي في (كتابه دع القلق وإبدأ الحياة) “”ولا يقعد بك عن الصلاة والضراعة والابتهال أنك لست متديناً بطبعك، أو بحكم نشأتك، وثق أن الصلاة سوف تسدي إليك عوناً أكبر مما تقدر، لأنها شيء عملي فعال، تسألني: ماذا أعني بشيء عملي فعال، أعني بذلك أن الصلاة يسعها أن تحقق لك أموراً ثلاثة لا يستغني عنها إنسان سرواء أكان مؤمناً أو ملحداً” أ.هـ
وقد قال « الكسيس كاريل» (مؤلف كتاب “الإنسان .. ذلك المجهول” والحائز على جائزة نوبل) “الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت حتى الآن، فلماذا لا ننتفع بها؟” أ. هـ.
يختم المؤلف – حفظه الله – حديثه عن السيكنة بفصل عنوانه (المؤمن لا يعيش بين {لو} و {ليت} ):
وان من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر، وخوفه من المستقبل.
إن بعض الناس تنـزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل فيها شهوراً وأعواماً، يجتر آلامها ويستعيد ذكرياتها القاتمة، متحسراً تارة، متمنياً أخرى. شعاره: ليتني فعلت، وليتني تركت، لو أنى فعلت كذا لكان كذا،
ونقل عن كارنيجي قوله “لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئاً تماماً كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة، وكل ما يجديك إياه القلق هو أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو تصيبك بقرحة في المعدة ” أ.هـ
إنه لا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل، فإن “لو” تفتح عمل الشيطان (رواه مسلم) كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم.
(ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم) (التغابن: 11)
ويبدأ القرضاوي فصلاً جديداً يتحدث به عن (الرضا) فيقول في أول فقراته (الفرح والروح في الرضا واليقين) :
إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك” (حديث شريف).
في هذا الحديث الشريف كشف عن حقيقة نفسية باهرة، فكما أن سنة الله قد ربطت الشبع والري بالطعام والشراب في عالم المادة، فإن سنته تعالى في عالم النفس والروح قد ربطت الفرح والروح -وبعبارة أخرى السرور وراحة النفس- بالرضا واليقين، فبرضا الإنسان عن نفسه وربه يطمئن إلى يومه وحاضره، وبيقينه بالله والآخرة والجزاء، يطمئن إلى غده ومستقبله. ومن غير المؤمن في رضاه عن يومه، ويقينه بغده؟ كما ربطت سنة الله الغم والحزن بالسخط والشك.
إن المؤمن قد تصيبه الكآبة، وقد يعتريه الحزن، ولهذا قال الله لرسوله (ولا تحزن عليهم) (النمل: 70) (ولا يحزنك قولهم) (يونس: 65) ولكن حزن المؤمن لغيره أكثر من حزنه لنفسه، وإذا حزن لنفسه فلآخرته قبل دنياه. وإذا حزن لدنياه فهو حزن عارض موقوت كغمام الصيف، سرعان ما ينقشع إذا هبت عليه ريح الإيمان.
إن شعور الإنسان بالرضا من أول أسباب السكينة النفسية التي هي سر السعادة.
وفي الحديث: “من سعادة المرء استخارته ربه، ورضاه بما قضى، ومن شقاء المرء تركه الاستخارة وعدم رضاه بعد القضاء” (رواه البزار ومعناه عند أحمد والترمذي).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً” (رواه أحمد ومسلم والترمذي).
في الرضا أيضاً تحدّث عن (المؤمن راض عن نفسه وعن ربه):
المؤمن راض عن نفسه، أعني عن وجوده ومكانه ذي الكون، لأنه يعلم أنه ليس ذرة ضائعة، ولا كما مهملاً، ولا شيئاً تافهاً، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، وخليفة في أرض الله.
وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله، وأيقن بعدله ورحمته، واطمأن إلى علمه وحكمته، أحاط سبحانه بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء رحمة، لم يخلق شيئاً لهواً، ولم يترك شيئاً سدى، له الملك، وله الحمد، نعمه عليه لا تعد، وفضله عليه لا يحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، يردد دائماً هذا الثناء الذي ردده من قبل أبونا إبراهيم خليل الرحمن: (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) (الشعراء: 78 – 82).
المؤمن موقن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه، ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أبويه به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار بره تعالى ورحمته، فيناجي ربه: (بيدك الخير، أنك على كل شيء قدير) (آل عمران: 26) فالخير بيديه، والشر ليس إليه.
(المؤمن راض عن الكون والحياة):
والمؤمن -نتيجة لهذا- راض عن الحياة والكون من حوله، لأنه يعتقد أن هذا الكون الفسيح صنع الله الذي أتقن كل شيء: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50)، وكل ذرة في الأرض أو السماء تدل على حكمة حكيم، وتقدير عزيز عليم، وتدبير ملك عظيم، ورعاية رب كريم رحيم.
لهذا نرى المؤمن راضياً عما قدر الله له. وما قضى الله فيه، ينشد دائماً:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً ……. رأيت جمع الكائنات ملاحا
(المؤمن عميق الإحساس بنعم الله عليه):
إن مما يسخط الناس على أنفسهم وعلى حياتهم، ويحرمهم لذة الرضا، أنهم قليلو الإحساس بما يتمتعون به من نعم غامرة، ربما فقدت قيمتها بالفها، أو بسهولة الحصول عليها، وهم يقولون دائماً: ينقصنا كذا وكذا، ونريد كذا وكذا، ولا يقولون: عندنا كذا وكذا.
ولكن المؤمن عميق الإحساس بما لله عليه من فضل عميم، وإحسان عظيم، ونعم تحيط به عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته.
فمن ذلك نعمة الخلق والإيجاد من العدم، ونعمة الإنسانية، نعمة الإدراك والعلم، نعمة البيان، نعمة الرزق، نعمة الهداية إلى صراط الله المستقيم، نعمة الأخوة والمحبة.
ولقد كان محمد رسول الله أشد الناس إحساساً بنعمة الله وفضله في كل شئونه، فهذا هو شعور المؤمن دائماً، شعور الذاكر لنعمة الله، الشاكر لفضل الله (وما بكم من نعمة فمن الله) (النحل: 53) (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 34).
(المؤمن راض بما قدر الله عليه):
والمؤمن كما يغمره الشعور بنعمة الله عليه في كل حين وفي كل حال، لا يفقد هذا الشعور وإن أصابته البأساء والضراء، وهزته زلازل الحياة.
إنه راض بما قضى الله له، وما قدر عليه، إيماناً بأن الله تعالى لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقضي أمراً يريد به عسراً لعباده، وأنه -سبحانه- أرحم بهم من الوالدة بولدها، وأن الخير المطوي في جوف ما نظنه كارثة وشراً، وما نكرهه بطبيعتنا البشرية (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) (النساء: 19).
(المؤمن راض بما قسم الله له من رزق):
والمؤمن راض بما قسم الله له من رزق، وما قدر له من مواهب، وما وهب له من حظ، لأنه مؤمن بعدل الله فيما قسم من أرزاق، وبحكمته فيما وزع من مواهب، وبفضله ورحمته فيما وهب لعباده من حظوظ، وهذا هو معنى “القناعة” الذي حث عليه الدين، وأشاد به الحكماء والصالحون.
ولقد ظلم الناس -فيما ظلموا- كلمة “القناعة” فحسبوها الرضا بالدون، والحياة الهون، وضعف الهمة عن طلب معالي الأمور، وإماتة رغبة الطموح إلى الرقي المادي والمعنوي، وتمجيد الجوع والفقر والحرمان. فهذا خطأ واضح.
لكن للقناعة معنيين؛ الأول : أن الإنسان بطبيعته شديد الطمع والحرص على الدنيا لا يكاد يشبع منها أو يرتوي، فكان لابد للدين إن يهديه إلى الاعتدال في السعي للغنى، والإجمال في طلب الرزق، وبذلك يضمن التوازن في نفسه وفي حياته، ويمنحه السكينة التي هي سر السعادة، ويجنبه الإفراط والغلو الذي يرهق النفس والبدن معاً،وظيفة الإيمان هنا إن يحد من سورة الحرص والطمع، والثاني: ما تعنيه القناعة. أن يرضى الإنسان بما وهب الله له مما لا يستطيع تغييره، وفي حدود ما قدر له يجب أن يكون نشاطه وطموحه، فلا يعيش متمنياً ما لا يتيسر له، متطلعاً إلى ما وهب لغيره ولم يوهب له، وتطلع مثل هؤلاء الذين ذكرنا ليس طموحاً، ولا علو همة، إنه طمع في غير مطمع، وتمن لما لا يكون، وحرص لا ثمرة له إلا الهم والحزن.
(الرضا مصدر قوة لصاحبه):
ان القناعة بالقليل من الرزق ليست مصدر ضعف. كما يتوهم قصار النظر من الناس، كلا إنها مصدر قوة لأصحاب المبادئ الذي يتعرضون للإضهاد والحرمان، ومما حكي عن المسيح عليه السلام أنه كان يقول: لباسي الصوف، وطعامي الشعير، وسراجي القمر، ودابتي رجلاي، ووسادتي ذراعي… أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أغنى منى!!
يقول الشافعي رحمه الله:
أنا إن عشت لست أعدم قوتا ………… وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسـي ………… نفس حر ترى المذلة كفرا
وإذا ما قنعت بالقوت عــمـري ………… فلماذا أخاف زيدا وعمرا؟
ويقول شاعر آخر:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ……….. هموماً كلما كثرت لديـه
تهين المكرمين لها بصغـر ………….. وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه……… وخذ ما أنت محتاج إليـه
ولكن يجب الحذر فــ(الرضا لا يقتضي السكوت على الباطل) : أن رضا الإنسان عن الله، وعن السير العام للكون والحياة. لا يستلزم الرضا عن كل ما يراه على مسرح الحياة من شذوذ وانحراف جزئي مصدره هذا الإنسان المكلف المختار.
إن رضا الإنسان عن السيارات وركوبها، ليس معناه الرضا عما تسببه من حوادث، وما يرتكبه سائقوها من مخالفات لقواعد المرور وآداب الطريق. فالمؤمن راض عن نظام الوجود، ساخط على انحراف الإنسان الذي لم يقم بشكر الله على نعمة العقل والإرادة التي منحها. بل سخر نعمة الله في غير ما خلقت له.
وينقلنا المؤلف للحديث في فصل جديد خامس عن (الأمن النفسي) ويستفتح كلامه بــ(أهمية الأمن النفسي لتحقيق السعادة والسكينة):
فقد قيل لحكيم: ما السرور؟ فقال: الأمن … فإنى وجدت الخائف لا عيش له.
وقص الدكتور نموذجين : غير المؤمن المضطرب القلق والمؤمن المطمئن وذلك (ص78)
وتحدث بعدها عن (الإيمان مصدر الأمان):
إن الناس يخافون من أشياء كثيرة، وأمور شتى، ولكن المؤمن سد أبواب الخوف كلها. فلم يعد يخاف إلا الله وحده، يخافه أن يكون فرط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم، لأنهم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
( فأي الفريقين أحق بالأمن، إن كنتم تعلمون؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) (الأنعام 81-82)
(سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينـزل به سلطاناً) (آل عمران: 151).
(مخاوف الملحدين الشاكين):
والملحدون الجاحدون أكثر الناس مخاوف -وإن كتموها عن الناس- إنهم يخافون الزمن والكوارث، والفقر والمرض والناس، وأشد ما يخيفهم الموت، فهم ينظرون إليه نظرتهم إلى سبع فاتك، وعدو متربص، ونهاية مجهولة، ومصير مخوف.
(المؤمن آمن على رزقه):
هو آمن على رزقه أن يفوت فان الأرزاق في ضمان الله الذي لا يخلف وعده. ولا يضيع عبده. وقد خلق الأرض مهاداً وفراشاً وبساطاً. وبارك فيها وقدر فيها أقواتها. وجعل فيها معايش. ووعد عباده فيها بكفالة الأرزاق وعداً كرره وأكده وأقسم عليه. وعد كريم لا يبخل. قدير لا يعجز. حكيم لا يعبث.
(وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (هود: 6)، (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) (العنكبوت: 60).
بهذه الضمانات يعيش المؤمن حياته آمناً على رزقه. مطمئناً إلى أن الله لن يهلكه جوعاً. وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إنني عرفته أكَّالاً وما عرفته رزاقاً، ولئن ذهب ألأكَّال لقد بقي الرزاق!
(المؤمن آمن على أجله):
وهو آمن على أجله، فإن الله قدر له ميقاتاً مسمى، أياماً معدودة وأنفاساً محدودة. لا تملك قوه أن تنقص من هذا الميقات أو تزيد فيه (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون) (الأعراف: 34).
هذا الأمن على الرزق والأجل منح المؤمن السكينة والطمأنينة، كما منحه القوة في مواجهة الحياة وما فيها من طغيان وجبروت.
هدد الحجاج سعيد بن جبير بالقتل فقال له: لو علمت أن الموت والحياة في يدك ما عبدت إلها غيرك!
(المؤمن لا يخاف الموت):
وهو كذلك لا يعيش في خوف من الموت، وجزع من مرارة كأسه، إنه زائر لابد من لقائه، وقادم لا ريب فيه، والخوف لا يرده، والجزع لا يثنيه، (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) (الجمعة: 8)، فالموت ليس عدماً محضاً، ولا فناءً صرفاً، إنه انتقال من حياة إلى حياة، ومن طور إلى طور، وفي الأثر “إنكم خلقتم للأبد. وإنما تنقلون من دار إلى دار”. قيل لأعرابي اشتد مرضه: إنك ستموت، فقال: وإلى أين يذهب بي بعد الموت؟ قالوا: إلى الله، فقال: ويحكم، وكيف أخاف الذهاب إلى من لا أرى الخير إلا من عنده؟
وصدق الله (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلاً من غفور رحيم) (فصلت: 30 – 32).
وندخل في الفصل السادس وهو بعنوان (الأمل): ليحدثنا الشيخ يوسف عن (أهمية الأمل في تحقيق السكينة والسعادة) فيقول:
ومن مصادر الأمن والسكينة لدى المؤمن: ما يغمر جوانحه من أمل ذلك الشعاع الذي يلوح للإنسان في دياجير الحياة فيضيء له الظلمات، وينير له المعالم ويهديه السبيل، ذلك هو الأمل، الذي به تنمو شجرة الحياة، ويرتفع صرح العمران، ويذوق المرء طعم السعادة، ويحس ببهجة الحياة.الأمل قوة دافعة تشرح الصدر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، وتبعث النشاط في الروح والبدن.
الأمل إذن هو إكسير الحياة، ودافع نشاطها، ومخفف ويلاتها، وباعث البهجة والسرور فيها.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
والأمل -قبل ذلك كله- شيء حلو المذاق، جميل المحيا في ذاته، تحقق أو لم يتحقق. واستمع إلى الشاعر العاشق يقول:
أمـاني من ليلى عذاب كأنمــا ……………. سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
مني إن تكن حقاً تكن أحسن المنى ……….. وإلا فقد عشنا بها زمنا رغـدا
وضد الأمل اليأس .. وهو انطفاء جذوة الأمل في الصدر، وانقطاع خيط الرجاء في القلب، فهو العقبة الكئود والمعوق القاهر الذي يحطم في النفس بواعث العمل. ويوهي في الجسد دواعي القوة، ومتى يأس الإنسان من أمر أحجم عنه بالكلية، وإذا أمّل فيه النجاح مضى إليه قدما.
(تلازم اليأس والكفر):
وليس بعجيب أن تجد هذا الصنف من الناس بوفرة وغزارة بين الجاحدين بالله أو ضعاف الإيمان به: لأنهم عاشوا بأنفسهم فحسب -زعموا- وقطعوا الصلة بالكون ورب الكون، فلا غرو أن نجد هؤلاء الكافرين أيأس الناس. كما نجد اليائسين أكفر الناس، فهناك ارتباط بين اليأس والكفر، كلاهما سبب للآخر وثمرة له: اليأس يلد الكفر والكفر يلد اليأس: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87)، وأظهر ما يتجلى هذا اليأس في الشدة ونزول الشر، وأظهر ما يتجلى هذا اليأس في الشدة ونزول الشر، وليس اليأس من لوازم الكفر فحسب، بل من لوازم الشك أيضاً.
(الإيمان يلد الأمل):
وفي الجانب الآخر نجد الإيمان والأمل متلازمين، فالمؤمن أوسع الناس أملاً، وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر، إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون لا يخفى عليها شيء، ولا تعجز عن شيء، الاعتقاد بقوة غير محصورة، ورحمة غير متناهية، وكرم غير محدود، الاعتقاد بإله قدير رحيم، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، يمنح الجزيل، ويغفر الذنوب، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، إله هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم.
فهو إذا حارب كان واثقا بالنصر، لأنه مع الله فالله معه، ولأنه لله فالله له (إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون) (الصافات: 172، 173).
إن الماديين يقفون عند السنن المعتادة، والأسباب الظاهرة، لا يطمعون في شيء وراءها، أما المؤمنون فيعلون على ظواهر الأسباب، وينفذون إلى سر الوجود، إلى الله خالق الأسباب والمسببات، الذي عنده من الأسباب الباطنة ما يخفى على إدراك عباده، فلماذا لا تتجه قلوبهم إليه حين تدلهم الأزمات، وتستحكم الحلقات، ويضيق على أعناقهم الخناق؟
(ضرورة الأمل في الحياة):
الأمل لابد منه لتقدم العلوم، فلو وقف عباقرة العلم والاختراع عند مقررات زمنهم ولم ينظروا إلا إلى مواضع أقدامهم، ولم يمدهم الأمل بروحه في كشف المجهول، واكتساب الجديد من الحقائق والمعارف، ما خطا العلم خطواته الرائعة إلى الأمام ووصل بالإنسان إلى القمر.
والأمل لابد منه لنجاح الرسالات والنهضات، وإذا فقد المصلح أمله فقد دخل المعركة بلا سلاح يقاتل به، بل بلا يد تمسك بالسلاح، فأنى يرتقب له انتصار وفلاح؟
وإذا استصحب الأمل فإن الصعب سيهون، والبعيد سيدنو، والأيام تقرب البعيد، والزمن جزء من العلاج.
ماذا تسمي هذا الشعاع الذي يبزغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة، فينير الطريق ويبدد الظلام؟ إنه الأمل، وإن شئت فهو الإيمان بنصر الله: (ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم * وعد الله، لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 5، 6)
فصل جديد بعنوان (الإيمان والحب) يحدثنا فيه العلامة القرضاوي إبتداءً عن (قيمة الحب وأهميته في تحقيق السعادة):
الحب هو روح الوجود، وإكسير القلوب، وصمام الأمان لبني الإنسان.
إذا كان قانون الجاذبية يمسك الأرض والكواكب والأفلاك أن تصطدم فتتساقط أو تحترق وتزول، فقانون الحب هو الذي يمسك العلاقات الإنسانية أن تتصادم فتحترق، وتستحيل إلى دماء.
هذا هو الحب الذي عرف الناس قيمته في القديم والحديث. وقالوا: لو ساد الحب ما احتاج الناس إلى العدل ولا إلى القانون.
ولنقرأ إذا ما كتب الدكتور عن (حب الله):
المؤمن بعقيدة الإسلام نفذ إلى سر الوجود فأحب الله واهب الحياة، ومصدر الخلق والأمر، والإيجاد والإمداد.
أحبه حب الإنسان للجمال، فقد رأى في كونه أثر الإبداع والإحكام.وأحبه حب الإنسان للكمال، وهل هناك -في الحقيقة- إلا كماله سبحانه؟ وكل ما نرى من مظاهر الكمال النسبي إن هي إلا ذرات مستمدة منه، ومفتقرة إليه.
وأحبه حب الإنسان للإحسان، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. وأي إحسان كإحسان من خلقه من عدم، وجعله بشراً سوياً، واستخلفه في الأرض، وسخر له الكون جميعاً منه.
أحبه لهذا كله ولأكثر منه، حباً يفوق حب الإنسان لأبويه، بل لولده بل لنفسه، وأحب كل ما يجيء من قبله وكل ما يحبه سبحانه، أحب الكتاب الذي أنزله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأحب النبي الذي أرسله رحمة للعالمين، وأحب كل إنسان من أهل الخير والصلاح الذين يحبهم ويحبونه، وجعل دعاءه ما كان يدعو به محمد رسول الله: “اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك واجعل حبك أحب إلى من الماء البارد”.
(حب الطبيعة):
والمؤمن في ظل الإسلام كما أحب الله أحب الطبيعة والوجود كله، إنها أثر من آثار ربه، الطبيعة ليست عدواً للإنسان ولكنها مخلوق سخر لخدمته، ليساعده على القيام بمهمة الخلافة في الأرض، وكل ما في الكون ألسنة صدق تمجد الله وتسبحه بلغة قد لا تفهمها العقول البشرية المحدودة، حب الطبيعة الحق يتمثل في المؤمنين الذين يرون وجه الله في هذه الطبيعة، ويرون فيها قرآنه الصامت الدال على ألوهيته، ويتمثل هذا الحب بأجلى صوره في رسول الإسلام الذي أعلن هذا الحب حتى للجبال : أحد جبل يحبنا ونحبه (البخاري).
(حب الحياة):
وكما أحب المسلم الطبيعة أحب الحياة، ولم يعتبرها ذنباً جنى به عليه أبواه، ولا عبئاً يجب أن يلقى، ولا سجناً يجب أن يهرب منه، إنما هي رسالة تؤدى ونعمة تشكر.
وفي الحديث النبوي “خير الناس من طال عمره وحسن عمله”، فالحياة خير على كل حال، فإن قعدت به العزيمة فليقل: “اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي”.
(حب الموت):
والمؤمن لا يحب الحياة حب الحريص على متاعها الأدنى، المتهافت على لذائذها، حباً يخيفه من الموت، ويلصقه بتراب الأرض، بل أحب المؤمن الحياة لأنه يقوم فيها بحق الله في الأرض، وأحب الموت لأنه يعجل به إلى لقاء ربه. وفي الحديث: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه”.
وكان سيف الله خالد بن الوليد حينما يرسل إلى قائد من قواد الفرس أو الروم يختم رسالته بعد الدعوة إلى السلام والإسلام بقوله: وإلا … رميتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة..!!!
(حب الناس):
وأحب المؤمن الناس جميعاً، لأنهم اخوته في الآدمية، وشركاؤه في العبودية لله، جمع بينه وبينهم رحم ونسب، كما جمع بينهم هدف مشترك وعدو مشترك …
أما الرحم العامة الواشجة فقد قال فيها الله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام).(النساء: 1)
وأما الهدف المشترك والعدو المشترك … فقال فيهما: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور * إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) (فاطر: 5، 6)
وعقيدة المسلم لا تسمح بنـزعات عنصرية، ونعرات جنسية، فالمسلم يعتقد أن الناس جميعاً لآدم وآدم من تراب، وأن اختلاف اللغات والألوان ليس إلا دليلاً على قدرة الله، وعلى عظمة الصانع وآية من آياته في خلقه.
(المؤمن سليم الصدر لا يحسد ولا يحقد):
وأن أدنى ثمرات المحبة التي يغرسها الإيمان في قلب المؤمن هي سلامته من الغل والحسد، فإن أنوار الإيمان كفيلة أن تبدد دياجير الحسد من قلبه، وبذلك يمسي ويصبح سليم الصدر، نقي الفؤاد،والمؤمن لا يحسد، لأنه يحب الخير لعباد الله جميعاً، وهو لا يعارض ربه في رعاية خلقه أو تقسيم رزقه (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيراً بصيراً) (الإسراء: 30).
إنه مؤمن بعدل ربه فيما قسم من حظوظ، وما وزع من مواهب، ويعتقد أن قضاءه تعالى في خلقه صادر عن حكمة بالغة يعرف منها ويجهل، وقد قيل: “الحاسد جاحد؛ لأنه لم يرض بقضاء الواحد”.
ومن هنا نرى المؤمن لا يفرح بالمصيبة تنـزل بغيره، ولا يحزن للنعمة يسوقها الله إلى عبد من عباده، وقال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا … إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في جنب الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على الدنيا وهو يصير إلى النار؟”.
والمؤمن لا يحقد، لأنه عفو كريم، يكظم غيظه وهو يستطيع أن يمضيه، ويعفو وهو قادر على الانتقام، ويتسامح وهو صاحب الحق، لا يشغل نفسه بالخصام والعداوات، فالعمر لا يتسع لمثل هذا العداء، والدنيا لا تستحق عنده هذا العناء. فكيف يسلم قلبه لله للعداوة والأحقاد فتنهشها أفاعيها السامة؟
هذا -وسلامة القلب من الضغن والحسد أول ما يتصف به المؤمن، بل أدنى ما يتصف به. ولا يكمل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
(الإيثار من خصائص المؤمنين):
وأعلى درجات الحب أن يؤثر الإنسان أخاه على نفسه فيجود له بالشيء وهو محتاج إليه، يجوع ليشبع أخوه، ويكد ليرتاح، ويسهر لينام.
وهذا المعنى مقطوع من جذوره في بيئات الملحدين والماديين، فإن المؤمنين يؤثرون ابتغاء وجه الله ومرضاته ومثوبته، وأما أولئك فلوجه من يؤثرون؟ وعلام يؤثرون؟
والموأخاة بين المهاجرين والأنصار يشهد لها التاريخ :قال عبد الرحمن بن عوف المهاجري القرشي: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله بيني وبين سعد بن الربيع -الأنصاري الخزرجي- فقال سعد لي: “إني من أكثر الأنصار مالاً، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها”، وقابل عبد الرحمن هذا الإيثار الكريم من سعد بعفاف كريم منه فقال: “بارك الله لك في أهلك ومالك … دلوني على السوق”.
(عاطفة الكره وإلى أين وجهها الإسلام؟):
ولكن مما لا ريب فيه أن في كل إنسان عاطفة أخرى غير الحب. عاطفة البغض والخوف والمقت، وهي التي تفيض بالحقد والشر والخرب والدم، وقد قسم الإسلام العالم البشرى إلى قسمين فقط، أولياء الله وأولياء الشيطان، أنصار الحق وأنصار الباطل، ولم يشرع حرباً ولا جهاداً إلا ضد أنصار الباطل وأولياء الشيطان أينما كانوا ومن كانوا فقال: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) (النساء: 76)
وهكذا ضاقت دائرة البغض، وانكمشت عاطفة الكره عند المؤمن، فلم يعد يبغض لمنفعة شخصية، ولم يعد يبغض لعصبية قبلية أو قومية أو إقليمية أو طبقية، ولم يعد يبغض لحقد أو حسد، وإنما أنحصر بغضه في مجال واحد هو البغض في الله، أي من أجل الحق وحده، وفي ذلك يقول الحديث النبوي: “من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان”.
(التسامح جزء من العقيدة):
ومع انحسار دائرة الكره في أهل الباطل والإثم والعدوان، فإن كراهية المؤمن لهم ممزوجة بالألم من أجلهم، والإشفاق عليهم، وتمني الخير لهم، والدعاء لهم بالتوفيق والهداية “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون” (لعلك باخع نفسك (أي قاتلها) ألا يكونوا مؤمنين) (الشعراء: 3).
ذلك أن المسلم يعتقد جازماً أن من مقتضيات الإرادة الإلهية التي لا تخلو من الحكمة اختلاف الناس في الدين والإيمان، وإذا كانت مشيئة الله نافذة -ومشيئته تعالى مرتبطة بحكمته- فكيف يقاوم المؤمن مشيئة الله، أو ينكر حكمة الله؟
ثم ان الله قد أمر نبيه المصطفى أن يتجنب اللجاجة في الجدل مع المخالفين، وأن يكل أمرهم إلى الله، ويعلنهم أن يوم الفصل بين المختلفين إنما هو يوم القيامة، فلا داعي للجدال الذي يثير الفتن، والمراء الذي يوغر الصدور.
ذلك هو المؤمن بعقيدة الإسلام: أحب الوجود كله، أحب الله والطبيعة، أحب الحياة والموت، أحب القدر حلوه ومره، أحب الناس جميعاً وإذا كره ولابد فإنما يكره الشيطان، ويكره حزب الشيطان، كرهاً مقروناً بالرحمة والإشفاق وحب الخير، للناس جميعاً.
الفصل الثامن والأخير في الباب الثاني يتحدث عن (الثبات في الشدائد) فــ(الحياة لا تخلو من الشدائد):
“عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير -وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” (حديث شريف رواه مسلم).
أن طبيعة الحياة الدنيا، وطبيعة البشر فيها، تجعلان من المستحيل أن يخلو المرء فيها من كوارث تصيبه، وشدائد تحل بساحته، فكم يخفق له عمل أو يخيب له أمل. أو يموت له حبيب. أو يمرض له بدن، أو يفقد منه مال، أو .. أو .. إلى آخر ما يفيض به نهر الحياة …
وإذا كان هذا سنة الله في الحياة عامة، وفى الناس كافة، فإن أصحاب الرسالات خاصة أشد تعرضاً لنكبات الدنيا وويلاتها،سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: “الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة” (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
(الملحدون أشد الناس جزعاً):
وقد أثبت الاستقراء والمشاهدة أن أشد الناس جزعاً، وأسرعهم انهياراً أمام شدائد الحياة هم الملحدون والمرتابون وضعاف الإيمان،إنهم لا يؤمنون بقدر فيرضوا به، ولا بإله فيطمئنوا إلى حكمته في خلقه، ولا بأنبياء فيجدوا في حياتهم القاسية قدوة وعبرة، ولا بحياة أخرى فتهب عليهم نسماتها منعشة للنفس، وطاردة للكآبة، باعثة للأمل.ولا غرو أن نجد الانتحار أكثر ما يكون في البيئات التي ضعف دينها أو فقدته، فإن لم يكن الانتحار فهو الألم القاتل، والجزع الهالع.
(ثبات المؤمن ومصدره):
أما المؤمنون فهم أصبر الناس على البلاء، وأثبتهم في الشدائد، وأرضاهم نفساً في الملمات.
عرفوا قصر عمر الدنيا بالنسبة لعمر الخلود فلم يطمعوا أن تكون دنياهم جنة قبل الجنة، وعرفوا من سنن أنبيائهم ورسلهم أنهم أشد الناس بلاء في الحياة الدنيا، وأقل الناس استمتاعاً بزخرفها، فلم يطمعوا أن يكونوا خيراً منهم، ولهم فيهم أسوة حسنة، قال ابن القيم: يا مخنث العزم … الطريق تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، وتعرض للذبح إسماعيل، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى …
وعرفوا أن ما ينزل بهم من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة أزلية، وكتابة إلهية، فآمنوا بأنه ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم … (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير) (الحديد: 22).
وعرفوا أن من صفته تعالى إن يقدر ويلطف، ويبتلي ويخفف، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره (إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم) (يوسف: 100).
وعرفوا من لطف ربهم أن هذه الشدائد دروس قيمة لهم، وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم، تنضح نفوسهم، وتصقل إيمانهم، وتذهب صدأ قلوبهم “مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها” وما أبلغ ما قال الرافعي: “ما أشبه النكبة بالبيضة، تحسب سجناً لما فيها وهي تحوطه، وتربيه وتعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضى إلى غاية، ثم تنقف البيضة، فيخرج خلق آخر.
وعرفوا من مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية ما عرفه أحد السلف حين قال: “وما أصبت في دنياي بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني أرجو ثواب الله عليها”.
فكل مصيبة في دنيا الإنسان قد تعوض بخير منها، أما مصيبة الدين فخسارة لا تعوض، وكان مما علمه نبي الإسلام لأمته أن يقولوا: “اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا” (رواه الترمذي والحاكم).
وإن كل مصيبة لا شك أن هناك أكبر منها، والمؤمن ينظر بعين بصيرته فيحمد الله على أمرين: أولهما: دفع ما كان يمكن أن يحدث من بلاء أكبر، وثانيهما: بقاء ما كان يمكن أن يزول من نعمة غامرة وفضل جزيل. فهو ينظر إلى النعمة الموجودة قبل أن ينظر إلى النعمة المفقودة، وينظر إلى البلاء المتوقع بجانب نظره إلى البلاء الواقع.
وهذا بلا شك يحدث كثيراً من الارتياح والرضا، فالبلاء المتوقع كثير وقد دفع عنه، والنعم الموجودة كثيرة وقد بقيت له.
ورجاء مثوبة الله تعالى على ما يبتلى به الإنسان في دنياه نعمة روحية أخرى تهون على الإنسان البلاء، وهذه المثوبة تتمثل في تكفير السيئات، وما أكثرها!! وزيادة الحسنات، وما أحوج الإنسان إليها!! وفي الحديث الصحيح: “ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه”.
أما الملحدون أنفسهم فقد شعروا بأن أنظمتهم وفلسفتهم المادية الجامدة لا تستطيع أن تهب للناس الروح المعنوية التي تهون عليهم الشدائد، وتمدهم بالصبر والثبات في الأزمات.
(الباب الثالث: الإيمان في حياة المجتمع)
(الفصل الأول الإيمان والأخلاق) فالحيوان قد هداه الله فجعل غرزيته تكفيه في تنظيم حياته وهذا واضح في مجتمعات النمل والنحل وغيرها، أما الإنسان فغرائزه متعددة متنوعة معقدة فمالذي يضع للإنسان القواعد الأخلاقية السليمة الصحيحة فإذا كان القانون وحده لا يكفي لضبط السلوك الإنساني( لأن سلطانه على الظاهر لا على الباطن ، وإمكانية الالتفاف والتحايل عليه سهلة سائغة كما أنه لا يكون دافعا للخير ) فإن الفلسفة الأخلاقية لا تغني بحال أيضاً ( لأنها بل يمكن أن توجه إلا أفراد معينين وبتأثير محدود ثم أي فلسلفة نتبع؟ ومالجزاء الذي يناله المرء على استمساكه بفضائل الأخلاق ؟) فالمقصود إذا لتوجيه وقيادة سلوك الإنسان هو الأخلاق والنبي صلى الله عليه وسلم يلخص رسالته فيقول (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فلا أخلاق من غير دين ، لأن الدين هو المصدر الفذ المعصوم الذي يعرف منه حسن الأخلاق من قبيحها.
كما أن الإيمان يمد المؤمن بالقوى التي تلزمه ليستعلي على الدنيا ولا يرضخ لقوانين الغاب.
وماذا عن سلطان الغرائز؟ فلا ريب أن للغرائز (الجنسية، الغضبية، الأنانية ..) في دفع الإنسان سلطان لا ينكر، فما هو السبيل إلى تهذيب هذه الغرائز وتوجيهها إلى الأقنية المناسبة لتكون بنّاءة لا هدّامة، ليس ذاك إلا الإيمان (طبعاً والتفاصيل والأدلة موجودة في طيات الكتاب).
وللعادات أيضاُ سلطان لا يخفى على الإنسان ولقد قال بعض الباحثين: “إن الإنسان يكاد يكون مجموع عادات تمشي على الأرض” ، وللتخلص من عادة متمكنة لابد من إعلان حرب عليها: حرب ساخنة ملتهبة، لا ينتصر فيها إلا من تسلح بإرادة قوية، وعزم فولاذي لا يتزعزع ولا يلين، وتصميم على الانتصار لا يشوبه يأس أو تردد أو تراخ. ومن لنا بالعزم والتصميم الذي يقهر العادة ويدحرها؟ إنه الإيمان الذي يشحذ العزائم، ويسمو بالنفوس ويمدها بقوى المقاومة والجلاد الباسل،ولقد قال أحد الكتاب الغربيين بحق: “إن طلب شيء في تصميم وقوة يتطلب روحاً من التعبد والتقشف، أي تكريس الحياة لبلوغ مثل أعلى واحد، اختاره الإنسان بعناية وتفطن … إن الإرادة تغلب دائماً الثقافة، حينما تكون الثقافة لا المبادئ الدينية هي التي يرتكز عليها تصميم المرء ونشاطه ومدده الروحاني”.
وللإيمان كذلك أثره الواضح على الضمير، ذاك الصوت الداخلي المحرض على الخير المحذر من الشر، الراضي عن فعل الأول، والمؤنب على إرتكاب الآخر، إنه يشحذه ويقويه ويزيد إلى سلطانه سلطانا.
ثم يضرب المؤلف أمثلة عديدة لعجز القوانين (لوحدها) عن الردع والتصويب، وعن قوة الإيمان في ان يسود بالمجتع كل مظاهر العدل والإنضباط بالدساتير التي فيه. ويعرض أمثلة أخرى عن الإيمان وأثره على المعاملات المالية بين التجار والعلاقات الإجتماعية بين الناس، ومنهج الحكم عند الحكام ويفصل في ذلك كثيراً.
ويختم المؤلف هذا الفصل بتفصيل بيان “خرافة الضمير بلا إيمان” حيث يوضح بان الضمير وعاء، وبحسب نا يفرغ فيه من دين وقيم وثقافة واحتكاك مع الآخرين يأخذ صبغة معينة، فهو إذا ليس مقياس ثابت معصوم وإن كان فطري. ففي العصور الوسطى، فإن أكثر الناس رقة لم يكن يحسب نظام الرقيق إلا الدعامة الإقتصادية والإجتماعية الكبرى في المجتمع آنذاك، ولكن هذه النظرة إختلفت الآن جذرياً، فأين ثبات الضمير!!
(الفصل الثاني : البذل والتضحية): الأنانية هي جزء من الكيان الفطري للإنسان كما هو الحال بالنسبة للإجتماعية فيه، بيد أنه لو ترك الإنسان لهذه الأنانية تسطير على نفسه لعم الخراب في المجتمع، إن الأنانية الفردية تقتضي بطلب السلامة، وهي لا تعترف بالتضحيات الكبيرة في سبيل فكرة او نهضة أو حضارة، فينعدم عندئذ سبيل النهضة والرقي.
إن الإيمان – والإيمان وحده – هو من يهون على المؤمن الدنيا بما فيها، وبل ويهون عليه بذل روحه في سبيل نصرة قضيته وفكرته، وفي سبيل توضيح هذه الفكرة ساق الدكتور النماذج تلو النماذج ضاربا بهم المثل في التضحية والفداء.
(الفصل الثالث : القوة ) : للإنسان في الحياة آمال عريضة، وأهداف قريبة وبعيدة، ولكن الطريق إليها شائك وطويل، والعقبات متنوعة، والمعوقات آثيرة، بعضها من الطبيعة وسنن الله فيها، وبعضها من البشر أنفسهم، فلا غرو أن يظل الإنسان في جهاد دائب، وعمل متواصل، ليتغلب على الآلام والمعوقات ويحقق الأهداف والآمال. وما أشد حاجة الإنسان إلى قوة تسند ظهره، وتشد أزره، الإيمان بالله هو الذي يمدنا بروح القوة، وقوة الروح، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا عذاب الله، ولا يبالي بشيء في جنب الله. وفي الحديث “لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال”. فالمؤمن قوي، لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير، الذي يؤمن به، ويتوآل عليه، ويعتقد أنه معه حيث آان، وأنه ناصر المؤمنين، وخاذل المبطلين،فكيف ينحني للخلق ومعه الخالق؟ويستمد المؤمن قوته كذلك من الخلود الذي يوقن به، ثم هو يستمد قوته من القدر الذي يؤمن به، فهو يعلم أن ما أصابه من مصيبة فبإذن الله، وأن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه،المؤمن يعتقد أن رزقه مقسوم، وأجله محدود، لا يستطيع أحد أن يحول بينه وبين ما قسم الله له من رزق، ولا أن ينتقص ما كتب الله له من أجل، وهذه العقيدة تعطيه ثقة لا حدود لها، وقوة لا تقهرها قوة بشر. وقد كان الرجل يذهب إلى الميدان مجاهداً في سبيل الله فيعترض سبيله المثبطون، ويخوفونه من ترك أولاده. فيقول: علينا أن نطيعه تعالى كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا. وتمد الأخوة بين المسلمين بعد ذلك ،المؤمن بالعزيمة وشحذ الهمهم.
ثم إن هذه القوة النفسية تثمر : إلتزام الحق مع القريب والبعيد، الإستهانة بالقوى المادية، الإخلاص في القول والعمل، التحرر من الخوف والحرص، الاستخفاف بالجبابرة والضغاة
(الفصل الرابع: الرحمة) : الإنسان من غير قلب أشبه بالآلة الصماء، ومن غير رحمة أقرب إلى الجماد، والمؤمن إنسان ذو قلب رحيم لأن مثله الأعلى أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، ولاسيما التي وسعت كل شيء، فرحمة المؤمن تسع أخوانه بقضاء حوائجهم وخفض الجناح لهم، وتسع الغافلين المذنبين بنصحهم بلطف ودون تعنف، وتسع الحيوانات فقد دخلت إمرأة النار في قطة حبستها، وتسع الجمادات، وبل وقد وصف الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون حروب المسلمين فقال : ما عرف التاريخ فاتحاً اعدل ولا أرحم من العرب! ومن مظاهر المرحمة الإجتماعية ماعرف بنظام “الوقف الخيري” وهو أشبه بالجمعيات الخيرية في عصرنا هذا.
وفي المقابل نرى ان أبشع الجرائم في التاريخ إرتبكبها من لايؤمن بالله ولا باليوم الآخر، كفرعون ونيرون الذي أحرق روما، ولينين الذي قال : “إن قتل ثلاثة أرباع العالم يهون في سبيل أن يصبح الربع الباقي شيوعياً، وثورة المجر….
(الفصل الخامس: الإيمان والإنتاج): والمقصود ههنا بالإنتاج :الإقتصادي خاصة، والمادي والمعنوي عامة. فالعمل قرن مع الإيمان في أكثر من سبيعن موضعاً في القرآن، ولم يكتف بمجرد العمل ولكنه يطلب عمل “الصالحات”، وهي كلمة جامعة من جوامع القرآن تشمل كل ما تصلح به الدنيا والدين، وما يصلح به الفرد والمجتمع، وما تصلح به الحياة الروحية والمادية معاً. والمؤمن بعد ذلك لايساق إلى العمل سوقاً تحت سياط التخويف وإنما يندفع المؤمن إلى العمل بحافز من نفسه وباعث من ذاته، ذالك الباعث الذاتي هو الإيمان بالله وبرسالة السماء وبمهمته في عمارة الأرض والسيادة على الكون. الذي هو شرط السعادة في الدنيا ودخول الجنة في الاخرة.
وعدد المؤلف بعد ذلك ثمار الإيمان وأثرها على إنتاجية المؤمن العامل، ثم ذكر بعض الشبهات فيما يتعلق بالنظام الإنتاجي في حياة المسلمين وفندها.
(الفصل السادس: الإيمان والإصلاح): ان الإيمان وضع قانون الإصلاح الجوهري (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ) فتغير المجتمع وإصلاحه يبدأ بتغيير الفرد لنفسه من الداخل وإصلاحها، وإن هذه المهمة لمهمة صعبة، لكن الإيمان يسهلها، ويلغي مايقره علماء التربية من أن سن الطفولة هو سن تكوين العادات فإذا فات، فات معه الأمل في إصلاح مستقبلي، فإن الإيمان إذا خالطت بشاشته قلب عبد (مهما كانت عمره) هذب من أخلاقه وغير من طباعه.
ثم يعرض الدكتور حفظه الله ونفعنا بعلمه ثلاثة شبه عن إمكانية الإستغناء عن الدين بالعلم، فيعرض هذه الشبهات ويفندنها بدء من الصفحة 173، والإطلاع على هذه الشبهات والرد عليها من الأهمية بمكان بحيث لا مجال لسوقها ملخصةً.
ويفند في النهاية الشبهة القائلة بان في علم النفس الحديث غنى عن الدين.
وقد ورد فيها كلام نافع جداً مفيد، مؤثر إلى أبعد الحدود، واستشهد المؤلف من نقولات كثيرة،و كان موفقاً جداً في هذه الفقرات المتتابعة.
حمل نسخة من الكتاب من هنا
تم بفضل الله تعالى
1/3/1430