الشابكة .. ما بني على باطل

مع تلاحق أحداث الثورات العربية تتعاظم مخاوفي ويزداد قلقي إزاء إعتمادنا على شبكة غير حرة في تحقيق حريتنا .. علي أساهم بهذه التدوينة في توضيح حقيقة الأمر وخطورته ..

**شبكة الانترنت العالمية (الشابكة) بوضعها الحالي ليست تطبيقًا للفكرة النظرية التي بدأ العمل على تطبيقها **منذ حوالي ثلاثين عامًا، في ذلك الوقت كان هناك فكرة رائعة تقول ‘لو ربطنا أجهزة الكمبيوتر في العالم مع بعضها البعض سنحصل على موارد غير مسبوقة، ونتيح تواصلا وفعالية رهيبة’ ..
لكن الشابكة حاليًا هي تطبيق لفكرة أخرى تمامًا، حيث مئات الملايين من أجهزة الكمبيوتر حول العالم تتصل ببضعة مئات من الكمبيوترات المزودة (السيرفرات)، المجموعة الاولى : لا تملك شيء ، والمجموعة الثانية : تملك كل شيء ..
المجموعة الأولى ضعيفة وتزداد ضعفًا
والثانية قوية وتزداد قوة
نتيجة هذا الوضع الخاطئ ظهرت أشياء لم يكن من المفترض أن تظهر : يمكن للحكومات أو الشركات التحكم بالشابكة، وحجب بعض مواقعها، ومراقبة بعضها اﻵخر .. الحجب والمراقبة لا يمكن اعتبارهما من ‘سلبيات’ الوضع القائم، بل هما أخطر من ذلك بكثير ..

أضف إلى الحجب والمراقبة، التكلفة، عندما يكون هناك كمبيوتر ضخم تتصل به لتتلقى كل شيء فإنك بالتأكيد ستدفع لمن يقدم لك هذه الخدمة، لكن في الحالة الثانية والتي كان من المفترض أن تطبّق لا يوجد تكلفة تقريبًا!
تخيّل إنترنت مجاني لكافة طبقات المجمتع .. إنها الثورة بعينها 🙂
وليت أن الأمر يتوقف عند المراقبة والحجب والتكلفة، لم نتحدث بعد عن الأخطر .. إنها بياناتك الخاصة ..

فبحكم أنك ضعيف، فبريدك الإلكتروني وحساباتك في المواقع الاجتماعية، واللذان يضمان كل معلوماتك الخاصة والشخصية، لا يمكنك تملكهما حقيقةً ..
إنك تنام في بيتك، اما معلوماتك تلك فتنام في إحدى ضواحي أمريكا!
حقيقةً لا يمكنك أن تثق بأي شركة مهما قطعت لك من عهود ومواثيق .. كل شيء عنك يملكه الطرف القوي، وهذا يزيد من قوته ويزيد من ضعفك ..

قطع الاتصال عنك : وكلنا شاهدنا ونشاهد كيف تلجئ الأنظمة المتهاوية إلى قطع الاتصال بالشابكة عن الجميع، فالمسألة بيدهم، ماهي إلا مزودات للخدمة، وتقطع .. قطع الاتصال سيعني ارتكاب مجازر والبطش الأمني في غياب الرأي العام العالمي ..

ليس هذا فحسب، فالقائمة طويلة حقًا .. بل إن هناك توجهًا عند الشركات ليس للإبقاء على هذا الوضع الراهن، بل إلى تكريسه وزيادته، والوصول بعدها إلى نقطة اللاعودة .. النقطة التي يصبح عندها من العسير جدًا التفكير في إعادة تشكيل الشبكة العالمية لتكون كما كان يفترض لها أن تكون ..
هذا التوجه يتمثل في** ‘الحوسبة السحابية‘** ..
ولمن لم يقرأ هذا المصطلح في مكان آخر، فهو يعني ببساطة أن يكون مهمة نظام التشغيل لديك هو الوصول إلى الشابكة .. دعوني أكرر : المهمة التي يجيدها نظام التشغيل هو الوصول إلى الشابكة، وليس إدارة التطبيقات وتشغيلها!!
وبعد أن تصل إلى الشابكة ستجد هناك ما يسمى بتطبيقات الويب، فمثلًا حتى تكتب تقريرك الأسبوعي في مخبر الجامعة، تقوم بتشغيل جهازك الحاسوب، ومن ثم تفتح متصفح الويب، وتدخل إلى تطبيق : مايكروسوفت وورد أون لاين، وسيظهر لديك ذات الواجهة التي ألفتها .. تقضي عملك، ثم تحفظ تقريرك على أحد المواقع التي تقدم خدمة حفظ الملفات وتغلق جهازك ..
جميع البرامج ستتحول لتطبيقات ويب مع المستقبل .. فالتحرير الصور ستدخل لتطبيق الفوتوشوب على الشابكة، ولتفقد الرزنامة وجدول مواعيدك ستدخل إلى الشابكة وهكذا ..
جهازك الحاسوب لن يساوي قيمة المعدن الذي صنع منه بدون اتصال دائم وسريع .. هذا الوضع (الذي بدأ يتحقق وينتشر في آخر خمسة سنوات) يزيد من ضعف جهازك حتى آخر حد .. إنك لا تملك شيء، ولا حتى البرامج التي يمكنك من خلالها تأدية مهامك اليومية ..
الحوسبة السحابية لها فوائد، ففي المثال الذي ذكرته قبل قليل، لن تضطر لأن تأخذ تقريرك على فلاش ميميوري لطباعتها في المكتبة (أين الفلاشة؟ أوو لقد نسيتها في المنزل!!) ولن تقلق بشأن توافق الإصدارة بين البرنامج الذي تستعمله في المنزل والبرنامج الذي ستجده في المكتبة ..
لكن لا تنس بأن هذا التواصل يتم عبر المزودات الضخمة القوية، التي تزيدك ضعفًا!!

حسنًا .. كيف يجب أن تكون الشابكة ؟ ما هي الفكرة النظرية التي وضعت ولم تطبق ؟
الفكرة هي أن يملك كل واحدٍ منّا في منزله صندوقًا صغيرًا، يضم بريده الالكتروني وحساباته الاجتماعية، ومدونته، وموقعه الخاص، وملفاته التي يرغب بمشاركتها مع اﻵخرين …
ثم أن تتصل هذه الصناديق مع بعضها البعض، ومع صناديق الشركات ومواقع الخدمات الأخرى .. وهكذا .. عندها لن يستطيع أحد قطع الاتصال فيما بيننا، لأن صناديقنا متصلة مع بعضها بشكل مباشرة دون الحاجة لمزود، يمكن التحكم بالخدمة التي يقدمها، ولن يمكن لأحد أن يراقبنا، أو أن يفرض علينا التكلفة التي يريد أو …
هل تقصد أن يملك كل واحدٍ منا سيرفر في منزله ؟ إنه مكلف للغاية وصعب وإدارته تتطلب خبرة عالية ووو
تقريبًا، نعم سيرفر في المنزل، لكنه رخيص، بسيط، ولا يحتاج لخبرة في إدارته، فقط بعض التعليمات ..

هل فكرتي واقعية في إعادة بناء شبكة الانترنت ؟
أولًا … هي ليست فكرتي، هي فكرة ‘اﻵباء المؤسسين’ ^_^
ثانيًا .. لقد بدأت مؤسسة البرمجيات الحرة بإنتاج مثل هذا الصندوق فعلًا!! وهو يسمى ‘صندوق الحرية’ ..
وهو الخطوة الأولى للعودة بالشابكة إلى فكرتها الأولى : جميع الأجهزة تتصل مع بعضها البعض، وليس عبر مزودات عملاقة تملك وتتحكم بحريتنا ومعلوماتنا ..