/ فقه الثورة

إلى أصدقائنا العَلمانيين : لا صمت بعد اليوم

قد لا يكون الساكت عن الحق شيطانًا أخرس وحسب، بل غالبًا ما يحمل الصمتُ رسالةً مفادها التأييد والموافقة للشخص المتحدث، وحول هذه الفئة، فئة الطيبين الصامتين تدور معركة هامّة بين الحق والباطل، فدائمًا ما يراهن الطرفين على أن هذه الفئة – الصامتة – هي إلى جواره وتؤيده.
وتبلغ خطورة هذا الموقف، ذروتها حينما يكون الصراع بين مشروعين، أو فالأكن أكثر وضوحًا : بين مشروع إسلامي ومشروع ليبرالي – عَلماني، ففي حمأة المشادات التي تدور بين الطرفين أحيانًا ، يراهن العَلمانيون على أن الفئة الصامتة في المجتمع هي لصالحهم ومتعاطفة معهم، لكنها تخشى التعبير عن رأيها، وأن “الصمت دليل الرضى”، فحينما يكتب أحد أنصار التيار التغريبي مقالةً في مجلةٍ أو صحيفةٍ محلية ولا يجد من يرد عليه، توضحيًا أو تبيانًا أو مناقشةً، يزهو صاحبنا هذا وينتفخ ريشه، فلا يوجد من يرد عليه، وهذا يعني – عنده – أن المجتمع بأغلبه يقف إلى جواره.

ولا أظن أنه من الصواب أن نترك الساحة الإعلامية، ومنابر الكلام لأصدقائنا الحريصين على بناء “وطن القانون والحريات”، فتجدهم في الفضائيات والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت، يدعون لآرائهم ويشرحونها ويروّجون لها ويبشّرون بمجيئها، ثم نلتزم الصمت – من طرفنا – زاعمين بأن حججهم واهية، وكلامهم سخيف، ومنطقهم ممجوج، ولا أحد يستمع لهم.
لا يمكننا أن ننكر التأثير الذي أحدثوه في مجتمعاتنا، أو أن نعزوا هذا التغيير إلى عوامل أخرى، ناسين أو متناسين عشرات السنوات من الطعن في الدين وتشويهه، والقدح في العلماء وتسفيههم، وجهودهم في تمرير القوانين، وتشويه الثقافة والتاريخ ورموزهما…

إن السير في شوارعنا اليوم يعطي صورةً عن مقدار النخر والتغريب الذي حققوه في مجتمعاتنا، وعلى الرغم من ذلك، فإن الأقلام والأفواه التي ترد – بمنطقٍ وعقلانية – على أصحاب المشروع التغريبي وعلى أفكارهم، لا تتغلب على الزخم الذي يحققوه.
لكن ماذا لو قرأتَ مقالةً لصاحبنا الليبرالي اليوم، وقرأت في اليوم التالي عشرات الردود عليها، إن هذا يشكّل ما يعرف باسم “الضغط الشعبي”، وهذا ما يعطي إنطباعًا عن رفض المجتمع ومحاربته لمظاهر التغريب.
لا أتحدث هنا عن “عدد” و “كم” يجب أن نحققه، حتى نظهر على أننا أكثرية (ونحن كذلك فعلًا)، لكني أتحدث بشكل أساسي عن أن يعلن كل واحدٍ منا موقفه صراحةً وعلانية، تجاه ما يبث من أفكار وتطلعات عَلمانية وليبرالية وغير ذلك، ليس من الصواب أن ترفض وتنكر ما تسمع ثم تصمت ولا تعبّر عن رأيك هذا، عبّر عن رفضك لمشروعهم كلما أحدثوا زوبعةً إعلاميةً ما ولا تعطهم إيحاءً بأنك توافقهم بصمتك هذا ..

كما أن عدم الرد على أفكار الطامحين بـ “دولة الدستور والديمقراطية” تجعل أفكارهم تبدو قويةً مستحكمة صعبة المناقشة، وخفيٌ الباطل فيها. عندما ينشر أحدهم مقالةً أو كتابًا ليعلن “جناية البخاري” و “جناية الشافعي”، لماذا نصمت ؟ أتحدث بجدية …
المجتمع التدويني قد تقوم قيامته لأجل أشياء أقل من ذلك، فلماذا لا تجنّد اﻷقلام توضيحًا للحقيقة ونشرًا لها..
أفكار أصحابنا العَلمانيين واهية واهية واهية، وأوهى من بيت العنكبوت، لكن الزخم الإعلامي والترويج وعدم وجود من يوضّح الحقائق؛ كل هذا (وغيره) يساهم في نشر هذه الأفكار بل وترجمتها سلوكيًا.

دار الحديث في فترة من الفترات عن “التدوين المقاوم”، وأهميته وخطوطه العريضىة، لكن “التدوين المقاوم” يبدو أنه توقّف بعد توقف الهجمات العسكرية للعدو على المقاومة، رغم أن أم المعارك – معركة الإعلام لم تنتهي بعد، ولن تنتهي، وعلى الرغم من أن الرابح في هذه المعركة هو الرابح على أرض الواقع .. إلا أننا لا نهتم بالمقاومة عن طريق التدوين (وغيره)

هذه دعوة لكل صحاب قلم أن يكتب، على الأقل تعبيرًا عن موقفه ووجهة نظره، مهما بدا له أنها بسيطة.
وهذه دعوة للإهتمام بإطروحات أصدقائنا “العقلانيين والتنويريين” والإطلاع عليها ومعرفة كيف يلبسون الحق بالباطل، وكيف يُرد عليهم .
لا أبرئ نفسي من ذنب “الصمت” حيال الكثير مما سمعته وكان بوسعي الرد عليه، لكنه إعترافٌ بالخطأ ومحاولة للتصحيح

لا صمت بعد اليوم، إن شاء الله