/ المجتمع والواقع

عندما يتحول "الإحتياج" إلى عيد تجاري ...

السلام عليكم ..

دون مقدمات أريدك أن تتوقف لثوانٍ قليلة فقط وتتخيل مدى حاجتك للطعام وقد انقطعتَ عنه كلياً منذ ثلاثة أيام! أنت مرهق للغاية، تعب، ضجر، لا يمكنك أن تؤدي واجباتك مهما كانت، لا يمكنك سماع نكتة سمجة، ليس بمقدورك مناقشة أحد، لا تقوى على قراءة كلمة … كل ما تريده أن تسد احتياجك الفسيولوجي الطبيعي … ولو بلقيمات بسيطة تقيم بها صلبك! … توقف لثوانٍ وتخيل المشهد ..

المشكلة يا عزيزي عندما لا تعي حاجاتك … عندما لا تدرك أنه لن يكون بمقدورك أن تعيش حياة سليمة سوية دون كذا وكذا … أسألوأ من حولكم “عدد لي الحاجات الأساسية للإنسان والتي لا يمكنه أن يعيش حياة سوية من دونها؟؟” الكثيرون لم يسمعوا عن “حاجات” للإنسان بإستثناء تلك الفسيولوجية منها … إذا قال لك أحدهم “الحاجة إلى الحب” مثلاً … إسأله “ولكني أقول حاجات أساسية؟ ” … ستراه يتراجع عن اجابته …

في كل عام وفي مثل هذه الأيام …. سيقف خطباء المنابر، وغيرهم … مستعرضين الفتاوي أو مذكرين على الأقل بحرمة الاحتفال “بعيد الحب”، يذكرون منشأه (ويختلفون في ذلك)، ويؤكدون حرمته .. يبكون على ضياع أمة محمد … وعلى شبابها المخنث … وفتياتها الساقطات …
لكن هل فكّر أحدهم “بالإحتياج” العاطفي ؟؟ أتسأل …. نعم هم سيذكرون حب الله وحب رسوله وحب الصحابة (آخرون سيذكرون حب آل البيت)، وحب الأم وحب الأب … سيذكرون كلاماً جافاً حول ذلك … يذكرك بجفاف المعادلات الجبرية في حصة دراسية تضعها في خانة “الكراهية” للمصادفة!!
يسيذكرون كلاماً لا تستشعره في حياتك … وسيوردون قصصاً يشهق من يشهق حين سماعها، ويبكي من يبكي وهكذا … سنخرج من المسجد … وينتهي الامر … كما كل جمعة … كما في كل عام …

دعونا نقرأ من ويكيبيديا العربية “يشعر الإنسان بإحتياج لأشياء معينة, وهذا الأحتياج يؤثر على سلوكه, فالحاجات غير المشبعة تسبب توترا لدى الفرد فيسعى للبحث عن إشباع لهذه الحاجة،** الحاجات الغير مشبعة لمدد طويلة قد تؤدى إلى إحباط وتوتر حاد قد يسبب ألاما نفسية** ويؤدى الأمر إلى العديد من الحيل الدفاعية التي تمثل ردود أفعال يحاول الفرد من خلالها أن يحمي نفسه من هذا الإحباط”1
إحباط، وتوتر حاد، وآلام نفسية … هل تفاجأت من خطورة الموضوع ؟؟
إذا عندما لا تعي أن “الإشباع العاطفي” احتياج (هل تشعر بدلالة كلمة إحتياج، اﻵن؟) لن تبالي كثيراً حيال ذلك …. سوف تشعر دائماً بإلحاح الحاجة … ولأنها “حاجة” فالمنافذ الأخرى ستخلق حتماً … علاقة ودية مع فتاة قد تودي إلى الحرام … وتشير الدراسات إلى أن الكثير من الشذوذات الجنسية المنتشرة بين الشباب تعود إلى قلة العاطفة التي تلقوها من ذويهم عندما كانوا أطفالاً …. نعم بهذه الخطورة …

دعونا نقرأ سوياً …… “من أكبر الكذبات التي تروج لها وسائل الإعلام (التلفاز خاصةً) أنها أقنعتنا أن الحب إنما يقذف في قلوبنا كالسهم! أي أنه وليد الصدفة، يغزو القلب بشكل مفاجئ .. لقد غُرس في عقولنا أننا طوع عواطفنا، منفعلين بها، لا نملك أمامها حول ولا قوة!!
وفي الحقيقة وعبر مشاهدتنا لمن استطاع أم يمتلك مهارة عاطفية خاصة تعلمنا ان الحب إنما يصنع صناعة، ويخلق خلقاً. صحيح أننا نميل إلى شخص أكثر من آخر نتيجة التوافق الروحي (الأرواح جنود مجندة .. الحديث) والنفسي الذي نتشابه ونتباين فيه، لكن هذا لا يكفي لبناء علاقة تمنح كلا الطرفين الحب والسعادة والأمان. ما نحتاجه هو أن نبذل الجهد من دواخلنا أولاً،** أن نتحول إلى مصدر إشعاع لهذه العاطفة النبيلة.** اغمر حياتك بالمزيد من الحب وستجد أنك كلما زاد مقدار الحب الذي تمنحه، كلما زاد المقدار الذي تتلقاه ”
وسأختصر لك بعض القواعد المهمة لصناعة الحب، لكن ينبغي عليك التوسع وقراءة المزيد …

  • قبل أن تحب أي أحد لا بد أن تحب نفسك … الحب لا يجعلك قوياً بل ينبغي أن تكون قوياً قبل أن تقدم عليه … الحب عطاء للآخر لكنه ليس فقدان للذات …
  • الحب ليس عاطفة فقط … لكنه باقة من اﻷفعال … أن تحب يعني أن تفعل (أن تهتم، أن تبذل …)
  • قدّر مَن تحب، وأعلمه بمدى أهميته في حياتك وأنه ما يزال الشخص الذي يجعل قلبك يقفز
  • ضخ الحب في كل فعل تقوم فيه لمن تحب.
  • لا تنسى سحر الكلمة .. رغبتنا في سماع الثناء والمدح واحدة من حاجاتنا الأساسية. كن سخياً وصادقاً في مدحك.
  • الإيماءات الودودة، الضغط على اليد، الاحتضان، القبل …. تؤجج الحب
  • اصنع اهتماماً مشتركاً مع من تحب
  • استرجاع الذكريات القديمة … تعيد اشعال الحب من جديد
  • الحب يحتاج إلى رعاية مستمرة وإلا ذبل”2

“عندما نقوم بوضع إيداعات من الحب غير المتحفظ، وعندما نعيش القوانين الأولية للحب، فإننا نشجع اﻵخرين أن يعيشوا القوانين الأولية للحياة. بكلمات أخرى .. عندما نحب اﻵخرين بصدق بدون شرط، وبدون قيود .. فإننا نساعدهم على أن يشعروا بالامان والاطمئنان، وأن يشعروا بإثبات قيمهم الجوهرية وهويتهم ونزاهتهم.”3

في الحديث عن العاطفة وعن الحب كلام كثير … يحتاج إلى مدونات وليس إلى تدوينات … ن**عم إنها فكرة رائعة أن ينشأ أحدهم مدونة مختصة بــ “الذكاء العاطفي” وقوانين المحبة وطرق تنميتها **…. هذه دعوة لأنه نهتم أكثر بالجانب العاطفي في حياتنا … وبإشباع احتياجاتنا العاطفية (وبطرق مشروعة طبعاً) …دعوة لأن نهتم ..

تحية حب إلى كل من أحب …. ولا سيما قراء مدونتي … أقول لكم بصدق … أحبكم … فطالما أدخلتم السرور إلى قلبي بتعليقاتكم … بتشجيعكم … بتعبيراتكم الصادقة … أحبكم …

مصادر الاقتباسات
1- ويكيبيديا
2- كتاب “القرار بين يديك” الدكتور ياسر بكار
3- كتاب “العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية” ستيفن ر.كوفي