مايكروسوفت فوق أن تنتقد، إلزم حدودك

يبدو الأمر طبيعياً أن يقيّم المستهلك البضائع المتوافرة في الأسواق وأن يعطي رأيه بها، فهذا النوع لم يعجبه والآخر لم يجده عملي وهذا غالي وذاك رخيص… وكلنا لديه آراءه حول معظم المنتجات التي يستخدمها، وكثيراً ما نختلف حول جودة منتج ما أو حول سعره …. كل شيء حتى الآن عادي ولا يستدعي كتابة تدوينة …

كلنا يستخدم عشرات البرامج في جهازه، وكلنا جرّب الكثير من الخيارات، حول بعض البرامج التي يستعملها – على الأقل، كلنا أيضاً لديه رأيه حول تلك البرامج، وكثيراً ما نختلف حول ذلك، أحدهم يستخدم الفايرفوكس والآخر لا يستغني عن أوبرا ….. كل شيء حتى الآن عادي ولا يستدعي كتابة تدوينة …

بعضهم يعتقد بأن المستخدم النهائي للمنتج لا يهمه سوى جودة المنتج وسعره، ولا يوجد أية إعتبارات أخرى في عملية الشراء، هذا الكلام صحيح فقط بإعتبار أن الإنسان (وكما تريده الشركات العابرة للقارات) كائن إستهلاكي وظيفته الإستهلاك، والإستهلاك فقط، لا يحمل أي فكر ولا تهمه أيه قضية، إنسان فارغ، المهم أن يملئ بالسلع، وهناك العديد من الخيارات أمامه، سيختار (غالباً) أفضلها جودةً بشكل يتناسب مع قوته الشرائية. ولكن الإنسان الوطني (مثلاً)، الممتلئ وطنيةً، لن يشتري منتج العدو وهو في حال إحتكاك مستمر معه، والإنسان المسلم لن يشتري منتجاً لا يخضع للمعايير الإسلامية، كأن يحتوي على شيء من مشتقات الخنزير أو الكحول، أو أنه لم يذبح بطريقة شرعية (في حال كان المنتج لحماً)،أيضاً الإنسان الواعي قد لا يشتري براداً يضر بالبيئة وان كان ممتازاً، وقد يكتفي بواحد جيد ولكنه صديقٌ للبيئة، وهكذا فكل امرئ يحمل في عقله فكراً لا يهمه المنتج فحسب، وإنما سينظر حتماً إلى مدى توافق أو تعارض هذا المنتج أو الفكر الذي يعبّر عنه المنتج، مع الفكر الذي يحمله ويؤمن به، بل وأكثر من ذلك، فإنك ستجد هذا الفرد يدافع عن خياراته محاولاً إقناع الآخرين بأن يحذو حذوه، البعض قد يهزئ به وبخياراته، هذا البعض الفارغ الذي لا يؤمن بهذه القضية أو تلك … حتى الآن تقريباً كل شيء عادي …

الأمر غير العادي أنه عندما ننتقل إلى سوق أنظمة التشغيل ترى الوضع مختلف. اليوم كنت عند صديقي في محله، وشاهدته يقوم بعملية تركيب جديدة للويندوز، أخبرني بأنه اضطر لإعادة تركيب الويندوز عدة مرات خلال الأسبوع الأخير، تحدثت هنا عن “فشل” مايكروسوفت، فعارضني بقوة. قال لي بأنه لا يحق لي أن أنتقد مايكروسوفت مادمت لست مبرمجاً، أخبرته بأن منتج مايكروسوفت يتعارض مع الفلسفة التي أؤمن بها، أي أنني لا أنتقد ويندوز تقنياً بقدر ما أنتقده أخلاقياً (رغم أن المستخدم النهائي كثيراً ما يقيم بضاعة السوق كما قلنا سابقاً). وأود هنا أن أسجل الملاحظات التالية فيما يتعلق بالحديث الذي دار بيننا:

  • لا يوجد فكر ولا مؤسسة ولا مبدأ مقدس، بمعنى أنه فوق النقد، ومايكروسوفت ليست إستثناءً للقاعدة.
    أنا لم أهاجم مايكروسوفت ولم أشتمها، لم أتحدث عن “غباءها” و “عتهها” لم أقل أنها “مجرمة” و “شيطانة” .. أنا أنتقد مايكروسوفت وبكل عقلانية أقول : مبادئ مايكروسوفت غير أخلاقية بإمتياز.
  • لا يمكنني أن أستخدم نظام الأوبونتو لأنه أفضل من ويندوز إكس بي، ثم أعود لإستخدام ويندوز 7 عندما أرى أنه أصبح أفضل من أوبونتو، أنا لست مستخدم نهائي وحسب أنا مؤمن بفكر معين، وبالتالي فمهما كان منتج ما جيد ولكنه يتعارض مع مبدأي فلا يمكنني إستخدامه. هل تفهموني: لست كائناً استهلاكياً. مجدداً لا تهمني ميزات المنتج طالما أنه يتعارض مع فكري.
  • حرية البرمجيات ليست ترفاً فكرياً، أو مبدأ لنتجمل به أمام الآخرين، البرمجيات الحرة هي المنفذ الوحيد لأي نهضة تقنية في البلدان النامية، لا ننسى أن أكثر من نصف الكرة الأرضية “نامية”. (تحديث : قد لا تكون البرمجيات الحرة هي المنفذ الوحيد، لكنها المنفذ المتاح حاليًا. شكرًا عزمي مجددًا)
  • حرية البرمجيات ليست نافعة للمبرمجين فحسب، بل للمستخدم النهائي الذي سيكون أمام برامج واعدة تتطور بقوة. وهي نافعة للمجتمع أيضاً، البرمجيات الحرة توفر الكثير من المال العام، وقابلة للتعديل والتطوير والنشر؛ إنها خيار استراتيجي.
  • لـ ويندوز نقاط قوة ونقاط ضعف ،تقنياً أتحدث، ولـ أوبونتو (مثلاً) نقاط قوة ونقاط ضعف، تقنياً أيضاً، المفترض بأن يتوقف هذا الهجوم اللاأخلاقي على ويندوز وهذا التعصب لـ جنو/لينكس، لأنه يضر أكثر من أن ينفع، أما أن ننتقد كلا النظامين (تقنيا) وأن نفاضل بين مبادئهما فهذا أمر مطلوب وطيب.
  • كوني كنت مستخدم لنظام ويندوز سابقاً فهذا لا يعني عدم قدرتي على انتقاده الآن، ثم ان الحديث عن أن الكثيرين ممن ينتقدون مايكروسوفت ويستخدمون الويندوز ويكتبون ردودهم من متصفح الإكسبللور، فهذا الكلام ينطبق على البعض وتعميمه لا يستند إلا إحصائيات …
  • عندما أقول أن مبادئ مايكروسوفت لاأخلاقية، فأنا لا أتحدث عن معيار نسبي، صحيح بالنسبة لي وخاطئ بالنسبة لغيري، الأمر هنا ليس نسبياً، الأخلاق حقائق مطلقة.

في النهاية، دعونا نكن أكثر عقلانية في انتقادنا لمبادئ مايكروسوفت، المشكلة أن من يعارضنا لربما لم يكلف نفسه حتى عناء قراءة أساسيات فلسفة البررمجيات الحرة.