/ #بساطة 

فقط الأثرياء من يمكنهم تحمّل هذا القدر من البساطة

"البساطة"، هي الكلمة الثانية التي يُمكن أن تجدها كشعار لهذه المدوّنة. لا أذكر على وجه الدقّة متى بدأتُ أكتشف أن انتقاءاتي في معظم الأحيان تتبع لهذه الذائقة، لكنها سرعان ما تبلورت أكثر حين أطلقتُ وحنين مدوّنة تاء مبسوطة، في محاولة للإجابة على سؤال كيف يمكننا تبسيط الحياة والأشياء من حولنا.

وكما ذكرت في تدوينة النهاية، فإن بعض الإجابات التي قدّمناها خلال السنوات الماضية اختلفت تمامًا عمّا كنا نؤمن به مثل تغيّر تفضيلي للمقاسات الصغيرة. لكن اليوم أودّ الحديث عن تغيّر أكثر عمقًا لنظرتنا تجاه البساطة أو التقليلية Minimalism على وجه الدقّة، لا سيما في شكلها الأكثر حرفيّة.

تقليلية الأغنياء

في البداية دعني أوضّح أن البساطة (والتقليلية) المقصودة هنا هي مجموعة من القيم تهدف إلى تقليل: الممتلكات، الأشغال، الإلتزامات إلخ بهدف زيادة مساحة السلام، الهدوء، والمعنى الداخلي. فما هي الممتلكات، الأشغال، العلاقات التي ستتخلص منها؟ أنت فقط مَن يمكنه الإجابة على هذا السؤال. لكن عادةً ما تُقترح معايير من قبل الحاجة أو المنفعة التي تتحصّل عليها من هذا الشيء أو ذاك، ووتيرة استخدامك له وماذا إذا كان يمكن الحصول على هذه المنفعة بطريقة أخرى إلخ

حسنًا.. لكن إلى أي أحد يُمكنني أن أبسّط الأشياء؟ في السابق كنت أجيب: إلى أكثر حد ممكن. تأمّل معي في الصور التالية التي سبق وأن نشرناها في تاء مبسوطة، ويُمكن لها أن تُعطي انطباعًا عن دلالة "إلى أكثر حد ممكن":

../images/2018/minimalism1.jpg ../images/2018/minimalism3.jpg ../images/2018/minimalism4.jpg

زواجنا (أنا وحنين) كان نقطة تحوّل، من بناء الأفكار وتخميرها، إلى تطبيق هذه الأفكار على نمط حياة نحن اللاعبان الوحيدان فيه. الآن لو عدتَ وسألتني عن رأيي بالصور السابقة (أو بنمط الحياة الذي تُمثّله) لأجبتُك أنه نمط حياة يخصّ الأثرياء، ولا يرتبط بالبساطة التي يُفترض أن تُعين الطبقة الوسطى.

انظر مجددًا للصور أعلاه، ستجد أن القاسم المشترك بينها هو العدد القليل جدًا من الممتلكات والمتاع الذي يتموضع في تلك الغرف. هذا تحديدًا العامل الأبرز الذي يُعطي الصور طابعها التقليلي.

هل هذه الصور قابلة حقًا للتطبيق؟ أجل، لكن فقط بالنسبة للأثرياء!

كأبناء للطبقة الوسطى نحن نعتمد بشكل أساسي على تخزين الأشياء لإدارة المصروف وتقليل الاستهلاك.

نحن نخزّن ثياب أربعة مواسم مختلفة لأننا لا نستطيع شراء ثياب جديدة لكل فصل. فكّر؛ أين يُخزن أولئك الناس ملابسهم؟ الحل الوحيد لعدم امتلاك خزانة هو أنهم يشترون الجديد كلما احتاجوا له ويتخلصون مما لديهم أولًا بأوّل، هذه العملية يجب أن تتكرر بوتيرة شبه شهرية على الأقل. حتى لو نظرتَ لصور دولايب الملابس التي تحتوي على أربع أو خمس قطع، أين يضع هؤلاء ثياب باقي المواسم؟ لا إجابة سوى أنهم يتخلصون من ثياب كل موسم حال انتهاءه ثم يشترون ما يلائم الموسم التالي وهكذا.

مثال آخر قرأتُه مؤخرًا؛ هب أنك تنوي الخروج للعمل في مكانٍ عام. إنّ كميّة الأغراض التي تحتاج حملها معك تُحدّده قدرتك الماديّة. بالنسبة لي وإضافةً إلى حاسوبي المحمول، فأنا بحاجة لاصطحاب الشاحن الخاص به، فليس لديّ حاسب من النوع الذي يمكنه العمل لثمان ساعات متواصلة، أيضًا سآخذ الشاحن الخاص بهاتفي، ورقة وقلم لتسجيل بعض الملاحظات، ربما وجبة سناك خفيفة، قارورة مياه، بل إنني أحيانًا أصطحب قهوتي الساخنة! في هذه الحالة لن أكون بحاجة للإنفاق في الخارج. ماذا عن ذاك الذي لا يصطحب سوى حاسوبه الحديث من فئة بطارية لعشر ساعات. أجل سيبدو أكثر أناقة، أخف، أكثر بساطة.. هذا فقط لأنه يستعيض عن كل ما سبق بمحفظة نقوده. حيث يمكنه الجلوس في مساحة عمل أو مطعم هادئ، انجاز عمله بينما يطلب ما يريده بمساعدة من محفظة نقوده.

ما ينطبق على الثياب ينطبق على الطعام. انظر إلى تصميم المطابخ البسيطة. بالنسبة لنا؛ نحن نُعدّ طعامنا بأنفسنا وهذا يعني امتلاء المطبخ بعشرات المواد الغذائية، أنواع البهارات، الطناجر، الأطباق، المرطبانات وكل تلك الأشياء التي تعرفها تماما، وهي قابلة للتنظيم والترتيب والتبسيط، لكن غير قابلة للإلغاء، ولا تنفي أن المطبخ سيكون أثناء تحضير الوجبات (وهي ثلاث في اليوم!) غير مرتب وغير منظم. ما هو البديل لامتلاك مطبخ كهذا الذي تجده في صور البيوت البسيطة؟ ربما تناول الطعام في الخارج أو الاعتماد على مطاعم التوصيل. مجددًا هذا حل غير مناسب لأبناء الطبقة الوسطى. أضف لذلك إن كنتَ تُخزن بعض الأطعمة في مواسمها لاستهلاكها خارج المواسم، كي لا تضطر لشرائها بأسعار مرتفعة، هذا يضيف ثلاجة كبيرة، ومساحات إضافية لتخزين أشياء أخرى.

أيضًا قد تكون مهتمًا بإجراء أعمال الصيانة البسيطة في المنزل بنفسك، هذا بدوره يعني امتلاكك لمئات المعدات الصغيرة، من براغي، مسامير، مفكّات... وأوعية تخزينها ومكان وضعها إلى آخره.

أعد تفحّص صور البيوت البسيطة التي تمتلئ بها الشبكة، وانتبه إلى الميزانية التي تحتاجها لبناء وتأثيث منزل وفقًا لتلك التصاميم. فكّر أين يذهب هؤلاء بكل ما الممتلكات التي تحتاجها للاستغناء عن الخدمات مدفوعة الثمن (غسيل الملابس، طهي الطعام، إصلاح المنزل إلخ).. حينها ستجد أنها تقليلية مقتصرة على الأغنياء.

تقليلية ضدّ الاستهلاكيّة

التقليلية التي تخدم سياق الحدّ من الاستهلاك والانفاق، وبالتالي ترشيد الموارد المتاحة لك من وقت، مال، وجهد مختلفة تمامًا عن كل ذلك.

هوس الغرف الفارغة والمساحات الخالية سيعني تخليك عن الكثير من الممتلكات فقط مقابل استهلاكية الاعتماد على الشراء المُتجدد أو الخدمات المدفوعة، وهما خياران لا يلائمان معظم الناس. ليس لتكلفتهما الماديّة وحسب؛ بل أيضًا لاستنزاف موارد الأرض الذي يقتضيانه.

لاحظ أيضًا أن التقليلية بهذا المعنى تنضوي على مفارقة كبيرة. ففي الوقت الذي تسعى فيه من خلالها لتحرير حياتك من الممتلكات والأشياء فإن محور حياتك وتركيزك لا يزال منصبًا عليها! أن تكون مهووسا بشراء المزيد من الأشياء، أو بالتقلّل منها؛ فإن الأشياء لا تزال المحور هناك.

بساطة مُقتصدة

لا تزال البساطة واحدة من أكثر القيم التي تُحدّد الكثير من تفضيلاتي، لكنها بساطة مُقتصدة، أو تقليلية ضد الاستهلاكيّة بالدرجة الأولى وليست ضد الملكيّة بلا توجيه. ولا نزال ننتخلص من كل الأشياء قليلة أو عديمة القيمة، ونعمل على تنظيمها وترتيبها بحيث يسهل الوصول إليها.

في الوقت عينه لا يزال من الجميل أن تحصل على غرفة بأثاث معتدل، منظمة ومرتبة.. لكن ما قد تكون بحاجة إليه هو منزل أكبر وليس أشياء أقل.

مصدر الصورة البارزة.