/ فيض قلمي

سيدتي الفاضلة .. حافية القدمين

عندما بشّرتُ نفسي بكِ، لم أدري يومها عظيم فضل الله عليّ، لم أكن قد استوعبت بعد، قول المصطفى “خير ما يكنز المرء : الزوجة الصالحة” .. في البدء كان حبيّ لكِ، كغيمةٍ مملتئة، مثقلةٍ بالمطر، لن تكون القضيّة أنّ الأرض ستستقبل خيرها أم لا، ولن تكون القضية هل تحتاج إليها الأشجار أم لا، بل عليها أن تمطر وحسب .. كتلك الغيمة منحت حبيّ لكِ وحدكِ .. كائنتةً من تكوني .. ثمّ .. كانت المفاجأة .. فالأرض هناك هي الأخرى عطشى للمطر، وتنتظر منذ أمدٍ بعيد، أن ترتوي ..

كان كلّ ما أعرفه يومها أنّ الحذاء لن يكون معياري في اختيارك، بل سأختاركِ قبل أن أنظر إليكِ، وقبل أن أتعرّف إلى ملامحكِ. نوعٌ من التوافق الفكريّ والنفسيّ .. كنتُ أنشده ..
وواحدةٌ مثلكِ، بالتأكيد، يتقدّم لخطبتها الكثير … وفي كلّ مرّة .. منذ سنوات، ترفضينه (سمعتُ أنّك تفضّلين السير حافية القدمين، على أن تسيري بحذاء ضيّق، وكان كلّ ما تريديه: نوعٌ من التوافق الفكريّ والنفسيّ! ياللصدفة!!) .. في النهاية ربّما بدأتِ تشعرين بغصّة ما، بخيبة أمل ولو من نوعٍ خفيف .. أما من أحدٍ هنا ، يمشي معي حافي القدمين .. كنت تقولين في سرّك ؟

كان طيفي هائمًا .. يبحثُ عنكِ، ولا يجد لك سبيلًا، أيطرق أبواب البيوت، يسألهنّ عن إمرأة تعشق القراءة، وتهوى الكتابة، ضربت التقليد ضرباتٍ قاتلة حتى لم يعد يأسرها، تهوى التجديد في التراث وتعشق أصالته في آنٍ واحد ؟؟
حتى لو اكتفيت بهذا فقط .. أشعرُ بأنّه لا يمكن تلبية رغبتي ..
هل يمكنني أن أجدها أيضًا قنوعة، تحبّ أن تعيش بأسلوب حياةٍ بسيط، ولن تمانع أن نبدأ معًا سلّم الحياة .. أم أنّه خير لي أن أترهّب في صومعةٍ من أن أقضي حياتي بحثًا عنها ..

كان طيفك هائمًا هو اﻵخر .. لا يبحثُ عنّي، لكنّه ينتظرني، واحدٌ إثر الآخر .. يطرق بابكِ و تقولين في سرّكِ .. أيكون هو ؟
آخر مرّة .. بات الأمل أضعفَ قليلًا .. وكنتِ تفكّرين : سأكون محظوظة لو تركني وشأني من قراءة وكتابة، وإن لم يكن شأني وشأنه واحد .. لكن أيأتي ؟

وكشأن الهدايا .. تأتي في المناسبات .. وفي المناسبات الكبيرة .. يجب أن تكون الهديّة أكبر ..
كان رمضان – ربّما – ، وكنتُ أدعو أن تأتي لتكوني دوائي، وكنتِ تدعين أن آتي لأكون جبران خاطر بدأ يتصدّع ..
هذا شأنُ الهدايا .. فما بالنا بالكنوز ..
الهدايا تأتينا .. مراتٍ ومراتٍ في كلّ عام .. في كلّ مناسبة .. من كل الأصدقاء والمحبّين ..
لكنّ الكنوز … لن تأتي إلّا مرّةً واحدة .. في عمرنا كلّه .. مرّةٌ واحدةٌ فقط ..
ويكذب من يقول بأنّه لم يعرض عليه كنزٌ في حياته .. لكن ربما كانت معاييره مختلفة تمامًا عندما عُرِضَ عليه كنزه ..حتى أنّه نظر إليه نظرة فازدراه … اليوم هو يزدري حياته كلها .. يبحث عن مظهر جميل، عن فتاةٍ حسناء تسحر نظره .. وطالما أنه يبحث عن ذلك .. فسيجده .. لكنّ كنز الحياة .. سيكون قد فاته ..

ثمّ إلتقى طيفي بطيفك هناك .. لا أدري في أيّ سماءٍ تحديدًا، ولا أدري في أيّ ليلةٍ من ليالي رمضان. كل ما أدريه، أن طيفي كان هناك في الأعلى، صعد مع دعائي، وارتقى مع دموعي، حتى وصل إلى مكانٍ ما .. وطيفكِ هو اﻵخر كان هناك أيضًا .. بقدرٍ مكتوبٍ .. بعد دعاءكِ وبكاءكِ أيضًا ..
كلّ شيءٍ كان مرسومًا .. مُقدّرًا .. بقدرٍ كان مفعولا ..

للوهلة الأولى .. من الطبيعيّ أنّ تلتقي الطيوف في السماء، أثناء النوم مثلًا .. بعد دعاء ضارع مثلًا .. لكنّ الذي حدث – سيدتي الفاضلة – هو أنّ طيفي لم يعد إليّ بعدها ..
لم يعد ؟
حقًا لم يعد، وأنت تعرفين ذلك، وتعرفين أين هو اﻵن ؟
فالذي عاد إليّ هو طيفكِ، والذي عاد إليكِ – كما أخبرتني لاحقًا – هو طيفي …
كنتُ أتساءل .. كيف سأتعرّف عليكِ ؟ ونسيتُ أن الأقدار ترسم لنا أحيانًا طرقًا مفاجئة ..

اليوم حياتي بدأت تتغيّر مع طيفكِ،** العيش مع طيفٍ آخر أمرٌ مدهش**، لم أجرّبه من قبل – مطلقًا ..
أستيقظ صباحًا على صوتك الأنثوي : صباح الخير ..
تشحذين همّتي دومًا : أرى فيك شخصًا فذًّا لو اهتممت بأسطورتك الشخصيّة .. وأتمنى لو عملت بها ..
وتشدّين من أزري : حدسي لا يخطئ ..
وتدعين لي .. في كل صلاة – كما أخبرتني ..
وتعدّين الأيام .. كم بقي ليوم زفافنا ..
ليس فقط نوعٌ من التوافق الفكريّ والنفسيّ .. لكن أكثر من ذلك بكثير، وأكثر – حقيقةً – ممّا كنتُ أحلم به وأتمناه ..
وأعلم بأنّك تعيشين مع طيفي – الجزء اﻵخر من القصّة ..

بعدما رفضتُ قصّة الحذاء بأسرها، اكتشفت بأنّ حسنائي لا ترتدي حذاءًا أصلًا ..
إنها تمشي حافية القدمين، ببساطة، وفطرة، وجمال ذلك ..
إنها ليست استهلاكيّة بالمرّة .. لدرجة أنّها تفضّل المشي حافيًا …
ولم يكن بإمكاني أن ألتقي بها .. لولا لم أخلع نعليّ إستعدادًا للقائها .. في الوادي المقدّس ..
عندما تخليت عن الحذاء بالمطلق .. أتتني سيدتي الفاضلة … بأكثر مما يتخيل أيّ إنسان …

فلك الحمد .. اللهم ..