/ المجتمع والواقع

موعدي الحساس جداً ... والمجتمع

السلام عليكم ….

أعلم أنه ما من أحدٍ منا إلا ويمر عليه في اليوم مواعيد شتى … بعضها مهم وأكثرها عادي …
والقلة القليلة من هذه المواعيد تكون حساسةً جداً، قد تبدأ بمقابلتك مع رئيس العمل في اليوم الأول، أو مقابلتك لعمك المرتقب طالبا يد اينته الحسناء، وأرجوا أن لا تنتهي بمقابلتك مع ضابط أمنٍ في أقبية أنت تعلم مقدار الطمأنينة التي تدخله إلى نفسك ….

مواعيدك مع الأطباء متنوعةٌ أيضاً .. لم تكن متوقعاً أن كل موعد حساس سيقودك للطبيب، مرةً لتعالج آلام العمل، وهي مختلفة من مهنة لآخرى. زواجك سيقودك حتماً إلى المشافي، قد يكون ذلك استعجالا لمولود لم تلح بشائره بعد، أو استقبالا للنتيجة النهائية لمجهودك في ليلة لا تنسى. وأما موعدك الثالث والحساس جداً … فقد طلبت الرقابة أن لا أتحدث عن علاقته بالمشافي والأطباء … حسنا لا بأس ..

غداً لدي موعد حساس … حساس وخاص جداً … وهو حميم للغاية – دعك اﻵن من ما سمتعه حول علاقتي الجديدة بابنة دكتور معروف في جامعتنا –
غداً موعدي مع طبيبي الجديد …. في تمام الساعة السادسة مساءً …
لكن أين الحميمية والخصوصية والحساسية ؟؟ ….. آه .. لم أخبركم … طبيبي الجديد اختصاصي من فرنسا بطب النفس!!

يا خسارة …. ستقولون …. طريف … طبيب نفسي … خير ان شاء الله … وستبدأ تلك الصورة المثالية – التي لم أكنها يوماً – تتلاشى في مخيلتكم عني ..
جنون أم صرع …. سيسأل البعض …. آخرون قد يكونون أكثر اطلاعاً وقد يقولون لعلها هلوسة …
أحدهم كان يريد أن يزوجني ابنته – وقد وعدني بذلك – أراه اﻵن وهو يفكّر متى يكون عقد قرانها على ابن عمها (على الأقل فهو عاقل وليس بمجنون مثلي)، صديقي المقرب سيدعو لي كل يوم في قنوته بكل قنوط! بعض من أصدقائي سيبتعدون عني شيئاً فشيئاً وكل حركة شبابية سآتيها من اليوم فصاعداً (في الجامعة) ستفسر بنظرية نفسية …
لن يكون كل ما أخسره هو الأصدقاء و الزوجة – المترقبة – ، هل تفكّر أن هناك عاقلاً واحداً في حمص سيوظف مختلا عقلياً يرتاد العيادات النفسية … اممم من تبقى … الأقارب .. هؤلاء سيبدأون بمعاملتي بمنتهى العطف والحنان، ولأن التعامل مع ذوي الإحتياجات الخاصة – وقد صرت منهم – لا يحتاج إلى معلم … فسيكون اغراقي بالحنان والشعور بالنقص سهلا ….

من الأفضل أن اغلق مدونتي … من يقرأ ما يكبته معتوه ، سيكون أحفظ لماء وجهي أن لا أفتح فمي لإبداء رأي في قضية أو أخرى …. سيتهامسون …. لا تنسى صاحبنا يرتاد العيادات النفسية … سيكون من حسن حظي إذا وجدت من أخبره أني أشعر بضيق وتعب (كما كل البشر ) .. دون أن يفكر في سؤالي فيما إذا كنت قد اخذت الدواء ….

للأسف نحن نعاني في مجتمعاتنا – يا أصحاب – من تقاليد اجتماعية بالية وسيئة جداً … منها هذه النظرة السلبية إلى الطبيب النفسي والذي يعتقد أنه لا يرتاده إلا المجانين!!
كما أنه من الطبيعي أن تصاب بالأمراض الجسدية – وبالعدوى أحيانا – فمن الطبيعي أن تصاب بأمراض نفسية – وربما بالعدوى – …. لكل داء دواء …. والله يبتلي عباده بهذا كما يبتليهم بذاك … وكما أنك تشفى من نزلة صدرية بدواء منتظم … يمكنك أن تشفى من الإكتئاب بسهولة مماثلة …. لقد حان الوقت لنغير صورتنا عن الطبيب النفسي وعن رواده …

في الغرب ينظر إلى الطبيب النفسي على أنه صديق المزاج، والمعين على تحمل آعباء الحياة … وتنتشر العيادات النفسية في كل مكان … من الطبيعي جدا أن تشعر بالاكتئاب عقب فشل قوي … ولكن ليس من الطبيعي أن تسلم نفسك لليأس بدلا من أن تسلمها لطبيب نفسي قادر على علاجك بسهولة لا تتصورها … كم وكم من البيوت تحولت إلى جحيم لا يطاق لأن أحد الوالدين مصاب بالإكتئاب – وهذا طبيعي جدا – وكم وكم منها انهار نتيجة لذلك …

للأسف الخطاب الوعظي التقليدي يزيد الطين بلة … يكون الحديث عن ذكر الله والطمأنينة ووو … ثم يقول … انظروا .. في الغرب … انهم لا يذكرون الله ولا يعرفونه أصلا فمن أين تأتي طمأنينتهم .. ان العيادات النفسية لديهم تبلغ كذا وكذا والحمد لله نحن ليس عندنا عيادات نفسية .. (!!)

كلنا يعلم قصص مؤلمة جدا كان من الممكن تجنبها لو ذهب بطل تلك القصص الى طبيب نفسي … أين الخلل – يا أصحاب – فيما لو ذهب أحدنا لطبيب نفسي حتى يضع حدا للقلق الذي ينتابه … ليس بالضرورة أن يكون قلقا هستيرياً … لا ، قلق عادي … لكنه ينغص عليه نومه …

فالنولي اهتماماً أكبر بالتخلص من تقاليدنا الاجتماعية البالية ومنتجات التخلف في واقعنا …
قبل أن أنسى …. للأسف ليس لدي موعد مع طبيب نفسي … رغم أنني أفكر في أن أقوم “بتحليل” لنفسيتي عند أحدهم …. الكثير من اﻷمراض الجسدية تتأخر اعراضها كثيرا .. وعندما تظهر يكون الاوان قد فات (كالسرطان أعاذنا الله منه) … أيضاً هناك أمراض نفسية تعمل في الخفاء … ستكون فرصة جيدة لكشفها ….