/ المجتمع والواقع

ابنِ أيامك الخاصّة

تحتفل جميع الدول، الأحزاب، الهيئات الدولية، المنظمات المحليّة، الأديان الرئيسيّة، وغيرها الكثير بمناسباتها السنويّة والدوريّة، وتولي لذلك أهميّةً كبرى. إذ تُعِدّ مؤيديها مُسبقًا لهذه الأيام، طالبةً منهم الاستعداد النفسيّ (على أقلّ تقدير)، تزيّن الشوارع بالشعارات والرموز التعبيريّة المناسبة، تعلّق اليافطات هنا وهناك، تطبع وتوزع المناشير التي تتضمن المعاني الرئيسية التي وُجدت المناسبة لأجل تذكرها واستحضارها، تنشر الأغاني والأناشيد التي تحمل هذه المعاني في قالبٍ انفعالي عالي التأثير، تقيم مهرجانات وكرنفاليات واحتشاداتٍ جماهيرية مهيبة تثبّت من خلالها الذكرى المجيدة، والأفكار الجامعة خلف هذه المناسبة أو تلك.
يمكننا أن نلمح ذلك بوضوح في الاحتفالات الوطنيّة الخاصّة بكل دولة، أعياد التحرير، الانتصارات العسكريّة على الغزاة، والتي تستحضر كم قدّم الأجداد من تضحيات جسيمة حتى وصلت الدولة إلى ما وصلت إليه اليوم، والقيم التي بذلوا لأجلها كلّ غالٍ وثمين. وما يُبنى على ذلك من ضرورة متابعة العمل وتجاوز التحديات المعاصرة للمحافظة على مكاسب الأجداد وتنميتها واستثمارها ووضع تلك القيم على رأس الأولويات كبوصلة موجّهة لكل عمل ومقيمة لكل تجربة.
كما يمكننا أن نرى الاحتفالات الدورية بشكلٍ عالمي في الأيام الدوليّة التي اعتمدتها الأمم المتحدة، كاليوم العالمي للكتاب، أو اليوم العالمي للصداقة. فالناس في انشغالها اليومي وغرقها في تفاصيل الحياة وتحدياتها المتتابعة وصعوبات كسب العيش تنشغل عن أمورٍ لا ينبغي أن تغيب عن البال، كالقراءة، أو الاهتمام بالأصدقاء ما يدفعها إلى تخصيص أيام تُقام فيها مختلف الفعاليات وتستحضر فيها الأفكار والمعاني المرتبطة بهذه المناسبة لإعادة إنعاش الذاكرة وتذكير الناس بقيم وعادات وسلوكيات ينبغي الاهتمام بها والمحافظة عليها. الأديان بدورها تقدّم نسختها الخاصة من الاحتفالات والمناسبات الدوريّة، والتي تُذكّر هي الأخرى بالمعاني والأفكار الأساسيّة للدين، وتنفض الغبار المتراكم خلال عام عن أفكارٍ ورؤى وقيم يُفترض بها أن تدفع مؤيديها في اتجاهات محددة، وتوجّه سلوكهم وتفكيرهم بما يتوافق معها، أو على الأقل تذكّرهم لماذا هم سائرون بهذا الاتجاه تحديدًا دونًا عن سواه.
وهكذا.. فبعد أن طوّرت المجموعات البشريّة عبر تتالي العقود والقرون أجوبةً مختلفة لبعض أهم مسائل الحياة، فإنها لا تُرهق أفرادها بعد ذلك بإعادة تكوين أجوبتهم الخاصّة، بل تُقدّمها لهم كحزمة كاملة من الأفكار والمعاني الجاهزة والمعلبة بأسلوبٍ مثالي، للتبني والتطبيق الفوري. وبهدف المحافظة على النظام العام للأمور تأتي الأعياد والمناسبات الدوريّة للتذكير بالخطوط العريضة التي بُنيت عليها تلك الأجوبة، لضخّ المزيد من الإيمان/الحرارة/الحماس في تلك الأفكار والمعاني، ما ينعكس على حسن تطبيقها والالتزام بها.
حسنًا.. ما الجديد في الموضوع؟

في حياتنا الخاصّة نحن نتخذ عشرات القرارات يوميًا (أو أتمنى أننا نتخذها ت)، تتفاوت أهميتها وخطورتها بشكلٍ كبير، فقرار مثل مالذي ستأكله اليوم لن يكون بأهمية قرار الفرع الأكاديمي الذي ستدرسه (لا أقصد بالضرورة الدراسة الجامعية)، المكان الذي ستعمل به، الشريك الذي ستختاره (وقرار إن كنت تريد الارتباط أولًا)، الأطفال الذين ستنجبهم (وقرار إن كنت تريد الإنجاب أولًا) إلخ..
التحديّ يبدأ عندما تتخذ لنفسك إجابات مختلفة عن تلك التي تقدمها الثقافة الشائعة التي تعيش ضمنها (أو تعيش ضمنك – رغمًا عنك!). لا أقصد هنا التحديّ الذي يبرز من تعامل الآخرين مع قرارك، هذه مسألة أخرى، لنقل أن الآخرين رحبوا بقرارك الجديد أو على الأقل فضّلوا عدم التدخل في شؤونك الخاصة.
لقد جلستَ وفكّرت مليًا في الأمر، ضربت أخماسك وأسداسك، وازنت الأمور، رتّبت الأولويات، نفضت الغبار عن قيمك الموجّهة.. ثم اتخذت قرارك بناءً على ذلك.
الآن ما الذي سيحدث؟
مبدئيا لا شيء، لنقل بأنّ الأمور بدأت تسير بالشكل المثالي الذي خططت له. لكن الحياة ستمشي على عجالةٍ من أمرها، ضغط التفاصيل اليومية وتتابع الأشهر والسنوات قد يُبعدك كليةً عن الأسباب والحسابات التي بنيت عليها قرارك، شيئًا فشيئًا ستتعرض حساباتك تلك لخطر التلاشي التدريجي من الذاكرة، الوعي، والحضور.
ماذا بعد؟
قد تجد نفسك فجأة وسط حالة لستَ متأكدًا فيها من خيارك، لا سيما مع ضغط الإلفة الذي تخلقه إجابات الآخرين الموحّدة في كل يوم، وفي كلّ مرة تقابل فيها إجابتك أنت وحدك مع إجاباتهم هم جميعهم.
إذًا ماذا؟

هكذا ستكون منظومتنا الذاتيّة بحاجة إلى روزنامتها الخاصّة، وأيامها الشخصيّة، هذا التقويم يعمل على:
– تذكيرنا بالقرارات الأكثر أهمية في حياتنا.
– لماذا اتخذنا هذه القرارات؟ على أيّ أساس؟ ما هي الأسباب والقيم وراء ذلك؟
– كيف سارت الحياة والأيام بناء على تلك القرارات وهل حققنا من خلالها ما نريد؟
هذه المراجعة لن تعني بالضرورة ضخ الحماس والإيمان بقرارتنا وأهدافنا القديمة على الدوام، في النهاية أتمنى ألّا تكون منظوماتنا الذاتيّة مجرّد إيديولوجية أخرى. وإنما الهدف الأساس هو إعادة تقييم التجربة ككل، بما في ذلك الأفكار والمعاني إلى جانب الوسائل والاستراتيجيّات. قد نكتشف بأنّه يفترض بنا أن نتوقّف ونغيّر الدفّة كليًا أو بشكلٍ بسيط، قد يشمل التغيير الاستراتيجيّات كما قد يشمل الأفكار المؤسّسة والمحرّكة. المهم أن نضخّ الوعي في حياتنا باستمرار، عن طريق هذه الأيام الدوريّة.
المجتمع يمنحنا عدد من الأيام قد تكون كافيّة للبداية، عيد الميلاد، تاريخ التخرّج، تاريخ الزواج، تاريخ الحصول على وظيفة، إلخ من الجيّد البدء من هنا والاهتمام بكلّ ما سبق.

ملاحظات:
– التقويم الشخصي وسيلة تنظيميّة لحياة واعيّة أصلًا.
– ما سبق يفترض صداقة قويّة مع الورقة والقلم.
– يمكنك البدء من هنا مثلًا، لماذا تسلك أو تفكّر وفق اتجاهٍ ما؟ اختر الاتجاهات الرئيسيّة أولًا. سجّل هذه الإجابات وابنِ لها أيامك الخاصة.