/ كتب قرأتها

الصلاة لأجل النماء الإنساني ... وبناء عالم أفضل

إذاً قلنا فيما سبق – ونحن مازلنا نتكلم منذ تدوينتين عن أول فكرة في كتاب “كيمياء الصلاة” للدكتور أحمد العمري – أن “الطريقة التي تنظر بها إلى الصلاة، فكرتك عن الصلاة، هي المسؤولة عن أثر الصلاة في حياتك، وتجلياتها وجدواها ..” بمعنى آخر … فإنك لن تحصل من وراء صلاتك على أكثر مما تتوقعه … فإذا ما بحثنا عن نتائج تفاعل معادلة الصلاة أعتقد بأن ذلك سيدفعنا للتفكير مجددا فيما نفعل …

** فكرة “الصلاة ككفارة ..”**

أولها، فكرة أن الصلاة تكفر الذنوب التي تحصل بين أوقات الصلاة، وهي الفكرة التي تستمد من حديث (والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر ) ·و لا جدال طبعا في صحة الحديث. و في ارتباطه الموضوعي ايضا بآية “الحسنات يذهبن السيئات” لكن هناك طبعاً نقطتان: أولهما أن لفظة الكبيرة المستثناة من التكفير قد رسخت في أذهان الناس بطريقة معينة ترتكز حول عدد محصور من الكبائر (معروفة طبعاً وتدور حول الزنى والخمر وربما الربا..).. لكن هذا الفهم على الرغم من رواجه ليس صحيحاً تماماً، **فالصلاة إلى الصلاة لن تكفر عنك أن حياتك كلها تضيع عبثاً، سدىً، دونما هدف.. حتى دونما محاولة إيجاد هدف.. دوماً نعتقد أن الكبائر هي بالضرورة “فعل” فاحش.. بينما هي أحياناً “لا فعل” على الإطلاق.. ربما أكبر الكبائر (أكبر حتى من الزنى!!) أن لا تفعل شيئاً على الإطلاق في حياتك.. **أن تأتي إلى هذه الأرض وتمضي دون أن تترك أثراً إيجابياً واحداً يدل على أنك مررت من هنا.. دون أن تجعل العالم أفضل مما كان يوم جئت إليه.. أو على الأقل حاولت ذلك.. شيء كهذا، لا يمكن مسحها بمجرد أداء الصلاة.. لأنه لا يندرج ضمن صغائر الذنوب..
ثانيها – أن الصلاة إلتى تكفر ما يحدث بين الصلاتين، تكفر ما يحدث سهواً، أي كأي حدث عابر لا تخلو منه تجربة إنسانية، إما أن يكون هذا نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة ستقوم بهذا الدور، فهذا يعني نخدع أنفسنا قبل أي أحد آخر.

و الشئ ذاته يخص مفهوم الحسنات و السيئات:من قال ان الاية الكريمة تتحدث عن الاستمرار في اداء السيئات من اجل ان حسنات الصلاة ستمحيها؟ من حدد هذه السيئات و حجمها – من التي يمكن ان تمحوها الصلاة؟
وللأسف، فإن هذا الفهم، الذي يستخدم الصلاة من أجل الاستمرار في الذنوب، هو فهم سائد جداً.. وينتشر للأسف، عن غير قصد، عن طريق بعض الوعاظ على المنابر، عندما يريدون ، عن حسن نية ، أن يروجوا لأداء الصلاة. فيقومون بالترويج دون شعور منهم، للذنوب التي من المفروض ان الصلاة ستكفر عنها.. و هكذا فأن الحديث عندما يوظف من أجل عدم التوقف كثيراً عند أخطاء السهو، يختلف تماماً عندما يتحول إلى عكازة للاستمرار في الذنوب..

** فكرة “اسقاط الفرض”**

ثاني هذه الاحتمالات هي فكرة “إسقاط الفرض” الرائجة جداً دونما سند من نص شرعي.. وهي الفكرة التي يقوم على أساسها البعض “بأداء” الصلاة – على أي حال، من أجل “النفاذ” من عقوبة عدم أدائها، وهم يعلمون ضمناً – أنهم سيحاسبون على أمور أخرى تخص الصلاة، وقتها، خشوعها، تمام أركانها، لكنهم، على الأقل يؤدونها، ويسقطون بذلك” عقوبة تركها”..
يكرس هذه الفكرة قراءة “تجزيئية” لنصوص عديدة، من الأحاديث الصحيحة بلا شك، ولكنها تعامل مرة أخرى بمعزل عن الصورة الأكبر التي تضم كل النصوص وتجمعها ببعض.. فحديث “أول ما يحاسب عنه المرء الصلاة” يعامل كما لو أن الصلاة التي سنحاسب عليها تؤدى بمعزل عن حياتنا و عن المجتمع الذي نعيش فيه ودورنا فيه..
وهكذا فالنظرة التجزيئية الضيقة لهذا الحديث، ولسواه من الأحاديث ستنتج نظرة ضيقة للصلاة وأدائها، تحث على أدائها “الفيزيائي” لمعزل عن نتائجها اللاحقة..
وللأسف، فإسقاط “الفرض” ، الذي يتم بهذا الأداء المجرد – المروج له دون قصد – يكاد يكون الهدف الأغلب للمصلين: انهم على الأقل يسقطون عقوبة ترك الصلاة – لقد اجتازوا الخط الفاصل بين غير المصلين والمصلين، حسب تصورهم، وهذا بحد ذاته هدف بالنسبة إليهم، لأنه سيخفف عنهم عذاب القبر وأهوال جهنم التي يتوعد بها غير المصلين..
وهم قد أسقطوا هذا.. حسب ما يتصورون..

فكرة “إسقاط الفرض” أيضاً تستند إلى فهم معين للفرائض والعبادات، وكون أداءها “الجسماني – الحرفي” هو المطلب النهائي منها، أي إن العبادات تؤدى من أجل أدائها فحسب. وينتهي الأمر عند انتهاء الأداء منها.. ولا يفترض أن يكون هناك شيء آخر وراء ذلك.. وعلى حسب هذا الفهم للعبادات، يتم فهم عشرات الأحاديث والنصوص، فينظر إليها من خلال هذا المنظار ذي البعد الواحد: الذي لا يرى غير السطح من كل شيء.. فأحاديث نبوية شريفة مثل “خير الأعمال الصلاة على وقتها” – أو “أول ما يحاسب به العبد الصلاة”.. إلخ، ستجير فوراً وفق هذه النظرة الفيزيائية الجسمانية لأداء الصلاة – دون محاولة النظر إلى بقية أجزاء الصورة التي ترسمها النصوص بمجموعها..
وعندما تقتصر النظرة إلى هذا “الأداء المباشر” فإن “الأداء المباشر” سيكون هدفاً نهائياً في رؤوس كثيرين، وإن عرفوا ضمناً أن هناك “أموراً” يجب أن تتضمن في هذا الأداء (مثل التركيز، أو الخشوع)، لكنهم مقتنعون أن مجرد “الأداء” – سيسقط الحساب العسير عن عدم الأداء..
وهكذا فإنهم سيجتازون السؤال الرهيب عن الأداء – ويواجهون بقية الأسئلة.. وسيحلها يومها حلال.. متجاهلين أن “سؤال الصلاة” قد يحتوي على تفاصيل غير متوقعة.. وتخص “ما وراء الصلاة”..”او عمقها”..

** فكرة “الصلاة من أجل الراحة النفسية”**

ومما لا شك فيه أيضاً، أن الصلاة، كهدف ثالث، يمكن أن تبعث على الراحة النفسية..
أناس كثيرون، سيشعرون بشيء مقلق، يوخز ضمائرهم أو يدق على رؤوسهم، إذا ما فاتتهم صلاة ما، أو إذا ما استيقظوا متأخرين وهرولوا ليلحقوا بعملهم دون أن يؤدوا الصلاة، وسيكون ذلك مزعجاً مثل خشبة صغيرة عالقة بين أسنانك، ليست مؤلمة حقاً – ولكنها مزعجة – ولن تتخلص من إزعاجها إلا بالتخلص منها..
كذلك عدم أداء الصلاة، بالنسبة إلى البعض على الأقل، إنه مزعج لدرجة تجعلهم غير قادرين على مواصلة أعمالهم.. أو المضي إلى النوم..
لذلك فهم يتركون أسرَّتهم، أو ما كانوا يفعلون.. ويصلون..
ثم يعودون.. وقد زالت تلك الخشبة العالقة..
لكن، أليس ذلك نتاجاً طبيعياً للتعود؟ ألن تكون كل “عادة” صعبة عند تركها؟.. ألن يكون ترك عادة تنظيف الأسنان الصباحي صعباً ولو لمرة واحدة؟ وسيظل من أرغم على ذلك منزعجاً يحرك لسانه على أسنانه ذات اليمين وذات الشمال ليتخلص من شعوره ذاك؟..

كل عادة، خاصة إذا كانت قد نقشت على حجر الطفولة، ستؤمن نوعاً من الراحة النفسية عند أدائها، إنها تصير جزءاً من الذات، وسيكون مؤلماً حتماً تركها.. كما أي عادة..
لا أقصد هنا تشبيه الصلاة – ذلك الركن العظيم من أركان الدين – بمحض العادة، ولكني أريد أن أجرد أفكارنا من أوهامها حول الصلاة، فالراحة النفسية التي سيختارها البعض سبباً من أسباب الصلاة، قد تكون (نتيجة) وليست سبباً، نتيجة لتعودنا عليها، ولنشأتنا على ضرورة الصلاة..

فكرة “التواصل معه عز و جل “

ومما لا يمكن نكرانه، أن هناك فئة من المصلين، تستطيع فعلاً، أن تحقق عبر صلاتها تواصلاً ما، معه سبحانه وتعالى، وتلتذ بمناجاته وتجد في الصلاة “كوة” تنسحب إليها من معركة الحياة، وفي هذه الكوة هناك نوعٌ من الأمان والراحة النفسية والتوازن..
هذا لا يمكن إنكاره، لكنها فئة تكاد تكون مهملة إحصائياً..
وحتى لو لم تكن مهملة إحصائياً، فإنه من غير المؤكد، إن الهدف من الصلاة – هو هذا التلذذ الفردي جداً، الشخصي جداً.. هناك حتماً ما هو أهم من ذلك – لكي تكون الصلاة “عماداً” للدين..
وحدّاً فاصلاً بين “الإيمان” و “الكفر”..
لا، ليست “كوة” ننسحب إليها.. لننعم بقليل من السكينة، لا بد أن يكون هناك “شيء” آخر..
يفترض ان تكون “ركنا “..و ليست كوة…

لا يمكن إنكار أن “الصلاة” تبعث على الراحة النفسية والتوازن الداخلي. لكن يمكن – بالتأكيد – مجادلة أن ذلك هو الهدف الأصلي منها.. والأمر هنا يتعلق بما هو أكثر من العبادات، بل بالنظرة إلى الدين “ككل” – فهناك فعلاً نظرة تاريخية، تجعل من الدين وسيلة من وسائل “الراحة” و “السكينة” و “الطمأنينة” بالذات وسيلة تسهل التعايش مع واقع صعب.. ومع كل الاحترام لبعض الأديان التي “وظفت” تاريخياً داخل هذا السياق، فإن هذه الوظيفة لا تنطبق على الدور التاريخي الذي لعبه الإسلام عند ظهوره – فقد كان أي شيء باستثناء “تسهيل التعايش مع الواقع الصعب” – ولو أنه كان كذلك، لبقي المسلمون الأوائل مجرد فئة “صابئة” في مكة، ولما كان أحد سمع بهم، ولما كنت أكتب الآن ما أكتب: أي إن التاريخ كله كان سيسير باتجاه مختلف تماماً..
لا ريب أن “الصلاة” تمد براحة معينة. لكنها راحة تمتزج مع القوة. إنها راحة الشخص القوي الذي أخذ وجبة من الطعام الطبيعي المليء بالفيتامينات والحديد.. وشعر بالراحة المنبعثة من ثقته بنفسه وبقدراته، وليس بالراحة المزيفة التي سيشعرها شخص تناول مخدراً ما أنساه آلامه وأوجاعه وهموم واقعه..
إذا كانت الصلاة تبعث على الراحة، فهي مثل راحة ابن حنبل بمواجهة جلاديه، وابن تيمية ضد سجانيه، وابن رشد بمواجهة خفافيش عصره، وليس مثل راحة شاب عاطل عن العمل يشخر في انتظار الصلاة لكي تساعده الصلاة على تحمل واقع البطالة الذي يعيشه..

** فرض و كفى !**

وهناك طبعاً الرد الأكثر شيوعاً والأكثر بساطة عندما نسأل عن السبب في الصلاة..
“إنها فرض، وكفى”.. سيكون هذا شائعاً جداً..
وهي فرض بالتأكيد. وليس التشكيك في “فرضية” الصلاة بوارد هنا.. والبحث عن سبب لكون هذه الفريضة بهذه الدرجة من الأهمية، سيكرس أهميتها ويفعلها.. أما عندما تصطدم بهذا الرد “إنها فرض وكفى”.. فأنت تعلم قطعاً أنها صلاة تؤدى من أجل “إسقاط هذا الفرض” وكفى..
كون الصلاة “فرض، وكفى” – يعكس فهماً معيناً يجعل أوامر الشريعة “بلا أسباب”، وإنما هي أوامر وكفى، دونما مقاصد، دونما أهداف.. فقط أوامر علينا أن ننفذها بحرفية “مفرغة” من الفهم..
والنتيجة هي ما نرى.. النتيجة هي كل ما حولنا..)

ثم يناقش العمري حديث الاعرابي الذي جاء الى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم و قال “لا ازيد عن هذا و لا انقص” بطريقة عبقرية جدا بدراسة سياق هذا الاعرابي
(هذا الحديث، الذي يروي هذه الواقعة، وسؤال الأعرابي وجوابه عليه الصلاة والسلام، صار يحتل موقعاً مركزياً، في فكرتنا ليس عن الصلاة، وعن العبادات عموماً فحسب، ولكن عن أنفسنا، وعن رؤيتنا للعالم ودورنا فيه.
كانت واقعة واحدة (وهناك حادثتان أخريتان تشبهانها سنأتي إليها أيضاً) ولكنها أخذت حيزاً أكبر مما يجب في فهمنا ورؤيتنا..
سيقولون: قف عندك !، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: أفلح إن صدق.. وهذا بحد ذاته إنجاز كبير كل واحد منا يستحق أن يدفع حياته ثمناً له.. من أجل آخرة فيها الفلاح..
((أفلح إن صدق)) – ليست قليلة أبداً، وارتباط الفلاح هنا بالصدق قد يتجاوز عبارة الأعرابي الأخيرة: لا أزيد عن هذا ولا أنقص – إلى الصدق في جوهر الأداء.. الصلاة.. والصيام.. والزكاة..
رغم هذا، فإن علينا أن نتفحص الواقعة ككل، قبل أن نجعل منها رؤية ثابتة للعبادات، ولأنفسنا، ولعلاقتنا بالعالم كله..

** موقع الاعرابي من الاعراب**

في غمرة احتفالنا بأننا سنفلح لو لم نزد هن هذا ولم ننقص.. ننسى أن الرجل الذي سأل، والذي كان رد الرسول الكريم موجهاً له – كان له “وضع معين” ربما لا يناسب التعميم الذي تعرض له جواب الرسول الكريم صلوات ربي و سلامه عليه..
بعبارة أخرى، كانت عبارته عليه أفضل الصلاة والسلام، تخص الرجل، ولم يصعد الرسول على المنبر ليقول ما قاله للرجل على الملأ..
وعندما نقل رواة الواقعة الحديث، فإنهم نقلوا لنا أيضاً خصوصية وضع الرجل.. التي ربما ارتبط بها خصوصية الجواب..
أي خصوصية؟ لم نعرف عن الرجل أكثر من كونه أعرابياً!.. بالضبط.. هذا هو.. إنه أعرابي.. وإننا لم نعرف منه أكثر من هذا، هذه هي خصوصية الرجل..

كان الأعراب، أعداءً أساسيين للدعوة الإسلامية، ليس كدعوة جديدة قد يرفضها أي قديم ومكرس فحسب، ولكن لأن جوهر الإسلام يتنافى ويتصادم بشكل مباشر مع حياة البداوة والأعراب.. حياة التنقل في الصحراء دون وجود تنظيم اجتماعي واسع غير رابطة العشيرة التي جاء الإسلام ليفك أواصرها و يعيد صهرها.. كان الإسلام في جوهره “تمدناً” وتكريساً لقيم المدينة بكل ما تعني من استقرار وبناء وازدهار.. وكانت البداوة عيشاً على الهامش، على هامش الهامش، ضد أي قيم مدنية.. ضد أي تمدن..
ولأن هذا “العيش على الهامش” كان يأخذ شكل قطع الطريق على القوافل التجارية – وغير التجارية، وكان يرفض الانصياع لسلطة القانون وبالذات لقانون الدولة المركزية الآخذة ببسط سيطرتها بالتدريج، فقد كانت البداوة هي بمثابة عدو رئيسي على التمدن الديني أن يزيحه.

ولهذا، فإن المعايير التي كانت ستوجه نحو الأعراب، هي مختلفة بطبيعة الحال عن المعايير التي توجه لغيرهم، من سكان المدينة أو مكة أو الحواضر الرئيسية وما حولها..
فالمعيار الأساسي مع الأعراب هو “كف أذاهم”، هو تحييدهم عن كونهم عقبة بوجه المسيرة، ولذلك جاءت الآيات الكريمة منددة بالأعراب عموماً {الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً} [التوبة: 9/97]، {قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 49/14] وكذلك الأحاديث الشريفة التي كانت تعد العودة إلى البدو، بمثابة العودة إلى الكفر..
ضمن هذا السياق كله، وعندما يأتي (أعرابي ما) ليسأل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عن الإسلام، فيتحدث الرسول عن العبادات المفروضة – بطريقة يفهمها هذا الأعرابي، ويتعلم من خلالها انضباط ما كان قد خطر في باله أن يتعلمه.. ويفاوض على أنه “لن يزيد عن هذا ولن ينقص” – فإن هذا بحد ذاته إنجاز مهم لو وضعناه في سياقه الاجتماعي.. إنه أعرابي!.. ينتمي إلى تلك الفئة التي هي أشد كفراً ونفاقاً، المتمردة على أي انضباط، التي تعيش على السلب وقطع الطريق.. وعندما يأتي ليسأل عن الإسلام – ويعلن أنه سيلتزم ببنود الطاعة المفروضة “بلا زيادة ولا نقصان” – فإن هذا كله سيفسر ما قاله الرسول الكريم، الذي هو أصدق من قال: “أفلح إن صدق”.. فمجرد انتقال الرجل من طور البداوة إلى طور آخر.. عبر إعلانه الالتزام بالفروض المكتوبة: يستحق أن يكون فلاحاً مثمراً.. إن صدق..

فلنتذكر هنا كيف وصف الحديث الرجل: “أعرابيٌّ”.. لقد بقي مجهولاً، ربما كان صدق، وربما لا، لا نعرف، وسيبقى علم ذلك عند الذي يعلم ما في الصدور، لكن المؤكد أن الرجل ظل مجهولاً، لم نسمع عنه شيئاً بعدها، ولو كان قد فعل شيئاً لكان ذلك “علم” عند الصحابة ورواة الحديث وذكروا اسمه..

لكنه لم يحدث..

ولن نتوقع من شخص قال إنه “لن يزيد عن هذا ولن ينقص” أن يترك أثراً ما لاحقاً..

لكننا لا نعرف شيئاً عن هذا..

** صار الاعرابي قدوتنا**

الذي حصل معنا، أننا تعاملنا مع الحديث، بالذات مع شرح الرسول الكريم للأعرابي، و مع جملة الأعرابي الختامية وتعليقه عليه الصلاة والسلام عليها، بمعزل تام عن كل السياق.. سياق أن الرجل أعرابي، وأن المعايير التي ستوجه له ستكون أدنى وأقل، لأن تحييده من دوره التقليدي كأعرابي هو بحد ذاته منجز مهم..

الذي حصل معنا، أننا ضربنا السياق بعرض الحائط، وجعلنا من هذا الأعرابي المجهول قدوة لنا، عبارته التي لا تخلو من خشونة في حضرة النبي الكريم “والله لا أزيد عن هذا ولا أنقص” صارت بمثابة هدف أعلى لنا وإن كان غير معلن.. لكننا ضمنا نمارسها، نتصور أن الفلاح ماكث بانتظارنا عند عدم الزيادة وعدم النقصان كما لو أن معيار الأعرابي يصلح لكل زمان ومكان، كما لو أن الصحابة كلهم – وهم الذين بنوا العالم الجديد على أنقاض العالم القديم المتهاوي.. قد طبقوا معيار “اللازيادة واللانقصان” وفهم الإسلام على أنه فقط أداء عبادات..
لو أن ذلك الجيل – الذي قاد العالم – قد فهم ما فهمه الأعرابي.. وقرر ما قرره الأعرابي.. لما كان قاد العالم أصلاً، لأنه كان رضي، منذ البداية، بأقل القليل.. بالحد الأدنى من الأمور.. بالحد الذي بالكاد يجعلك تنجح..
لو أن هذا الجيل كان كله مثل ذاك الأعرابي، لما كان صار ذلك الجيل بالأساس.. ولما كان قاد العالم.. وربما – مرة أخرى – لكان التاريخ تغير.. وسار في طريق آخر..
لكن ذلك الجيل، لم يفهم الأمور، ولم يأخذها كما فعل ذلك الأعرابي..

أما نحن، فقد فعلنا.. وانتهى بنا الأمر، كما انتهى بالأعرابي، بأن نكون “مجاهيل” – “نكرات”.. لم نفعل شيئاً يدخلنا التاريخ، بل بقينا على هامش الهامش، كما ذلك الأعرابي – الذي هو أفضل منا ضمن سياقه، لأن المطلوب منه كأعرابي كان هذا لا غير – أما نحن، فقد “اخترنا” أن نعكس السياق وندخل ضمن طور هو أشبه بطور البداوة..
لقد اخترنا فهم “أعرابي ما”.. وجعلنا جملته الفظة شعاراً لنا..
وانتهينا كأمة من الأعراب.. على هامش الهامش..صرنا انصاب تذكارية لذلك الاعرابي المجهول..

**بعده ينتقل المؤلف مجددا الى ان شعائر الدين الخاتم لا بد ان تتميز عن شعائر سائر الاديان و التي قد تمنح السكينة و الهدوء و الروحانية فعلا اما شعائر الدين الخاتم فلا بد ان تتجاوز ذلك الى المساعدة في تحقيق الهدف من وجودنا على الارض…
**
هنا يقدم العمري ربطا عبقريا بين سورتين قصيرتين هما الكوثر و التكاثر ..لنصل بعدها الى مفهوم الصلاة باعتبارها وسيلة للنماء الانساني…

نهر الخير : المنبع من الداخل

سورة قصيرة جداً، عشر كلمات فقط، في ثلاث آيات فقط، هي حتماً أقصر سورة في القرآن الكريم..
إنها سورة الكوثر طبعاً، التي يحفظها أصغر الصغار، فيها ذلك فعل الأمر الوحيد، لذلك الحد الفاصل بين الكفر والإيمان..
الصلاة..
لم يرد فعل الامر بالصلاة بهذا الشكل المباشر الا مرة واحدة ( صل) في سورة الكوثر – اما سائر الايات فكانت تامر بأقامة الصلاة.
السورة مكية مبكرة، وتحتل الرقم الخامس عشر في ترتيب النزول.. وتليها فوراً سورة التكاثر في تلاحم ملفت.
لننظر.. فالتكاثر والكوثر مشتقتان سوية من الفعل كثر، ولكن “التكاثر” شيء، و “الكوثر” شيء آخر.. تماماً..
والتكاثر، الذي ورد في معرض الذم، ينتهي، في خاتمة السورة بالمقابر، في اشارة واضحة على الهباء الذي تنتهي له معظم عناصر فعل المكاثرة..
أولئك المكاثرون، الذين يقضون حياتهم في التكاثر، في مراكمة الأموال والبنين والأشياء من حولهم – ويتصورون أن هذه المراكمة هي المقياس الوحيد للنجاح – هي المقياس الوحيد للاستمرار.. إنهم يعتقدون أن هذه الأشياء (سواء كانت محض ثروة مادية، أو ممثلة في بنين يحملون أسماء آبائهم) ستضمن لهم الاستمرار.. أو الخلود بطريقة أو بأخرى..
وتقع المواجهة بين التكاثر والكوثر، عندما يعير واحد من المكاثرين، الرسول الكريم، بكونه بلا أولاد ذكور، وهذا حسب مفهوم (التكاثر) – ومجتمعات التكاثر – يعني أنه سيكون أبتراً: بلا نسل..
لكن (للكوثر) منطقاً آخر، فالاستمرار فيه لا يقاس بما يتراكم من أموال وأشياء وبنين أو بنات.. والمقياس فيه ليس للكثرة الكمية التي قد تحوي ضمن ما تحوي السم الزعاف والأمراض والفساد، بل القياس فيه للنوع.. وليس للكم..
ولذلك فإن ذلك الشخص المكاثر، الذي قال ما قال، انتهى كنكرة، انتهى بلا ذكر، حتى لو كان قد أنجب عشرة من الذكور..
أما ذاك الرجل الذي عيره بعدم الإنجاب، الذي لم يكن قد راكم ما يتكاثرون به، – عليه الصلاة والسلام – الذي لم ينجب ذكوراً يحملون اسمه -!- فإن ذكره اليوم، بعد قرون طويلة، غطى حرفياً، كل أرجاء المعمورة..
شخص ما، لا نعرف اسمه اليوم، كان قد عيره بأنه مقطوع النسل!.. شخص ما، بدا آنذاك، حسب مقاييس التكاثر، أنه أكثر نجاحاً منه عليه الصلاة والسلام..
لكن للكوثر، مقاييس أخرى..
معيار آخر للكوثر..
بينما التكاثر يعتمد على مراكمة أشياء وزيادتها دون حساب “للقيم” المحتواة فيها..
فإن للكوثر مقياساً آخر يجعله زيادة في الخير فقط.. إنه “الخير الكثير” كما فسَّرها ابن عباس وغيره..
بعبارة أخرى: التكاثر، هو الكثرة فقط، مراكمتها كيف كانت، أرقام بيانية تصعد، ولو كان صعودها سيؤدي إلى الهاوية..
أما الكوثر، فليس “الصعود” محسوباً إلا إذا كان سيؤدي إلى تحقيق رقي في القيم الإنسانية..
وبعبارة أخرى: التكاثر، وقيم التكاثر، تهتم (كمثال) فقط لزيادة الدخل القومي والاستهلاك ومعدلات الفائدة في البنوك – وتعد ذلك مؤشراً على “التنمية”..
أما مع الكوثر: فالمهم هو الإنسان – علاقته مع نفسه، مع ما حوله من مجتمع مع الثوابت من قيمه، مع الله كمصدر أعلى ونهائي لهذه القيم..
مع التكاثر: زيادة الدخل الكلي هو هدف بحد ذاته، حتى لو كان توزيع هذا الدخل يصعد من الهوة بين أغنى الأغنياء، وأفقر الفقراء، ويزيد من التوتر الاجتماعي..
مع الكوثر – الزيادة هي زيادة الخير فقط.. هي تكثير الخير..
إنه الفرق بين التنمية – كخطوط بيانية تتحدث عن أرقام مجردة..
وبين النماء الإنساني.. همه الإنسان وقيمه..

ولقد استقرت كلمة الكوثر، في تفسيرات السلف، وفي أذهان المسلمين، على أنها نهر عظيم في الجنة، أعطاه الله عز وجل، وهو أعز من أعطى، لمحمد عليه الصلاة والسلام، الذي هو أعز من أخذ..
ولا فرق حقيقة بين المعنى اللفظي المباشر للكوثر – الخير الكثير، وبين كونه نهر عظيم في الجنة.. وقد جمعت السيدة عائشة بين الأمرين في فقهها العقلاني المميز، فقالت: إن الكوثر نهر في الجنة، من الخير العظيم الذي أعطاه الله عز وجل لرسوله الكريم.
إذن نحن هنا، أمام مفردة قرآنية كريمة، لها مقابلان واحد دنيوي، والآخر أخروي.. الدنيوي هو الخير الكثير بكافة معانيه.. والأخروي، هو ذلك النهر العظيم في الجنة..
إذن نحن أمام رمز هائل يجسم معنى الكوثر: النهر العظيم.. والنهر هو دوماً رمز للحياة.. وللخصب.. وللعطاء.. إنه الذي تبني عليه الأمم أعظم مراكزها الحضارية.. كل الحضارات العريقة بنت مواطنها على أحواض الأنهار، وبالنهر أيضاً يمكن للصحراء اليابسة أن تتفجر حياةً، به أيضاً يمكنك أن تولد الطاقة.. أن تنير الظلام..
النهر رمز متجدد للحياة.. واسمه هنا الكوثر.. ويقابل هذا الرمز، مرة أخرى، على الضفة الأخرى من المعاني، رمز آخر، يرمز للتكاثر المادي الفارغ من المعنى الذي يتلهى به بعض البشر.. إنه المقابر.. {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (*) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ} [التكاثر: 102/1-2]..
فمقابل ذلك النهر العظيم الذي يرتبط بمعاني كثرة الخير والنماء الإنساني، هناك “المقبرة”: رمز رهيب لتكاثر هو في حقيقته – وعلى مقياس القيم – محض هباء..

ما علاقة كل هذا بما كنا نقوله، الصلاة؟..

ليس بالصدفة أبداً، أن ترتبط المرة الوحيدة التي فيها لفظ “صلِّ” بذلك النهر العظيم، رمز الحياة الحقيقية وتدفقها..
ذلك أن هذه “الصلاة” هي وسيلتنا للوصول إلى ذلك النهر العظيم، نهر الحياة..
الآية الكريمة تقول: {إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (*) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 108/1-2] العطاء تم فعلاً، لكن وحدها الصلاة، هي وسيلتنا للوصول إلى ذلك “الخير الكثير”، لا شيء يجلينا عما نحن فيه، عن أنفسنا، للوصول إلى نهر الحيوية الدافقة، غير “الصلاة” – الصلاة بمعناها الأعلى، بمعناها الذي أمر بها – ككتاب موقوت – من أجله.. وليس بمعنى الحد الأدنى – معنى السقف الواطئ – معنى “لا أزيد ولا أنقص”..
لا شيء يأخذنا، إلى ذلك النهر، الذي يمكنه أن يحول صحراء حياتنا حقولاً زاهرة، ويحول الظلام من حولنا إلى نور مشع.. غير تلك الصلاة..
الصلاة كعملية مستمرة
ولا يمكن أن يكون ارتباط نهر الحياة الذي تأخذنا إليه الصلاة، مجرد افتراض..
ذلك أن الذي لا يكذب أبداً، عليه الصلاة والسلام، قد قال: ((مثل الصلوات الخمس في اليوم والليلة، مثل نهر جارٍ عذبٍ بباب أحدكم، يغتسل منه خمس مرات في اليوم، فهل يبقى من درنه من شيء؟)).. إنه النهر مجدداً – والصلاة أيضاً..
(الحديث) لو قرأناه بعين تعودت على اعتبار الصلاة مجرد غسالة للذنوب التي نرتكبها بين أوقات الصلاة.. لوجدنا فيه تكريساً لذلك.. لكن لو حاولنا النظر إليه من زاوية أبعد، لوجدنا أن الرسول الكريم لا يتحدث عن (أدران) ما بين الصلوات التي تزيلها الصلاة كلما أديت، بل عن عملية مستمرة – عن (الصلوات الخمس) ككل؛ عن المداومة عليها، باعتبارها ستزيل الأدران، وتجلوك، درناً تلو الآخر، إلى أن يظهر معدنك الأصيل.. وقد زالت عنه أقنعة الأدران.. الحديث هنا، ليس عن عملية تكفير ذنوب، يتم فيها تصفير الذنوب مع كل صلاة، وبعدها نعود للذنوب، ومن ثم نعود للصلاة، ويعاد التصفير.. وهكذا دواليك..
الحديث عن عملية تفاعل مستمرة، مع ذلك النهر – الصلاة، يجلي فيها أعماقك، وصولاً إلى أفضل ما عندك، أفضل ما يمكن لك أن تفعله..
الحديث عن “هل يبقى من درنه شيء؟” لا يتحدث عن ذنوب هنا وهناك، بل عن جذور تلك الأدران – عن اقتلاع تلك الجذور – عن الصلاة باعتبارها وسيلة تجعلك تتكوثر: بمعنى أن تزيد الخير في داخلك.. تنمي الخير في داخلك..

عن الصلاة كوسيلة للنماء الإنساني..

هل ستقوم بقراءة السلسلة إذاً ؟