/ المجتمع والواقع

إضاءات على نموذج حضاري مفتقد ...

اهتم القرآنُ المجيد في خطابه لصياغة جيلٍ جديد قادرٍ على صناعة فجرٍ آخر، بإبراز صفات هذا الجيل، فلا يكاد أحدنا يقرأ شيئًا من ورده اليومي إلا وتمرّ معه صفاتٌ شتى، صفاتٌ كان من المفترض أن تكون واقعًا، لولا أنّ فهمًا تقليديًا حجّرها وحنّطها، ثم ركنها إلى متحف المستحاثات، وكل الأشياء التاريخية الجميلة.
هذه الصفات – لأسبابٍ شتى – أُفرغت من محتواها الحضاري العملاق، فتحولت إلى مجرّد أخلاقٍ طيبة، تدور حول ذلك الرجل الهين اللين، الذي يطعم الطعام ويفشي السلام، ويصلي بالليل والناس نيام.
لن يكون هناك مشكلة مع رجلٍ يطعم الطعام ويفشي السلام ويصلي بالليل والناس نيام، المشكلة هي أن هذا الرجل – النموذج، بات لايفعل أكثر من ذلك، والسبب : رؤيةٌ تقليدية أفرغت المعاني من محتواها الحضاري وأبقت على محتواها الأخلاقي المجرّد، الذي لا يبني بمفرده مجدًا ولا حضارة …

وهنا ملاحظات :
– ليس بالضرورة أن تذكر الصفات صراحةً على أنها صفات! أقصد أنه ليس بالضرورة أن تُقدّم لنا كوجبة جاهزة دون إعمالٍ للعقل أو تفكير، فقوله تعالى { وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } يعني على المستوى الأولى – أي المعنى الجاهز المباشر – أنّ الفئة المؤمنة، رائدة المجتمع الإسلامي، تؤدي زكاة أموالها ولاتقصّر بذلك بتاتًا. لكن وعلى مستوىً أعمق، هذا يعني أن هذه الفئة المؤمنة هي من ‘أصحاب الأموال’ أصلًا، وهم لديهم حاجتهم من المال وزيادة، زيادة رتّبت عليهم فرض الزكاة، وهذا يعني بالتالي أنهم من الناجحين في أعمالهم، وليسو من أصحاب المشاريع الفاشلة المخفقة، وهذا يعني أنهم من العاملين، ولسيو من العاطلين عن العمل ..
قد يتفاوت هؤلاء المؤمنين في أعمالهم ونجاحهم وبالتالي أموالهم وزكاتهم، لكنهم كلهم ‘للزكاة فاعلون’
الآيات لم تذكر صراحةً (العمل الناجح المثمر، والمال الذي زاد عن الحاجة وبلغ نصاب الزكاة) وكل مايعنيه ذلك من دأب وإقبالٍ على الحياة، لكنها بالتأكيد عنته.
– لا يسعني المقام هنا إلى بحثٍ تفصيلي، وتنقيب دأوب خلف اﻵيات القرآنية التي تؤصّل لما أريد عرضه من خصالٍ حضارية أصيلة، وقد لا أكون موفقًا كفاية لإختيار أقرب آية إلى المعنى المقصود، إلا أنني سأحاول جاهدًا وهذا حسبي، في عرض آية والتعقيب عنها، وذكر آيتين أو ثلاث تساند المعنى وتكمله وأترك التعقيب لكم ..
– ما زال ينقصني – حقيقةً – تدريب طويل حول هذه المعاني، لبلوغها، كما ينقصني مزيد قراءة عنها، وعليّ أذكر ختامًا بعض الكتب التي أراها مفيدة في موضوعنا هذا ..
– لم أعتمد أيّ ترتيبٍ مقصود في عرض الصفات، وإنما كتبتها هكذا كما وردت إلى ذهني ..

قبل إدارة الأعمال …
إذا ذكر لنا مصطلح ‘إدارة’ فالذي سيخطر على بالنا ‘إدارة الأعمال’ أو لربما ‘إدارة الوقت’، وقد نفكّر كذلك بـ ‘إدارة العلاقات’ ..
لكن ‘إدارة المشاعر’ قد لا تخطر منّا ببال، لا تستغربون! فإدارة المشاعر مكّون أساسيٌ للرجل الحضاري – بالمنظور القرآني على الأقل.
إن الرسالة الأسمى التي ينبغي أن نعرفها هنا هي أننا مسؤولون عن عالمنا الداخلي، وعن أحاسيسنا ومشاعرنا. نعم نحن مسؤولون عن الطريقة التي نشعر بها، نحن وليس أحدٌ آخر سوانا..
ليس فنجان القهوة الذي بلل بذلتك، ولا الكلمة الباردة التي سمعتها من صديقك، ولا الظرف ‘البايخ’ الذي وضعك به زميلك في العمل .. ليست هذه المشاهد هي التي ولّدت لديك المشاعر المختلفة، ولكنها الطريقة التي تنظر من خلالها إلى هذه الأحداث ..
هل تظنون أن رجل النهضة يمكن استفزازه بسهولة، أو جره إلى غضبٍ عارم، أو نشوةٍ جارفة..
رجلٌ النهضة، هو شخصٌ تمكّن من مهارات إدارة المشاعر، بمختلف أنواعها … من ‘الغضب’ الذي يقبع على ذروتها إلى أسفل القائمة ..
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }
الكظم، هو أحد أهم مهارات إدارة المشاعر، والغيظ هو منتهى الحنق، وهي أعلى المشاعر والأحاسيس السلبية، وبذا يكون نموذجنا قد تمكّن من أشد المشاعر، فهو على أهونها أقدر (وهذا هو المعنى غير المذكور صراحةً ضمن اﻵية، لكنه مقصود بالتأكيد).
والكظم ليس أن تموت بغضبك أو ألّا تعبّر عنه مطلقًا، بل أن تديره وتتخلص منه وتُحِلَّ مكانه مشاعر العفو والتسامح حتى تبلغ {والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، والذي يعفو بحق ثم يحسن بحق لا تسيطر عليه بالتأكيد مشاعر الغضب التي انتابته ابتداءًا ..
وهذا كله يرسم صورةً عن إنسانٍ قرارُ مشاعِره في يديه لا في يدي الآخرين من حوله، لذلك لن تسمع منه العبارة الشائعة ‘شي بعصّب’ لأنه يعلم بأنه لا يوجد شيءٌ يثير الغضب بحد ذاته، وإنّما نظرتنا للموقف ومنظورنا للحدث ترسم مشاعرنا ..
وكما قلت، فلا يتعلق اﻷمر بأيةٍ واحدة، لكنّ الهدف أن أبين أن معانٍ حضارية تجثم في النص الديني إلى جانب المعنى الأخلاقي، يقول تعالى {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}
الخطاب يتحدث عن مهارة اخرى تتعلق بـ ‘عدم الأسى على ما فات’ و ‘تجنب الفرح بخيلاء وإفتخار بما أوتينا’
الغضب، الأسى، الإخيتال، الحسد، القلق، الإكتئاب … كلها مشاعرٍ سلبية نحن مسؤولون عن ما نحمله منها، ولدينا القدرة على إدارتها وتجنبها …

نظرية ‘العصر’ القرآنية ..
عندما تقرأون في كتب تطوير الذات الغربية، وما أكثرها، وتحديدًا عندما يتحدثون عن الوقت، ستجدونهم يتحدّثون عن ‘إدارة الوقت’ ، ‘التعامل مع الوقت’ ، ‘إستثمار الوقت’ … وكلٌّ ينظّر نظريات ويرسم خطوطًا لها، لكنّ الخطاب القرآني تحدّث عن شيء أعمق من ذلك بكثير ….. إنها نظرية ‘عصر الوقت’ القرآنية ..
أن تدير وقتك فهذا أمرٌ طيب، أن ترسم الجداول وتضع المهام المطلوبة منك فهذا شيء حسن، أن تستثمر وقتك فهذا من سُموّك … لكن أن ‘تعصر وقتك عصرًا’ حتى تستنفد قطراته كلها، فهذا يعني أنك مصاغ في مصيغة القرآن المجيد …
{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ }
بدون هذا ‘العصر’ لن تكون حياتك خاسرة، بل ستكون ‘أنت شخصيًا’ خاسر.
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }
اليوم تحوّل النوم ليلًا للدجاج، والسهر للشباب …
وسيكون للنصر موعد { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ }، وللعذاب موعد {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً } ، بينما سيكون الكفّار – حسب الخطاب القرآني – هم من ينكرون المواعيد { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً } موعدا، نكرة، مطلقة على عمومها … بينما المؤمن – مجددًا حسب القرآن – هو من يعين المواعيد ويطلب منه ذلك لدقته { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً }
اليوم ونحن نتلي القرآن قد نشعر بوخزة ضمير عندما نقرأ مثلًا قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ … وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ … } وذلك لأننا لسنا على المستوى الذي يطلبه منّا القرآن، نشعر بالخجل وأحيانًا بالألم، وتلاوة في إثر تلاوة، ننوي العزم على التقويم، ونفشل مرات، حتى ننجح ….
لكن ومهما بقينا نتلوا القرآن فإننا لن نشعر بأدنى وخزة فيما يتعلق بتقصيرنا تجاه الوقت، هذا لأن الآيات قد أفرغت من محتواها الحضاري وتم الإبقاء على محتواها الأخلاقي ..

الموارد … أمانة في عنقك ..
من صفات الرجل – النموذج أنه عندما قرأ قوله تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بات يحمل همًّا جديدًا .. إنه همّ البيئة ومواردها !
وتبدو هذه القراءة غريبةً فعلًا عن كل ماقد نتوقّعه من الخطاب القرآني، الذي يقول صراحةً أن التلوث والإحتباس الحراري والتصحر والجفاف، و’الفساد’ عمومًا ظهر وسيظهر في البر والبحر، نتيجةً طبيعيةً لما قامت به أيدي النّاس عمومًا، من إستهلاكٍ يكاد يستنفد مقدّرات الأرض بكل ماتعنيه الكلمة، والغاية : شعور الناس بالضرر والخطر علّهم يعودون إلى صوابهم …
تفي الأرض بإحتياجات كل من عليها، لكنها لا تقدر على الإيفاء برغبات رجلٍ واحد فقط، وبما أن العلاقة التي رسمها القرآن بين الأرض والإنسان علاقة إستخلاف، وليس علاقة تحدي وإستغلال، وبما أن ركنًا أساسيًا من الإسلام سيكون ‘الصيام’ بمعنى الإنقطاع عن الإستهلاك، بهدف التقليل من الإستهلاك (الحضارة الغربية اليوم جعلت الإستهلاك والمزيد منه أحد أهم أركانها وأهم أهداف العيش فيها )؛ لذا سيكون تقليل إستهلاك الموارد جزءًا أصيلًا من سلوك رجل النهضة – رجل القرآن ..
الماء، الكهرباء، الخشب، الورق، الوقود …. وجميع الموارد الأخرى، وستلتحم هذه الخصلة في تفاصيل حياته الدقيقة، وستحكمها …
لا داعي مع القرآن لأن تكون من ‘مناصري البيئة’ ، فالحفاظ عليها يهيمن على حياتك حقًّا …
**
يتبع ..**