/ مجتمع

يا سيدي بعرف واحد

الأسلوب الذي نشكل به أحكامنا، تصوراتنا، وقناعاتنا حول مختلف القضايا الكبرى والصغرى، في شتى جوانب الحياة، هو المؤشر الاكثر وضوحًا على الإتجاه الذي نتحرك به، تقدمًا أو تراجعًا، فاقتراب هذا الأسلوب من العلمية يبشّر بإمكانية حل المشكلات التي نواجهها، والخروج منها برصيد أكبر، وتحقيق موقع متقدم على صعيد الفرد والمجتمع، والعكس يحصل كلما ابتعدنا عن العلميّة.

التفكير العلمي واحد من أكثر المواضيع التي أتناولها باستمرار هنا، واليوم أتحدث عن مفتاح لغوي عجائبي، في القاموس العربي اليومي، قادر على قلب أكبر الحقائق العلمية، ودحض أهم النظريات، وإثبات فشل أكثر البراهين رسوخا، وكل ذلك بحركة التوائية غرائبية، تمر بشكل سلس، تلتف حول الحقيقة، فتخنقها ببطء، ودون أن يلاحظ ذلك أحد.

إنها العبارة السحرية “يا سيدي، بعرف واحد”، المستخدمة لذكر استثناء، بهدف إثبات فشل القاعدة! كأمة استثنائية للغاية.
فبعد أن يفرغ أحد الأطراف من ذكر فكرة ما (قد يكون لها حظها من العلميّة أو لا يكون)، يلجأ الطرف المقابل في نقاشها إلى ذكر بعض الأمثلة الفرديّة، كأسلوب وحيد في نقاش الفكرة، ومن ثمّ تقرير عدم صوابيتها.

فإذا تحدثت أن العيش في بلدٍ ما، أو منطقة ما، يعرض حياة الإنسان لخطر الإصابة أو الموت، حسبما تتحدث الإحصائيات، بنسبة كذا في المئة، قفز إليك أحدهم قائلا “يا سيدي بعرف واحد.. طلع من هون ع السعودية، انو ماعاد يقدر يعيش بهيك جو، ما لحق قعد أسبوع بالسعودية عمل حادث وتوفى”.
وبقصتين أو ثلاثة من النوع السابق، يتملص العقل العربي من الحقيقة التي يقرها العلم الإحصائي، ليعيش في كنف منطقه الغرائبي.

وإذا ما ذكرت في مجلس ما، بأن تناول الطعام الخضري والنباتي، يقلل الإصابة بمرض السرطان مثلًا، بنسبة كذا في المئة، برز إليك صاحبنا هذا بدوغمائيته قائلا “يا سيدي بعرف واحد نباتي، وقع، شالوه ع المستشفى، عمل تحاليل طلع معو هداك المرض بالدم، ولهلأ بالمستشفى عم يقضي المقاضي”
هكذا مجددًا، تنتصر الانتقائية الشخصية على كل شيء آخر..

فلا وربك لا يعقلون حتى يلج الجمل في سم الخياط..