/ المجتمع والواقع

ماذا بقي في يد السوريين؟ العمل المدنيّ وإيجاد النماذج الربحية

كتب الأستاذ حازم نهار مقالًا في موقع “حزب الجمهورية” بعنوان «ماذا بقي في يد السوريين، وماذا يمكن أن يفعلوا؟» يناقش فيه هذين السؤالين بعد مضي خمس سنوات على اندلاع شرارة الثورة، وشعور جمهورها اليوم بأنّ الأمور خرجت عن السيطرة وباتت رهينة القرارات الدولية، ليصل إلى قوله:
«في الإجابة عن الأسئلة المتكررة “ما الحل؟ ماذا بقي في يد السوريين؟ وماذا يمكن أن يفعلوا”، أقول إن أهم خطوة يمكن أن يقوم بها السوريون هي الذهاب نحو تنظيم أنفسهم في قوى وأحزاب سياسية حقيقية وعصرية، وفي منظمات مجتمع مدني متماسكة، فالمجتمع المنظم هو وحده الذي يمكن له أن يقوم بالمهمات المطلوبة والضرورية: الحدّ من تأثير الخارج وتدخلاته، إسقاط الاستبداد بأشكاله كافة، بناء الدولة الوطنية السورية الجديدة.»
ثم يردّ على الاعتراضات الواردة أو المتوقعة لمثل هذا الطرح، من قبيل هل يُعقل أن يُطلق هذا النداء والسوريون تحت القصف والموت. أو هل سينفع حلٌ كهذا والأمر اليوم بيد المجتمع الدولي وحده لا غير.

أرغب أن أعقّب على المقال بما يلي:

  • ما الذي سيتغيّر عندما يخرج السوريون من الأحزاب والقوى والمؤسسات التي يعملون بها اليوم نحو مؤسسات “سياسية حقيقية وعصرية”؟
    لقد شهدنا – ولا نزال – سباقًا في تشكيل التحالفات وإعادة تشكيلها وصياغتها ثم نقضها والبناء عليها من جديد إلخ طيلة السنوات الماضية، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا إعلاميًا وإغاثيًا ومدنيًا، لقد تغيّرت الأسماء والشعارات وحتى الأنظمة الداخلية وأساليب العمل سعيًا نحو مؤسسات “حقيقية وعصرية”، لكن كنتائج وعلى أرض الواقع لم يتغيّر الكثير..

  • قبل أن نكون كسوريين بحاجة إلى “مؤسسات عصرية وحقيقية”، فإن هذه المؤسسات بحاجة لنا، هذه المؤسسات تحتاج إلى كوادر متميزة. ما يلزمنا كسوريين هو أساليب مختلفة في التفكير والعمل.
    نحن ندير مؤسساتنا اليوم بعقلية “الدكّان”، ويتم التوظيف وفقًا للشللية والمعارف، بينما يسير العمل تبعًا للمونة والأخلاق، وتسود مؤسساتنا أجواء من التنافس والتناحر .. هذا ما يحتاج إلى التغيير في المقام الأول، فالمؤسسات في نهاية المطاف تُحدد بجودة كوادرها.

  • الأستاذ نهار يقول بأننا بحاجة إلى مؤسسات مدنية أيضًا، لأنّه “لا يمكن لجهاز الدولة السورية مستقبلاً، إزاء حجم الدمار الذي حصل في سورية، أن يأخذ على عاتقه وحده إعادة الإعمار ومعالجة مشكلات أساسية ضاغطة مثل المشكلة التعليمية والمشكلة الصحية”.
    وهنا لدينا مصائب أخرى لعل أخطرها “الداعم”. فجميع مؤسساتنا المدنية اليوم (وكذلك كبرى المؤسسات الإعلامية والعسكرية السورية التي نعرفها) تستند في عملها وتمويلها إلى «الداعم»!  والداعم هو شخص أو جهة ‘طيّبة’ تهبنا المال مقابل أن نعمل ‘لمصلحة البلاد’!
    مثلًا «مؤسسة X هي مؤسسة ترعى الجهات المدنية اللاعنفية التي تسعى إلى تعزيز حرية الرأي والتعددية ضمن المجتمع السوري».
    للوهلة الأولى يبدو الداعم شيئًا من “الزمن الجميل”، لكن بمجرد الاقتراب من تلك المؤسسات والدخول إلى تفاصيلها وفتح ملفات مشاكلها سنجد أن كل شيء يعود إلى هذا الداعم!
    لماذا توقفت المؤسسة الفلانية؟ توقف الدعم.. لماذا نشأت المؤسسة الفلانية؟ يوجد داعم
    لماذا نفعل كذا؟ لأن الداعم يريد.. لماذا لا نفعل كذا؟ لأنّ الداعم لا يريد

الداعم هو الوهم الذي يشعرنا بأننا كبار ولدينا مؤسسات قوية وممتدة.. لكن بمجرد انقطاعه نعود إلى حجمنا الطبيعي..
على سبيل المثال في الوقت الذي تجد فيه كبرى الصحف العالمية مشاكل في السيولة المالية بما يهدّد استمرار طباعتها ويجعلها تضطر للاكتفاء بالإصدار الإلكتروني، فإن الراديو الفلاني السوري يبث 24 ساعة لمئة أو مئتين مستمع، والجريدة السورية الفلانية تطبع عدّة آلاف من النسخ وتوزعها مجانًا، ثم تصرف على كواردها من هبات الممول!
طالما أن مؤسساتنا لا تعرف كي توجد المال فهي ليست مؤسسات بل هياكل في مرحلة المراهقة.

ما الذي يميّز المراهق عن الرجل؟ ما الذي يميز تهوّر الأول عن شجاعة الثاني؟
هناك نقطة مهمة، وهي عندما يقرّر المراهق أن يتحمل مسؤولية حياته، فيبحث عن مصدر رزق، مستقلا في منزله وحياته ومتحملا مسؤولية قراراته.. المشكلة أن مؤسساتنا إلى اليوم تأخذ مصروفها من “البابا” ولا تعرف كيف تموّل نفسها بنفسها لضمان استمرارية واستقلالية العمل.
ما سبق هو جزء من المشاكل الداخلية للمؤسسات السورية، وهي مشاكل مرتبطة بنا كسوريين، بتكويننا وببنانا الفكرية والنفسية والاجتماعية وكل شيء.. بأسلوبنا في التفكير والعمل، وهذا ما يحتاج إلى تغيير، وهذا ما يمكننا فعله حقًا.

  • المؤسسات المدنية اليوم بحاجة أن تتحول إلى نموذج الشركات الناشئة، بعبارة أخرى بحاجة أن تتحول إلى مبادرات منتجة ومفيدة للمجتمع وأن يكون تمويلها يعتمد على إيجاد “نموذج ربحي” يجلب المال بما يضمن استمرارها، نموها، استقلاليتها، وتمويل الأفراد العاملين عليها.. هذه القفزة من المراهقة إلى النضج هي إحدى المدارس التي ستعلمنا أساليب جديدة في التفكير والعمل. بعبارة أخرى فإن التركيز على أهمية الكوادر قبل المؤسسات ليس دعاية مجانية لمبدأ “إصلاح النفس” قبل “التغيير والعمل السياسي” على شاكلة المتصوفة، لأن بناء أنفسنا لن يتم في صومعات منفصلة عن المجتمع وقواه ومؤسساته، أنت تعمل وبنفس الوقت تتعلّم هذه ليست أحجية.

  • عندما تبدأ المؤسسة بالتعب والكد للحصول على القرش ستختفي الواسطات والمحسوبيات في التوظيف، سيختفي مبدأ المونة في العمل وسينتقل العمل بأكمله إلى مستويات من الاحترافية..
    بالتأكيد يمكن تفهّم أن تفضّل بعض المؤسسات الحصول على تمويل عند انطلاقها كنوع من تسريع النمو، لكن هذا مختلف تماما عن استمرارها لخمس سنوات على أكتاف الممول.

  • انطلاق العمل السوري الثوري لصالح العام على مبدأ “الثوابية والتطوع” ثم تحوّله إلى الابن المدلل للداعم غريب الأطوار هو ما شكّل بيئة نافرة لجميع الكفاءات السورية التي قرّرت النأي بنفسها تدريجيًا عن هذه الأجواء، لذا فإنّ تغيير هذا الواقع كفيل بإعادة جذب مساهمات وإبداعات تفتقر إليها ساحات العمل.

هذا ما يمكننا كسوريين أن نفعله، وهذا ما يجب علينا القيام به.