/ كتب قرأتها

مع كتاب (التنوير في إسقاط التدبير):

لمؤلفه الإمام ابن عطاء الله السكندري:

======================

[بداية]:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرسول الأمين..

بصراحة وبعد قراءتي لكتاب التنوير فإني أعتبره بحق كتاب قيم، ولو أن أحداً من علماء هذا العصر أو دعاته أعاد كتابة (التنوير) بلغة العصر وروحه وأعاد صياغته وتشذيبه والإضافة عليه والحذف منه لخرج كأقوى كتاب يعالج موضوع (التدبير) وتبعاته (الهموم النفسية، القلق …)

<

p class=”MsoNormal” style=”margin:0;” dir=”rtl”>إقتبست لكم من بعض فقراته هذه القبسات، وأتبعتها بمجموعة قوية من الفوائد التي وردت في الكتاب، وختم ابن عطاء الله السكندري كتابه (كعادته) بمناجاة رائعة ..
للحصول على نسخة من التلخيص تفضل بالنقر هنا

[التسليم وعدم التدبير]

يقول تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، فيه دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكّم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  على نفسه، قولا وفعلا، وأخذا وتركا، وحبا وبغضا، ويشمل ذلك حكم التكليف، وحكم التصريف والتسليم، والانقياد واجب على كل مؤمن في كليهما. فأحكام التكليف: الأوامر والنواهي المتعلقة باكتساب العباد. وأحكام التصريف: هو ما أورده عليك من قهر المراد. فتبين من هذا أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بأمرين: بالامتثال لأمره، والاستسلام لقهره.

[تقوية الحق لعبده فيما يورده عليه]:

ذكر الإمام عشرة أسباب يوردها الله على عبده إذا أراد أن يقويه على ما يريد ان يورده عليه فقال:

وإنما يعينهم على حمل الأقدار، ورود الأنوار وإن شئت قلت: وإنما يعينهم على حمل الأحكام، فتح باب الأفهام. وإن شئت قلت: وإنما يعينهم على حمل البلايا، واردات العطايا. وإن شئت قلت: وإنما يقويهم على حمل أقداره، شهود حسن اختياره. وإن شئت قلت: وإنما يصبّرهم على وجود حكمه، علمهم بوجود علمه. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على ما جرى، علمهم بأنه يرى. وإن شئت قلت: وإنما يصبّرهم على أفعاله، ظهوره عليهم بوجود جماله. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على القضا، علمهم بأن الصبر يورث الرضا. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على الأقدار، كشف الحجب والأسفار. وإن شئت قلت: وإنما قواهم على حمل أثقال التكليف، ورود أسرار التصريف. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على أقداره، علمهم بما أودع فيها من لطفه وإبراره.

ثم شرع يشرح هذه الأسباب العشرة ويورد شيئاً مفصلاً عن بعضها، ومما قاله في شرحها:

# علم العبد بأن الأحكام التي تجري عليه إنما هي من سيده سلوة له وسبب لوجود صبره، ومثال ذلك: لو أن إنسانا في بيت مظلم، فضُرب بشيء ولا يدري من الضارب له، فلما أدخل عليه مصباح: نظر فإذا هو شيخه أو أبوه أو أميره. فإن علمه بذلك مما يوجب صبره على ما هنالك.

# كما أن واردات العطايا السابقة من الله إليك، تذَكُرك لها مما يعينك على حمل أحكام الله إذ كما قضى لك بما تحب، اصبر له على ما يحب فيك.

# ثم أن العبد إذا شهد حسن اختيار الله تعالى له، علم أن الحق سبحانه لا يقصد ألم عبده لأنه به رحيم {وكان بالمؤمنين رحيما} غير أنه سبحانه يقضي عليك بالآلام لما يترتب عليه من الفضل والإنعام وإن الأب المشفق يسوق لابنه الحجام لا بقصد الإيلام.

# أن علم العبد بأن الحق سبحانه مطلع عليه فيما ابتلاه يخفف عنه أعباء البلايا، ألم تسمع قوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}.

[من أسباب إسقاط التدبير]:

اعلم إن الذي يحملك على إسقاط التدبير مع الله والاختيار أمور.

الأول: علمك بسابق تدبير الله فيك: وذلك أن تعلم إن الله كان لك قبل أن تكون لنفسك، فكما كان لك مدبرا قبل أن تكون ولا شيء من تدبيرك معه، كذلك هو سبحانه وتعالى مدبر لك بعد وجودك.

فكن له كما كنت له، يكن لك كما كان لك.

الثاني: أن تعلم أن التدبير منك لنفسك جهل منك بحسن النظر لها، فإن المؤمن قد علم أنه إذا ترك التدبير مع الله، كان له بحسن التدبير منه، لقوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. فصار التدبير في إسقاط التدبير، والنظر للنفس ترك النظر لها فافهم ها هنا قوله تعالى: {وأتوا البيوت من أبوابها}. فباب التدبير من الله لك، هو إسقاط التدبير منك لنفسك.

الثالث: علمك بأن القدر لا يجري على حسب تدبيرك، بل أكثر ما يكون ما لا تدبر، وأقل ما يكون ما أنت له مدبر والعاقل لا يبني بناء على غير قرار فمتى تتم مبانيك والأقدار تهدمها؟وإذا كان التدبير منك والقدر يجري على خلاف ما تدبر، فما فائدة تدبير لا تنصره الأقدار؟ وإنما ينبغي أن يكون التدبير لمن بيده أزمة المقادير

الرابع: أنك كما سلمت لله تدبيره في سمائه وأرضه، فسلم له تدبيره في وجودك: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس}.

الخامس: علمك بأنك ملك لله، وليس لك تدبير ما هو لغيرك فما ليس لك ملكه، ليس لك تدبيره لا سيما وقد قال سبحانه وتعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة}.

فلا ينبغي لعبد بعد المبايعة، تدبير ولا منازعة، لأن ما بعته وجب عليك تسليمه، وعدم المنازعة فيه، فالتدبير فيه نقض لعقد المبايعة. فإن كانت نفسك لك فاصنع بها ما شئت، ولن تستطيع ذلك أبدا، وان كانت لبارئها فسلمها له يصنع بها ما شاء.

السادس: علمك بأنك في ضيافة الله، لأن الدنيا دار الله، وأنت نازل فيها عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الضيافة ثلاثة أيام). وقد قال تعالى: {وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}.

السابع: (نظر العبد إلى قيومية الله تعالى في كل شيء) ألم تسمع قوله تعالى: {الله لا اله إلا هو الحي القيوم}. فهو سبحانه وتعالى قيوم الدنيا والآخرة، قيوم الدنيا بالرزق والعطاء، والآخرة بالأجر والجزاء.

الثامن: هو اشتغال العبد بوظائف العبودية التي هي مبتغاة بالعمر،فإذا توجهت همته إلى رعاية عبوديته، شغله ذلك عن التدبير لنفسه والاهتمام لها.

التاسع: وهو أنك عبد مربوب، وحق العبد أن لا يعول هما مع سيده، مع اتصافه بالا فضال، وعدم الإهمال، فإن روح مقام العبودية: الثقة بالله والاستسلام إلى الله تعالى، وعلى العبد القيام بالخدمة، والسيد يقوم له بوجود القسمة.

العاشر: عدم علمك بعواقب الأمور: فربما دبرت أمرا ظننت أنه لك، فكان عليك.

[بنو اسرائيل والتيه]:

قوله تعالى {ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها، وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله}.

فظاهر التفسير: أتستبدلون الثوم والبصل والعدس بالمن والسلوى وليس النوعان سواء في اللذة ولا في سقوط المشقة؟ وسر الاعتبار: أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد الله لكم؟ أتستبدلون الذي هو أدنى، وهو ما أردتموه، بالذي هو خير، وهو ما أراد الله لكم؟

فإذا أردت الإشراق والتنوير فعليك بإسقاط التدبير، واسلك إلى الله كما سلكوا، تدرك ما أدركوا.

[وقفة]:

قوله تعالى على لسان نوح{يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين.قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}.فإذا تلاطمت عليك أمواج الأقدار، فلا ترجع إلى جبل عقلك الباطل لئلا تكون من المغرقين في بحر القطيعة ولكن ارجع إلى سفينة الاعتصام بالله، والتوكل عليه.

ليس شيء في الأقوال أعون على الأفعال من لا حول ولا قوة إلا بالله،

وسر الحكمة في إيجاد الشيطان، أن يكون مظهرا ينسب إليه سباب العصيان، ووجود الكفران والغفلة والنسيان ألم تسمع قوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان}. و {هذا من عمل الشيطان}.

[ أقسام التديبر ] :

اعلم أنَّ التدبير على قسمين محمود ومذموم:

فالتدبير المذموم: هو كل تدبير ينعطف على نفسك بوجود حظها، لا لله قياما بحقه، كالتدبير في تحصيل معصية، أو في حظ بوجود غفلة، أو طاعة بوجود رياء وسمعة، ونحو ذلك، وهذا كل مذموم لأنه إما أن يوجب عقابا، أو يوجب حجابا.

والتدبير المحمود: هو ما كان تدبيرا بما يقربك من الله، كالتدبير في براءة الذمم من حقوق المخلوقين، إما وفاء، وإما استحلالا، وتصحيح التوبة إلى رب العالمين، والفكرة فيما يؤدى إلى قمع الهوى المردي، والشيطان المغوي، وكل ذلك محمود لا شك فيه، ولأجل ذلك قيل: (فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة).

والتدبير للدنيا على قسمين: تدبير الدنيا للدنيا، وتدبير الدنيا للآخرة.

فتدبير الدنيا للدنيا: هو أن يدبر في أسباب جمعها افتخارا بها واستكثارا؟ وكلما زيد فيها شيئا ازداد غفلة واغترارا، وأمارة ذلك أن يشغله عن الموافقة ويؤديه إلى المخالفة.

وتدبير الدنيا للآخرة: كمن يدبر المتاجر والمكاسب والغرامة ليأكل منها حلالا، ولينعم بها على ذوي الفاقة أفضالا، وليصون بها وجهه عن الناس إجمالا.

فائدة: اعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه، فالتدبير المذموم: ما شغلك عن الله، وعطلك عن القيام بخدمة الله، وصدك عن معاملة الله والتدبير المحمود: هو ما ليس كذلك، مما يؤديك إلى القرب من الله تعالى ويوصلك إلى مرضاة الله

[طريان التدبير] :

اعلم أن التدبير أكثر طريانه على العباد المتوجهين، وأهل السلوك من المريدين قبل الرسوخ في اليقين، ووجود القوة والتمكين، وذلك لأن أهل الغفلة والإساءة قد أجابوا الشيطان في الكبائر والمخالفات واتباع الشهوات، فليس للشيطان حاجة أن يدعوهم إلى التدبير، ولو دعاهم إليه لأجابوه بسرعة فليس هو أقوى أسبابه فيهم، إنما يدخل بذلك على أهل الطاعة والمتوجهين لعجزه عن أن يدخل من غير ذلك عليهم.فرب صاحب ورد عطلة عن ورده أو عن الحضور مع الله تعالى فيه هم التدبير والفكرة في مصالح نفسه.

[فوائد متنوعة]

فائدة: لا يكن همك في دعائك، الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوبا عن ربك، وليكن همك مناجاة مولاك

قال مالك رحمه الله: ليس الفقه بكثرة الرواية، وإنما الفقه نور يضعه الله في القلب.

فائدة: اعلم انه لا ينافي التوكل على الله في أمر الرزق وجود السبب، كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب). فقد أباح الطلب، ولو كان منافيا لمقام التوكل على الله، لما أباحه.

فافهم رحمك الله: أن من شأن هذا العدو أن يأتيك فيما أنت فيه مما أقامك الله فيه، فيحقره لتطلب غير ما أقامك الله فيه، فيتشوش قلبك ويتكدر وقتك. وذلك انه يأتي للمتسببين فيقول: لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت لكم الأنوار، ولصفت منكم القلوب والأسرار، قائلا: وكذلك صنع فلان وفلان، ويكون هذا العبد ليس مقصودا بالتجرد، ولا طاقة له به، وإنما صلاحه في الأسباب فيتركها فيتزلزل إيمانه، ويذهب إيقافه، ولا يتوجه إلى الطلب من الخلق، والى الاهتمام بأمر الرزق، فيرمى في بحر القطيعة، وذلك قصد العدو فيه. لأنه إنما يأتيك في صورة ناصح، إذ لو أتاك في غيرها لم تقبل منه وكما أتى آدم وحواء عليهما السلام في صورة ناصح: {وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين). كما تقدمك بيانه. {وقاسمهما أني لكما من الناصحين}. كما تقدم بيانه.

وكذلك يأتي للمتجردين ويقول لهم: إلى متى تتركون الأسباب؟ ألم تعلموا أن ترك الأسباب تتطلع مع القلوب إلى ما في أيدي الناس، ويفتح باب الطمع، وإنما قصد الشيطان بذلك أن يمنع العباد من الرضا عن الله فما لهم فيه وأن يخرجهم عما اختاره الله تعالى لهم إلى مختارهم لأنفسهم. وما أدخلك الله تعالى فيه، تولى إعانتك عليه، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه.

فائدة : أكثر ما حجب الخلق عن الله تعالى شيئان: هم الرزق وخوف الخلق.

فائدة: الغنى أن أردت الدلالة عليه، فهو في اليأس في من الناس، ولقد قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع غيري لنفسي؟ ورجوت لغيري؟ فكيف لا أرجوه لنفسي؟

وهذا هو الكيمياء والإكسير الذي من حصل له غنى لا فاقة فيه، وعزل لا ذل معه، واتفاق لا نفاد له، وهو كيمياء أهل الفهم عن الله تعالى.

فملاك الدين : الورع، وفساده : الطمع . كما قال الحسن البصري.

فائدة : ينبغي لك أيها العبد أن لا تأس على فقد شيء، وان لا تركن بوجود شيء، فان من وجد شيئا فركن إليه أو فقد شيئا فحزن عليه فقد اثبت عبوديته لذلك الشيء الذي أفرحه وجوده وأحزنه فقده وافهم ها هنا قوله عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة تعص وانتكس وإذا شيك فلا انتقش).فلا تحكم في قلبك أيها المؤمن شيئا إلا حب الله ووده، فانك اشرف من أن تكون عبدا لغيره، فقد جعلك عبدا كريما فلا تكن عبدا لئيما.

 

تم التلخيص بحمد الله

18/2/1430